بيان الاربعاء: شهدت امواج البحر المتلاطمة فصولاً مهمة من الصراع العربي الإسرائيلي، فاسرائيل حاملة طائرات غربية احد جناحيها على البحر الأبيض المتوسط والآخر على الطرف الشمالي للبحر الأحمر على خليج العقبة، مثلما لها قواعد مهمة في اريتريا واثيوبيا. يقول اللواء الركن حسام سويلم وهو خبير استراتيجي عسكري: «منذ اللحظات الاولى لقيام اسرائيل عام 1948 حرصت على ان يكون لها منفذ اعلى ساحل البحر الأحمر، وفي ذلك قال بن جوريون: لو تمكنا من السيطرة على مواقع مهمة في البحر الأحمر فاننا نتمكن من مواجهة سور الحصار العربي والانتقال إلى محاولة الانقضاض عليه. وطبقاً لقرار التقسيم في عام 1947 لم يكن لإسرائيل اية نقطة ساحلية على خليج العقبة، لكن عند قيامها عام 1948 اندفعت بكل قواها للاستيلاء على قرية «ام الرشراش» في خليج العقبة وحولتها إلى مدينة ايلات الساحلية وبذلك امتلكت ساحلاً على البحر الأحمر بطول ستة اميال يمثل منفذها الاستراتيجي الثابت تجاه العالم الافرو آسيوي. وخلال حرب اكتوبر عام 1973 اغلقت القوات البحرية اليمنية والمصرية مضيق باب المندب في وجه الملاحة الإسرائيلية، واستمر مغلقاً خلال شهري اكتوبر ونوفمبر، وقد تحرك الاسطول السابع الأمريكي مقترباً من المضيق اليمني، وكما ذكر وقتها فقد وضعت إسرائيل وحدات كوماندوز على جزر اثيوبية ـ عندما كانت اريتريا جزءاً من اثيوبيا ـ قريبة من باب المندب ولم يقع أي صدام، لا مع الاسطول الامريكي ولا مع القوات الإسرائيلية. قصة اغلاق باب المندب وفق مصادر يمنية كثيرة لم تكن وليدة الصدفة بقدر ما كانت نتيجة تنسيق عربي طويل، وكانت القوات البحرية والبرية اليمنية في حالة تأهب واستعداد، ومنذ اغلاق المضيق لم تقترب سفينة إسرائيلية واحدة، بل وغيرت السفن والناقلات الإسرائيلية اتجاهها. وللأهمية البالغة للمضيق بذلت القوى الغربية محاولات عدة تهدف إلى وضع المضيق وجزيرة بريم، ميون، وحنيش تحت السيادة الدولية في احدى صورها ولم يكتب لهذه المحاولات النجاح حتى الآن، فكيف عززت إسرائيل وأمريكا وجودهما في جنوب البحر الأحمر وشواطئه الافريقية والآسيوية؟ إسرائيل والبحر كما اشرنا ينطوي البحر الأحمر على أهمية كبرى للأمن العربي وتتمثل هذه الأهمية في كونه يقع في مركز الكتلة العربية وقلبها من الناحية الجيو ـ سياسية، وتمثل السواحل العربية حوالي 90% من اجمالي سواحله. أغلبية الدول التي تطل على البحر الأحمر عربية وهي: مصر، الأردن، السعودية، اليمن، الصومال، جيبوتي، والسودان، كما ان العنصر العربي يمثل الأغلبية من سكان اريتريا وليس هناك دولة غير عربية على البحر الأحمر سوى إسرائيل. وتعتبر إسرائيل مصدراً للتهديد الرئيسي للأمن العربي في البحر الأحمر، حيث طورت استراتيجيتها البحرية من مجرد العمل على صنع مجال للنفوذ الحيوي الإسرائيلي، سعياً إلى تقوية مركزها كقوة اقليمية في الشرق الأوسط وتهديد العمق الاستراتيجي الجنوبي لكل من مصر والسودان واعادة عدن ككيان يهودي، علاوة على العمل على تحدي الوجود العسكري البحري للدول العربية عموماً في البحر الأحمر. ذلك ما دفع إسرائيل لتطوير استراتيجيتها الأمنية في منطقة البحر الأحمر وعملت على تحقيق نوع من التوازن والتفوق العسكري في المجال الحيوي، وركزت على توطيد علاقاتها مع اثيوبيا واريتريا. تجاوبت اثيوبيا مع هذا التوجه، ورغم التطورات العديدة التي لحقت بالعلاقات الاثيوبية ـ الإسرائيلية صعوداً وهبوطاً منذ ذلك الحين، الا ان الجانبين بقيا حريصين على استمرار علاقات التعاون الامني والاستراتيجي بينهما، واستطاعت إسرائيل انتزاع الموافقة من اثيوبيا على الاحتفاظ بوجود عسكري في مجموعة جزر « دهلك وفاطمة وحالباً» منذ عام 1971، وكان ذلك جزءاً من برنامج شامل للتعاون الاستراتيجي بينهما وقتذاك. بهذه العلاقة الاستراتيجية مع اثيوبيا سعت إسرائيل للضغط على مصر والسودان وركزت على تشجيع اثيوبيا على اقامة مشاريع مائية على نهر النيل بهدف التأثير سلباً على موارد مصر والسودان المائية. وتشير المصادر إلى محاولات إسرائيل الدخول إلى اريتريا من عدة منافذ عقب استقلال اريتريا، فأقامت علاقة قوية مع سياسي افورقي الذي سيطر على مقاليد الأمور في اريتريا منذ عام 1990. تطورت هذه العلاقات إلى مستويات متقدمة في مجال التعاون العسكري والامني وتضمنت قيام إسرائيل بارسال عدد من الخبراء العسكريين لتدريب قيادات الجيش الاريتري والمساعدة في انشاء حزب جمهوري في اريتريا. ساعدت إسرائيل اريتريا في احتلال جزر حنيش اليمنية عام 1995 وكانت تسعى من وراء ذلك للتأثير على امن البحر الأحمر واستنزاف الموارد اليمنية، الا ان اليمن لجأت للتحكيم الدولي من اجل انهاء هذه الأزمة. أهداف إسرائيل من السيطرة على البحر الأحمر ومنافذه يمكن اجمالها في عدة نقاط هي: 1 ـ تهديد واضعاف الدول العربية. 2 ـ استخدام اثيوبيا واريتريا كنقاط انطلاق لجمع المعلومات العسكرية والأمنية عن الدول العربية والافريقية المجاورة، لاسيما السودان والصومال وجيبوتي. 3 ـ استعادة «عدن» التي تعدها اسرائيل موطناً اصلياً لليهود، ومن ذلك تمويلها لعدة دراسات وتزوير عدة وثائق تاريخية ترجع اصول اليهود لليمن. 4 ـ تحقيق مكاسب مالية عن طريق مبيعات السلاح وفتح أسواق لبضائها، فقد باعت لكل من اثيوبيا واريتريا أسلحة في حربهما الضارية خلال العام 1998. القدرة على التهديد البحري ضد الدول العربية. هذه الأسباب وغيرها دفعت إسرائيل لتطوير قدراتها البحرية بشكل فاعل منذ السبعينيات لمجابهة التطورات الحادثة في البحريات العربية، ساعدتها في ذلك الولايات المتحدة وهي الحليف الاستراتيجي لها والتي لا تخلو أيضاً من مصالح في المنطقة. يقول الدكتور علي الفقيه من مركز الدراسات الاستراتيجية الافريقي والبحر الأحمر: «ادركت إسرائيل أهمية البحر الأحمر الاستراتيجية للأمن القومي العربي والتي تؤثر على المصالح العربية اقتصادياً وأمنياً مباشرة تبعاً للمتغيرات الاقليمية والدولية، فوسعت نشاطها لذلك بشكل غير عادي». كثفت إسرائيل من تواجدها الاقتصادي والدبلوماسي في كل من اثيوبيا واريتريا وكينيا وتحركت تجاه الصومال تحت غطاء انساني حيث اقامت فيه عدة مراكز لتقديم مساعدات للصوماليين عبر صناديق عديدة تدعمها المنظمات الصهيونية العالمية. ويرجع الدكتور الفقيه هذا التواجد الإسرائيلي إلى استغلال النزاعات والحروب الاهلية في هذه المنطقة، مشيراً إلى ان إسرائيل استغلت الصراع الصومالي الاثيوبي في القرن الافريقي، وكذلك النزاع الكيني، والنزاع الاثيوبي السوداني حول جنوب السودان، والنزاع الاريتري اليمني حول جزر حنيش، من اجل تحقيق أهدافها الاستراتيجية في البحر الأحمر موظفة في ذلك التناقضات العربية الافريقية في تلك المنطقة لتكثيف تواجدها. أخذ هذا التمدد الإسرائيلي شكلاً خطيراً في الصومال العضو في الجامعة العربية، بتقديمها مساعدات تولاها صندوق اغاثة الصومال وهو صندوق تدعمه وزارة الخارجية الأمريكية والمنظمة الصهيونية العالمية والمؤتمر اليهودي ومنظمة «بناي بريث» ومنظمة «جوينت» اليهودية وعدة منظمات وجمعيات صهيونية في الولايات المتحدة. وتم تأهيل مراكز المساعدة تلك بخبراء إسرائيليين وصلوا إلى الصومال، وحاولوا نسج علاقات مع قادة الفصائل الصومالية ملوحين بتقديم مساعدات عسكرية واقتصادية وصحية مباشرة، محاولة التوظيف الايجابي للبحر الأحمر وفقاً لمصلحتها على مختلف الاصعدة الاقتصادية والأمنية والاستراتيجية بعد ان كانت جهودها السابقة منصبة علي تلاقي الآثار المترتبة علي توظيف العرب للبحر الأحمر لصالح قضايا الصراع مع إسرائيل في المراحل السابقة. ويرى الخبراء والاستراتيجيون ان الصومال مهمة استراتيجياً من باب كونها تواجه عدن وخليجها وتواجه سواحلها مما يضيف اليها وظيفة اخرى استراتيجية هي السيطرة الكاملة على الزاوية البحرية المهمة بوضعها في مداها الدفاعي الاستراتيجي ان لم تتمكن من تحقيق تواجد عسكري أمريكي ـ إسرائيلي فيها. رؤية أمريكية شاملة ترتسم الملامح العامة للطموحات الأمريكية والإسرائيلية في البحر الأحمر في ثلاثة من المستويات: ـ الأول: يتصل بالطموحات التي تجسدها سياسات القوى المحلية التي تشكل جغرافياً دول البحر الأحمر بما فيها القرن الافريقي. ـ الثاني: يتعلق بطموحات القوى الاقليمي. وفي هذا يبرز حضوران متناقضان أولهما الحضور الإسرائيلي وثانيهما الحضور العربي. ـ الثالث: تجسده طموحات القوى الدولية، وفي المقدمة الولايات المتحدة، وهذه القوى لا ترسم فقط موقع البحر الأحمر في الخريطة العالمية بل ترسم حدود وطبيعة العلاقات الممكنة بين الكيانين الآسيوي والافريقي، وهي تحاول ان ترسم طبيعة تطور كل واحد من الكيانات في المنطقة. ورغم ان في الواقع طموحات لأكثر من قوة دولية في المنطقة بينها فرنسا وايطاليا، غير ان الاكثر حضوراً هي الطموحات الامريكية والإسرائيلية والتي على هامشها وحوافها تبرز وتعيش طموحات اخرى ومن مستويات مختلفة الأساس. الطموحات الامريكية في البحر الأحمر تشكل مجالاً سياسياً يتوافق مع الاستراتيجية الأمريكية ومصالح الولايات المتحدة في هذه المنطقة وجوارها العربي ـ الافريقي، وذلك في اطار رؤية أمريكية شاملة للعالم كله. ومنذ بداية التسعينيات استطاعت الولايات المتحدة ان تؤكد حضورها في المنطقة باقامة توافق بين سياساتها وكل من اريتريا والحبشة وهما اكبر نظامين في القرن الافريقي. مخطط الولايات المتحدة الذي يمتد في احدث مستوى له إلى بداية التسعينيات يهدف إلى فرض حالة التدخل المباشر والتأثير في القوى الداخلية لدول المنطقة، ويفسر ذلك حرصها على تكثيف تواجدها العسكري الذي استفاد من المتغيرات الاقليمية والدولية. طموحات امريكا تتوافق مع الطموحات الاسرائيلية في تكريس نفوذهما في كيانات: القرن الافريقي، اليمني، خليج العقبة، وتأمين أو ضمان وجود مباشر وامني في مضيق باب المندب وهو ممر إسرائيل الاستراتيجي إلى شرق افريقيا وطريقها البحري إلى آسيا. وبالطبع فان في الطموحات الأمريكية الإسرائيلية ما هو اكثر من الطموحات الاستراتيجية الكبرى وفيها طموحات سياسية اقتصادية مباشرة تضمن لها منافع ومكاسب وفوائد. أهداف إسرائيلية شاملة دراسات كثيرة تناولت التواجد العسكري الإسرائيلي في البحر الأحمر والذي تعزز منذ حرب اكتوبر 1973 لضمان عدم تكرار ما وقعت فيه إسرائيل من حصار بحري ـ عسكري. ووفق دراسة للواء الركن حسام سويلم، يشير الباحث إلى ان إسرائيل تريد تحقيق عدة أهداف عسكرية من تطوير سلاحها البحري منها: 1 ـ القيام بعمليات جوية وبحرية ضد الدول العربية المطلة على البحر الأحمر بواسطة الدوريات البحرية والجوية. 2 ـ شن ضربات بحرية وجوية ضد الموانيء والقواعد البحرية العربية المتواجدة على ساحل البحر الأحمر. 3 ـ مهاجمة القوافل التجارية للدول العربية. 4 ـ تحييد مضيق باب المندب عن طريق سرعة السيطرة على الجزر المتحكمة فيه واغلاقه في وجه الملاحة العربية. 5 ـ القيام بعمليات تخريب ضد المنشآت العربية المهمة المتواجدة على ساحل البحر الأحمر. 6 ـ القيام بعميات انزال بحري وجوي مساندة للقوات الإسرائيلية على مناطق مهمة من السواحل العربية. 7 ـ تأمين الملاحة الإسرائيلية وقوافل سفنها التجارية التي تحمل صادراتها إلى بلدان آسيا وافريقيا. 8 ـ تدمير القوات البحرية العربية العاملة في البحر الأحمر في معارك بحرية وحيوية سواء داخل أو خارج المياه الاقليمية. 9 ـ كما يشكل الحشد البحري الإسرائيلي في البحر الأحمر عامل ردع استراتيجياً في مواجهة القوات البحرية العربية التي بدأت تتعزز امكاناتها في البحر الأحمر. ولتحقيق هذه الأهداف عمدت إسرائيل لتطوير قدراتها البحرية العسكرية، والتي تشمل وفق دراسة للواء سويلم الآتي: ـ اقامت إسرائيل قاعدة عسكرية بحرية في ايلات لتكون قاعدة انطلاق في البحر الأحمر، ودعم عمليات عسكرية وزودت هذه القاعدة بالارصفة الخاصة بالدفاع الساحلي بالصواريخ، ونظام انذار ودفاع جوي وصاروخي يعتمد على صواريخ باتريوت وآرو ورادارات بعيدة المدى، بالاضافة لوحدات ميكانيكية للدفاع الأرضي والضفادع البشرية مستعدة للقيام بمهام قتالية ضد أهداف بحرية في الدول العربية الواقعة في خليج العقبة، وحوض البحر الأحمر. ـ كذلك اقامت مطارا حربيا به سرب مقاتلات وهيلوكبتر هجومية واقتحامية عدا عن مستودعات ضخمة من الأسلحة والذخائر والمعدات والمهمات الحربية، ولواء ميكانيكي للعمل في منطقة البحر الأحمر وقواعد اطلاق طائرات بدون طيار للقيام بمهام الاستطلاع الجوي وإدارة النيران. ـ تواجد قوة بحرية مستديمة مكونة من 6 ـ 10 لنشات صواريخ، وقواعد صواريخ «سطح ـ سطح ـ جبرائيل»، وفرقاطتي صواريخ، 8 ـ 12 زورقا سريعاً مسلحاً لمهام الحراسة، 6 ـ 8 لنش طوربين، بالاضافة لقوة جوية تقوم بمهام معاونة البحرية. ـ حصلت إسرائيل على تسهيلات عسكرية من اثيوبيا، ثم اريتريا تمثلت في مواقع استطلاع وانذار لاسلكي في عدة جزر تقع قبالة باب المندب هي، دهلك فاطمة، وغيرهما، ولذلك ساعدت إسرائيل اريتريا في معاركها للسيطرة على جزر حنيش ضد اليمن. ـ كما تتواجد محطات انذار اليكتروني في حدود اريتريا مع السودان وهي على ارتفاعات تتراوح بين 300 ـ700 قدم توفر انذاراً مبكراً الهجمات الجوية والبحرية التي تتحسب لها إسرائيل. البحر الأحمر ومضيق باب المندب بالذات اسير الطموحات والتواجد الغربي الذي لن يكتفي بمجرد الوقوف على بواباته والرهان على الدخول اليه عن بعد، بل يتعدى ذلك إلى السيطرة على البحيرة العربية الحمراء، قلب الوطن العربي الموجع، للسيطرة على الوطن العربي برمته