لا ادري لماذا تطلق مجلة «الأهرام العربي» المصرية ناقوس الخطر اليوم حول أمن البحر الأحمر، فالخطر موجود منذ وجدنا على هذه الأرض العربية ، ومنذ وطأت حملة نابليون ارض مصر، ومنذ محاولات البريطانيين والبرتغاليين واليوم الإسرائيليين والأمريكيين السيطرة عليه. ربما الجديد في الموضوع الاشارة إلى التواجد الأمريكي في مقديشو وتزايد البوارج الغربية عند الضفة الشرقية لباب المندب ومحاولة فتح قنوات سرية مع جيبوتي، الأمر الذي لم يكن بهذه الكثافة وهذا الوضوح من قبل، ولكن ألم نوافق نحن على هذا التواجد؟ ولكن أيضاً واستدراكاً لذلك، ألم تنشط منذ عام 1973 الدوريات المنتظمة بين ميناءي «ايلات» و«مصوع»، وهل ان إسرائيل فشلت في خلق أو زرع وجودها في اريتريا واثيوبيا لنعود اليوم فتطرح انتباها؟ لعل الاخطر في الموضوع ان تطلب الدول العربية نفسها وجود قوات دولية لحماية سواحلها «الحمراء» من «متطرفي الإرهاب العرب» الذين قد يلقي مجنون منهم قنبلة أو متفجرة ما على سفينة مارة بالبحر، الأمر الذي سيدخل الاساطيل الغربية داخل البحيرة الحمراء بينما تقف اليوم على بواباتها. المفارقة الغريبة في الأمر اننا صرنا نعتقد بأن امننا ستصنعه نفس الدول التي حاربناها ونحاربها بشتى الوسائل السلمية والعسكرية خشية على امننا منها. ولعل السلوك العربي السياسي الاخير مصاب بـ «الرهاب» أو لنقل الخوف من الوقوع في فخ التهم الأمريكية فأثر الوقوع في فخ آخر اقل خطورة هو فخ الانسلاخ من مفاهيم الأمن الاقليمية القديمة اسوة بالولايات المتحدة التي انسلخت من ديمقراطيتها العتيدة واتفاقاتها الدولية وشكلها لتدخل في ثوب اخر لا يمكن ان نعطيه سوى لون القراصنة. أمن البحر الأحمر اخرس مثل جغرافيتها الخرساء التي طالما ابكت سفن الغازين المتمزقة على سنان صخورها البركانية، وهو أمر بات اليوم مقرونا بالمصالح الأمريكية ـ الإسرائيلية ـ الغربية، لا العربية. ربما ادرك المحللون العرب ان القضايا الاستراتيجية الشائكة في الوطن العربي قد احيلت للقضاء الأمريكي ـ الإسرائيلي، فحاولوا الحفاظ على ما تبقى من ماء الوجه، أو ما تبقى من الثروة التي مازالت نقية في البحر الأحمر. وأمن البحر الأحمر يمس امن الدول العربية التي تقوم على سواحله وتشكل 90% من هذه السواحل، أهميته الاستراتيجية كموقع لربط أوروبا وآسيا وافريقيا تجعله مطمعاً لكل العالم لا الأمريكيين فقط، وربما ادركت اسرائيل مغزى المحاولات الفرنسية والبريطانية والبرتغالية وغيرها من السيطرة على منافذ هذا البحر. لكن إسرائيل الوحيدة التي نفذت من اسيجة حذرنا المخرومة ابداً لتصنع لنفسها مواطيء اقدام على السواحل الافريقية للبحر مثلما نجحت في اقامة ايلات على جثة قرية «ام الرشراش» الفلسطينية في خليج العقبة. البحر الأحمر لا يكتفي بالموقع الاستراتيجي الرابط بل يضمر أيضاً احياء بحرية نادرة الوجود في العالم يمكن استخلاص علاجات منها لخمسة امراض خطيرة على الأقل. وبالتأكيد فان البحر الذي تشرف عليه دول نفطية جميعها عربية، يصبح اثمن جوهرة تتوج تاج الدول التي تحلم بالعودة لهذه المنطقة، ألم يقل احد الجنرالات البريطانيين عند احتلاله عدن انها جوهرة التاج البريطاني لخطورة وأهمية موقعها على باب المندب. الأمر اخطر من مجرد تنبيه لتواجد امريكي سيبقى، نحن الذين دعوناه ليبقى، لكن الأمر سيصبح منطلقاً لعمليات عسكرية كثيرة ربما بدأنا ندرك احتمالاتها بكثافة منذ نجاح اليمن في استعادة جزر حنيش، حينها اثير الجدل لتواجد امريكي محدود في سقطرى قامت القيامة اليمنية والعربية بعد عام 1998، وحينها أيضاً لا يمكن تناسي زيارة الجنرال انطوني زيني نفسه لمنطقة البحر الأحمر، زيارة تشبه تلك التي قام بها مؤخراً، مع فارق التوقيت لا المضمون. ولعلي لا اذكر جديداً اذا اشرت إلى ان عام 1998 بالذات شهد انطلاق احدى الالعاب من شركة امريكية حملت اسم «مشروع البحر الأحمر» تؤسس ذهنية الاجيال الجديدة على قتال شعوب اليمن، السودان واثيوبيا تحت عنوان كبير «يمكنكم قتل شعوب العالم الثالث بطائرات F22h F16 والصواريخ المتطورة، هذه الشعوب التي تسكن سواحل البحر الأحمر لمجرد انها ولدت فيه، وهي طريقة غريبة لترسيخ المصالح الأمريكية في نفوس الاجيال الجديدة. هل يمكن ان نقول ان البحر الأحمر يوشك ان يقع في المحظور؟ انا اقول ان المحظور قد وقع، فاسرائيل في اعلاه «ايلات» وفي اريتريا واثيوبيا وربما غداً اماكن عربية اخرى والامريكيون في الشواطيء المحظورة على إسرائيل اليوم. انه ثروة أخيرة، أو ما تبقى، ضيعناه مثل التي «ضيعت في الصيف اللبن»، ولم يبق لنا الا ان نبكي على ما ذهب مع الريح التي عصفت بنا قبل أمريكا، وربما ينبغي ان نسميه «بحر الدموع العربية» التي اقسم الغرب ان يجعلها تسيل. ل. ع