تشهد الساحة اللبنانية حركة محمومة تتولاها السفارة الامريكية قبل القمة العربية المزمع عقدها اواخر مارس المقبل، وهدفها كما هو واضح الضغط باتجاه تخفيف اية نتائج قد تصدر عن القمة قبل انعقادها. يعزز هذه المساعي زيارة شخصيات سياسية امريكية تحاول خلق جو يجمع بين الأراء العربية واعلان الرئيس الامريكي جورج بوش عن محور الشر كما اسماه «العراق، كوريا، ايران» بهدف التسخين بوتيرة عالية من السيناريوهات التي تجمل ضربة عسكرية جديدة وواسعة النطاق ضد العراق. وتطرح هذه الحركة الضاغطة جملة اسئلة يمكن تحديدها في اطر اربعة رد عليها في معرض ردهم على المساعي الامريكية وزير الخارجية اللبناني محمود حمود ورئيس لجنة الشئون الخارجية في المجلس النيابي اللبناني النائب الدكتور علي الخليل. تنحصر الأطر الاربعة اولا في سياسة الانحياز، الامريكية وسياسة الكيل بمكيالين، هي نوع من انواع «الارهاب المقنع. ثانيا: لايدخل في هذا الاطار محاربة امريكا للارهاب في بعض العالم، ودعمها له في البعض الآخر منه، خاصة في فلسطين، حيث ارهاب الدولة المنظم والجماعي والمتمادي تجذرا في العظام الصهيونية. ثالثا: واين يمكن ان يصب سوى في خانة «الارهاب المبطن» القضم الامريكي النهم لاي دور دولي آخر، وخاصة اذا كان اوروبيا، حيال اية مساعي للتسوية في ازمات العالم، وفي طليعتها ازمة الشرق الاوسط؟ رابعا: او ليست ارهابية ايضا تلك الممارسات العنصرية والتعسفية التي حصلت، وتستمر، ضد العرب والمسلمين في العديد من انحاء العالم «المتحضر». يتحدث الوزير محمود حمود في تلك الاطر الاربعة من تساؤلات اساسية مطروحة في وجه السياسة الامريكية فيقول: ان العالم الذي اثخنته حروب عديدة انزلت دمارا او اسالت دماء وشردت مجتمعات في مهالك مأساوية، شهد ايضا انتصار الحكمة والعقل والترفع عن العداء، الامر الذي اعاد الى المجتمع الدولي اتزانه وتوازنه حتى في ادق اللحظات الحرجة، ولنا في تجربة كل من الحربين العالميتين العديد من الدروس والعبر. فلقد انبرت الولايات المتحدة الامريكية لاعادة الامور الى نصابها بعد الحرب العالمية الثانية حيث قامت باحتضان الدول المتحررة من النازية وقدمت مشروع مارشال لازالة آثار الحرب وتغليب مباديء الديمقراطية والحرية مستندة الى القيم الحضارية التي تتمتع بها بسبب تنوع المنابع العرقية والثقافية لمجتمعها، وذلك يعكس الادراك السياسي الذي تحلت به الادارة الامريكية ازاء مشاكل العالم ومآسيه. ويتابع حمود قائلا: الواقع انه وكما بالامس، فان الولايات المتحدة قادرة اليوم بل مدعوة لدور حضاري مماثل يعزز قيم التنمية والحوار بين الثقافات والحضارات واعلاء شأن الشرعية الدولية والسيادة الوطنية بالتعاون مع الاتحاد الاوروبي والمنظمات الاقليمية والفعاليات الدولية في اطار جهد دولي مشترك لازالة مسببات الارهاب. وفي هذا الاطار يمكن للاتحاد الاوروبي ان ينقل تجربته مع العرب والمسلمين الى الولايات المتحدة حيث ان معرفته عميقة بالدور الذي لعبوه عبر التاريخ واسهامهم في صناعة الثقافات والحضارات والعلوم السائدة اليوم من خلال رموز كإبن رشد وابن سينا والفارابي والخوارزمي واحمد بن جابر وجابر بن حيان وابن خلدون وجبران وقبلهم وبعدهم الكثير من العلماء والفلاسفة الذي طوروا من سلفهم واغنوا علوم من تلاهم في اطار راق ومتسامح ومبدع. بيروت وحدها، من خلال مدرسة الحقوق التي اسسها جوستنيانوس قدمت الكثير لصياغة النظم القانونية لمعظم الامم، ان العالم اليوم يحتاج الى مثل هذا النموذج في التعاطي مع مشكلة الارهاب وقرع طبول الحرب واطلاق اناشيد الاستعداء، والتحريض الاعلامي، والتحريض النفسي، والتجنيد المعنوي والعسكري لحضارات على حضارات، ودول على دول ومجتمعات على مجتمعات بذريعة مكافحة الارهاب سيخدم التيارات المتطرفة ويحقق اهدافها بالذات، والخطر الاكبر يكمن في وقوع الاجيال الناشئة فريسة هذه المناخات المسمومة التي ستقودها على الارجح الى مستقبل اكثر ظلما وظلاما. دعوة لخطاب عربي جديد ـ كيف يمكن الحؤول دون دخول العالم مستقبلا من هذا النوع الاسود الذي يتحدث عنه وزير خارجية لبنان؟ ـ يجيب رئيس لجنة الشئون الخارجية في المجلس اللبناني النائب الدكتور علي الخليل بدعوته الى خطاب عربي جديد في مواجهة مستنجدات مابعد سبتمبر 2001، من ناحية وموجها رسالة نداء الى اتحاد البرلمانيين العرب ليضطلع بمسئوليات مصيرية حيال ذلك من ناحية اخرى. يقول النائب الدكتور الخليل: من المفيد والعالم اليوم يعيش حربا عنوانها «مكافحة الارهاب» والتي بات العالم العربي والاسلامي مستهدفا مباشرة بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر وتكال عليه التهم من خلال عنصرية كريهة، تروج لها وسائل الاعلام المتصهين وتشكل تأثيرا كبيرا على الرأي العام خاصة في الولايات المتحدة وبعض الدول الاوروبية، نعم من المفيد، وهذه مهمة اساسية للاتحاد البرلماني العربي، التأكيد من خلال حملة اعلامية وسياسية ناشطة، بان العرب كانوا السباقين الى مكافحة الارهاب وادانته من خلال الاتفاقية العربية لمكافحة الارهاب التي اقرت عام 1988 كما ان العرب كانوا السباقين في الدعوة الى طرح موضوع تعريف الارهاب والفصل بينه وبين نضال الشعوب في التحرير على الامم المتحدة، والوصول الى مفهوم موحد حول هذا الموضوع. لقد آن الاوان لتجاوز الشكوك والعلاقات القلقة فيما بيننا لنواجه مؤامرة طمس القضية الفلسطينية وتجديد نكبة الشعب الفلسطيني، والضغط على بعض الدول العربية والاسلامية تحت ستار اسلحة الدمار الشامل ولافتة الارهاب فيما تختزن اسرائيل الاسلحة النووية واسلحة الدمار الشامل دون رقابة دولية، وهي تمثل ذروة الارهاب المنظم. اننا نملك الدليل على الشخصية الاجرامية التي يمثلها الكيان الصهيوني وقياداته المتعاقبة، الذين استباحوا بيروت، ثاني عاصمة عربية بعد القدس، وارتكبوا المجازر بحق شعبنا غير آبهين بالرأي العالمي، الى ان تمكنت المقاومة الباسلة في شهر مايو 2000 من الحاق الهزيمة بجيش الاحتلال الاسرائيلي واجبرته على الانسحاب من معظم الاراضي اللبنانية، واليوم يستغلون ما حصل في الحادي عشر من سبتمبر، لابراز صورتهم وكأنهم الوكلاء المعتمدون للقضاء على الارهاب، وهم في الحقيقة يمثلون قمة ارهاب الدولة، وما نراه من صورة مأساوية يوميا في فلسطين اكبر شاهد على ذلك. ويدعو رئيس لجنة الخارجية النيابية الولايات المتحدة للتخلي عن الارهاب المقنع، اي عن الانحياز والكيل بمكيالين، والنظر بعين واحدة، فيقول: نحن مع الالتزام بتطبيق قرار مجلس الامن الدولي رقم 1373 في اطار الثوابت الوطنية، لاسيما ما يتعلق منها بالصراع العربي الاسرائيلي، وبالتمييز بين الارهاب كظاهرة مرفوضة يجب محاربتها والتي يأتي العرب في طليعة ضحاياها جراء الارهاب الاسرائيلي المنظم، وبين المقاومة المشروعة، كالمقاومة في الجنوب اللبناني والانتفاضة في فلسطين المحتلة، التي تقرها القوانين والاعراف والمواثيق الدولية بما فيها ميثاق الامم المتحدة في مادته الـ 15. ولا يجوز تحت لافتة الارهاب استهداف مقاومة وطنية تناضل من اجل تحرير الارض واستعادة السيادة، كما لا يجوز تصفية حسابات مصلحية تحت هذه اللافتة كما تفعل اسرائيل، التي تحاول دفع المنظمة الدولية، من خلال اللجنة الدولية لمكافحة الارهاب المنبثقة عن مجلس الامن الدولي تنفيذا للقرار 1373، لتخوض حربها ضد العرب، عن طريق ممارسة الامم المتحدة ازدواجية المعايير والمقاييس في تطبيق قراراتها، واعتبار اسرائيل استثناء لاتنطبق عليه تلك القرارات. ويضيف: ان حرصنا على المنظمة الدولية وعلى قيامها بواجباتها وفقا لميثاقها يدفعنا الى لفت القيمين عليها، الى ان هذه المرحلة تشهد محاولة تهميش منظمة الامم المتحدة وخاصة مجلس الامن الدولي، كما تشهد ازدواجية المعايير بتطبيق القرارات الدولية والتعاطي مع الدول الاعضاء، ويردع المعتدي المحتل ارض الغير بالقوة، وزهق ارواح المواطنين وتدمير ممتلكاتهم وتشريدهم واعتقالهم والتمادي بهذه الممارسات العدوانية وبخرق القوانين والشرائع الدولية، كما تفعل اسرائيل في لبنان وسوريا وفلسطين والمنطقة، مما يتيح لنا القول بأن المنظمة الدولية التي تقدم الخدمات على الصعد الانسانية والبيئية والانمائية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، يجب ان تقوم بواجباتها كاملة على صعيد حفظ السلام والامن الدوليين. ويختتم الخليل منتظرا، كما سائر العرب، ما يمكن ان يصدر عن قمة القادة العرب في بيروت اواخر مارس المقبل من قرارات بشأن ذلك فيقول: ان الثوابت الوطنية تلتزم ايضا بالموقف الداعم للمقاومة وللانتفاضة، ولتلازم المسارين اللبناني والسوري وصولا الى تلازم المسارات العربية خدمة للمصلحة القومية المشتركة، وللسلام العادل والشامل المنطلق من مرجعية مدريد القائمة على معادلة الارض مقابل السلام وتنفيذ قرارات الشرعية الدولية الارقام 242، 338،425،194 والذي لن يتحقق الا باستكمال تحرير كامل الاراضي اللبنانية بما فيها مزارع شبعا والمواقع الحدودية الثلاثة، واطلاق سراح جميع المعتقلين في سجون الاحتلال الاسرائيلي، وبتحرير الجولان السوري المحتل حتى حدود الرابع من يونيو 67، وبوقف المجازر الاسرائيلية الاجرامية التي ترتكب بحق الشعب الفلسطيني لتصفية قادته وتهجير ابنائه وتقويض سلطته الوطنية، وباعطائه الحقوق المشروعة بالعودة، وباقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف. هذا التوجه، القائم على هذه الثوابت الوطنية، يجب ان يكون البند الاساسي على جدول اعمال مؤتمر القمة العربية الذي سينعقد في بيروت، لان نجاح هذا المؤتمر يتوقف على اهمية القرارات الصادرة عنه، وعلى مدى تمكن الدول الاعضاء من وضعها موضع التنفيذ الفعلي.