بيان الاربعاء: كان الفلسطينيون، طوال الوقت، يستشهدون بنتائج إستطلاعات برنامج الدراسات التنموية في جامعة بير زيت، بإعتبارها الأكثر دقة ومصداقية وجرأة حين تحدثت في استطلاعات سابقة، عن نزول شعبية الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات إلى ما دون الثلاثين بالمئة ذات يوم. وحتى لا يكون هناك كيل بمكيالين فإن التسليم بصدقية وموضوعية نتائج الاستطلاع الأخير يجب أن لا تكون محل شك من هذه القوى أيضاً. في الاستطلاع الذي أتحدث عنه والذي تم نشر نتائجه منذ أيام، قال 73% إنهم يؤيدون المفاوضات مع الإسرائيليين للتوصل للسلام النهائي، وقال 77% إنهم يرون من حق الشعبين: الفلسطيني والإسرائيلي أن يعيشا بسلام فوق أرض فلسطين. المعلقون على الاستطلاع قالوا إن التحركات الأوروبية والعربية التي أوحت بوجود ضوء في نهاية النفق، أنعشت الآمال ودفعت لارتفاع نسبة المؤيدين للسلام الذين لم تنزل نسبتهم في أي يوم وفي أحلك الظروف عن 55.وأضيف لذلك سبب آخر وهو عدم إيمان الأغلبية الفلسطينية، وأتحدث عن معرفة مباشرة يقينية أستوثق منها القلب والبصر، عدم إيمانها بجدوى الخيار العسكري الفلسطيني في غياب الخيار العسكري العربي. هذا هو موقف الأغلبية الصامتة حيث جاء في الاستطلاع أن أكثر من نصف الجمهور لا يؤيد أي فصيل فلسطيني على الإطلاق. ثمة إذن رغبة في التغيير كانت تتفاعل منذ زمن، وجاءت عسكرة الإنتفاضة حيث لا صوت يعلو فوق صوت المعركة لتوقف، مؤقتاً، تلك التفاعلات الطامحة إلى بناء أحزاب ومؤسسات مجتمع مدني تتعامل بالمنطق والعلم ومفردات العصر وقضايا البناء والتكنولوجيا، بعيداً عن الخطابات والعنتريات التي تنتمي لمرحلة سابقة، كان يجب أن تختفي وراء السحب وتتوارى عن الأنظار، لولا بعض الفضائيات التي وجاءت بالجثث السياسية لتلقي خطابات الخمسينيات بعد نصف قرن. شيء مهم في هذا الاستطلاع وهو أنه رغم ارتفاع نسبة مؤيدي الفصائل الإسلامية إلى 29%، لأسباب لا أريد التحدث فيها الآن، فإن 71% من الجمهور مازال بعيداً عن تأييد هذه القوى، وهو لذلك بعيد عن تأييد سياساتها وقتلها للمدنيين في شوارع تل أبيب وحيفا، حيث ترى الأغلبية ـ حسب الإستطلاع، أن كفاحنا يجب أن يتركز في الأراضي المحتلة عام 1967م: ضد الجيش والمستوطنين لأننا نريد دولة في حدود هذه الأراضي، وهو برنامج منظمة التحرير والذي افتخر قائد إسلامي بارز، في حوار معى، جرى نشره في عدد من الصحف العربية، بأن أحد إنجازات الانتفاضة الحالية هو أن منظمة التحرير لم تعد الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني. الإستطلاع يحسم الأمر ويؤكد أن أغلبية كبيرة جداً مازالت تؤيد برنامج منظمة التحرير، الذي صادره المتشددون وفرضوا بذلك أجندة الأقلية على مجموع الأغلبية. هذا هو الإستنتاج الرئيسي من الإستطلاع، وهذا هو الرد العملي الملموس، بالأرقام والإحصاءات، على أصحاب الصوت العالي الذين يمتطون ظهور الفضائيات كل صباح ومساء، ويتمنون لو استمر نزيف الدم الفلسطيني سنوات، لأنهم بذلك وحده يصعدون درجات السلم ويصبحون نجوماً. هي إحدى مشكلات العمل السياسي الفلسطيني منذ عقود. هناك من أصبحوا نجوماً بفضل المعاناة الفلسطينية والتي تعاطف معها العالم بأسره، ولا يريدون أن نصبح شعباً عادياً. محمود درويش يقول إن ما نطمح إليه أن نكون شعباً عادياً، لكن ذلك ليس ما يطمح إليه النجوميون، من اليمين ومن اليسار على حد سواء. في الاستطلاع توجد نسبة هائلة تتجاوز الثمانين بالمئة تتحدث عن الفساد وتطالب بمحاربته وتتحدث عن ضرورة إحداث تعديل وزاري. يجب أن نعترف بأن الجيل الجديد الذي يقود الانتفاضة لم يفلح في إثارة قضايا من هذا النوع، بشكل جّدي ومثابر. لا يكفي الحديث في الأمر. في المناسبات وفي ثنايا البيانات الموسمية، يجب أن يتحول الإصلاح المؤسساتي ومحاربة الفساد والإفساد إلى البرنامج الرئيسي لقوى التغيير. لكن التطرف يعمى القلوب والأبصار ويعمد إلى حرق المراحل من خلال الصوت العالي والفكر الإنقلابي. إغتيال فاسد واحد في غزة لا يعني شيئاً فقد اتسعت الدائرة ولم يحدث أي علاج. نحن إذن أمام حقائق ومعطيات عملية واضحة من خلال الاستطلاع فلماذا يصّر المتطرفون على معاندة الواقع ويسيرون بنا نحو الكوارث، التي جرونا إليها، مرة كل عقد، منذ سبتمبر 1970م وحتى يومنا هذا