من بين كل الزعماء الاوروبيين، كانت استجابة رئيس الوزراء البريطاني توني بلير لهجمات 11 سبتمبر هي الأقوى بدون ادنى شك، فقد هرع وزير الخارجية البريطاني، لنصرة القضة الامريكية فأعلن على الفور عن ضرورة محاربة الارهاب وتعهد بارسال قواته للقتال في افغانستان، اخيراً ظهر بلير بالصورة التي طالما رأى نفسه فيها يلعب دوراً عالمياً محورياً ودور جسر بين الولايات المتحدة واوروبا. الآن بعد مرور حوالي خمسة أشهر على احداث سبتمبر يجد رئيس الوزراء نفسه في موقف حرج على نحو غير متوقع لكن بلير لا يزال يسود في استطلاعات الرأي العملية ويتمتع بأغلبية برلمانية للانتخابات التي لن تجري قبل ثلاثة اعوام، الاقتصاد البريطاني يؤدي بشكل جيد نسبياً. وحزب المحافظين المعارض لا يزال يحاول استجماع قواه بعد الهزيمتين الساحقتين اللتين مني بهما في الانتخابات العامة لعامي 1997 و2001. ان الاحساس المتنامي بأن بلير يتراجع محلياً ودولياً قد يبدو غريباً لكن هذه ليست ايحاءات يطلقها خصومه والعديد من مشكلاته تأتي من اصدقائه الحاليين او اصدقائه السابقين وهذا يجعل التعامل مع هذه المشكلات امراً اصعب بكثير. دولياً، يلاحظ ان علاقته الوثيقة بالرئيس الامريكي جورج بوش تتجه نحو دائرة التساؤل والاستفهام. بلير لا يوافق على المضي قدماً في ضرب العراق او ايران او كوريا الشمالية، كما ان الصور الملتقطة لسجناء القاعدة وطالبان المحتجزين داخل اقفاص معدنية في قاعدة امريكية بكوبا تركت اثراً سلبياً في بريطانيا، وزير الخارجية البريطاني جاك سترو كان فظاً بما يكفي للتعليق بأن «محور الشر» الذي اشار اليه بوش في خطاب عن حالة الاتحاد لم يكن سوى جزء من السياسة المحلية. قبل كل شيء هناك اعتقاد متزايد بأنه على الرغم من كون بريطانيا قد شكلت دعماً مفيداً في الاسابيع التي تلت 11 سبتمبر، فإنها ليست اكثر من شريك اصغر لامريكا، وان تأثير بلير على الرئيس بوش محدود جداً وذلك يقوض مزاعمه باحتلال مكانة «محورية» في العالم في وقت اصبحت به هرولته المتواصلة حول العالم مزعجة للبريطانيين. بدلاً من ذلك ينظر البريطانيون الى الوضع المتردي لخدماتهم الصحية والعجز في نظام التعليم الحكومي والاداء السيئ لنظام النقل العام ويتساءلون عما تقوم به الحكومة بشأن هذه الهموم اليومية. ان شبح اخفاق العمال الجدد في استثمار ما يكفي من الاموال والاهتمام لجعل الخدمات العامة تعمل بشكل افضل في طريقه لمطاردة بلير الذي زاد من غضبه اصرار الحكومة على تشجيع تأسيس شراكات بين القطاعين العام والخاص في ميادين مثل نظام مترو انفاق لندن والذي يعتقد العديد من الناس انه لن يقدم خدمات افضل بالسرعة التي يريدها الركاب. من ناحية اخرى، جلب بلير لنفسه اعداء جدداً او اعاد ازكاء العداوات القديمة، بخطاب ألقاه في شهر فبراير الماضي وبدا فيه يتهم ممثلي نقابات العمال المعارضين لخطط الشراكات الخاصة العامة بأنهم «هدامون» وسارع معاونوه الى اصلاح الامر بالقول انه كان يقصد بكلامه معارضته حزب المحافظين، لكن ذلك لم يخرج بلير من الورطة المحرجة التي وضع نفسه فيها، فنقابات العمال نشرت اثر ذلك الخطاب اعلانات متتالية على صفحات كاملة من الصحف المحلية البريطانية تظهر ممرضات يحملن اطفالاً وتتساءل عما اذا كان من الممكن وصف هؤلاء بالهدامين. وبتطوير نمط رئاسي من الزعامة، لم يبق لدى بلير سوى بضعة حلفاء داخل مجلس الوزراء وهناك توقعات كبيرة بأن نائبه جون برسكوت سيتنحى في الانتخابات المقبلة لا سيما انه لا يحظى بنفوذ كبير في الحكومة حتى ان هناك تكهنات بأن بلير ربما يحاول ان يعيد الى الحكومة معاونه الأسبق بيتر ماندلسون الذي ساعده في تشكيل حركة العمال الجدد قبل ان يجبر على الاستقالة مرتين بعد ثبوت تورطه في فضائح. لكن أكبر صعوبة يواجهها بلير في الحكومة هي علاقته بوزير الخزانة القوي جوردون براون الذي كان في مرحلة من المراحل عاقداً العزم على الوصول الى زعامة حزب العمال، ويعتقد على نطاق واسع انه لم يتخل عن هذا الطموح على المدى البعيد. وبراون الذي يمسك بقبضته على الموارد المالية للحكومة، كان ولايزال الشخصية المحلية المهيمنة على الادارة، ولا ينوي التخلي عن شبر واحد من نفوذه. وقد رفض الزام نفسه بانضمام بريطانيا الى العملة الاوروبية الموحدة، الأمر الذي يرغب بلير بتحقيقه كتتويج لفترته الرئاسة الثانية. لكن بدون موافقة براون، فإن حتى قوة اقناع بلير لن تكون كافية للفوز باستفتاء جماهيري على عضوية اليورو. قد يتفهم المرء ترفع بلير عن الانشغال في تفاصيل تحسين الخدمات الصحية وقطاع النقل لكونه رجلا اعاد صياغة حزب سياسي كبير وقاده الى الفوز بالانتخابات مرتين وظهر مرفوع الهامة على المسرح الدولي، فهذه الأشياء ليست من اختصاص رجل يحظى بهذه المكانة الرفيعة. لكن مرؤوسيه لا يبلون بلاء جيدا في معالجة مثل هذه المشاغل اليومية على نحو مرض أثناء تجوال زعيمهم بين دول العالم. وهذا الأمر يترك نوعاً من فراغ الزعامة بدأ يضجر البريطانيين بشكل متزايد، وإذا كانت الولايات المتحدة عازمة على خطوات عملية وفق النسق الذي تبدت ملامحه في خطاب حالة الاتحاد، سيصبح مأزق بلير أسوأ بكثير. لأنه لن يواجه بالتساؤلات اللاذعة في بلده وحسب، بل سيكون ايضا عرضة لسخرية واستهزاء بلدان أوروبية مثل فرنسا وألمانيا اللتين جاهرتا بشكوكهما حول السياسة الامريكية. ولو أجريت هناك انتخابات بريطانية في الغد، فلاشك ان بلير سيفوز بها كلها، ذلك فقط بسبب ضعف معارضة المحافظين. لكن اقبال الناخبين على صناديق الاقتراع سيواصل ايضا التدني الحاد الذي شهده العام الماضي، فالبريطانيون في مزاج متعكر لأنهم يعون ان بلدهم في عدة نواح يعمل أقل من البلدان الاوروبية المجاورة. ان بلير محق تماماً في قوله ان تحسين البنية التحتية والخدمات العامة يستغرق وقتا طويلا. لكنه بوصوله للسلطة منذ خمس سنوات كانت لديه الفرصة للقيام ببداية جادة تثير اعجاب الناخبين، وعوضا عن ذلك يتكون عند البريطانيين انطباع بأن رئيس وزرائهم يأخذ على عاتقه تسوية مشاكل العالم، فيما يتجاهل الناس الذين أوصلوه الى السلطة في المقام الأول. وإذا كان بلير حريصاً على عدم افساد علاقته مع الشعب، التي كانت علاقة ذهبية في يوم من الأيام، عليه ان يتحرك على الفور لتغيير هذه الانطباعة. جوناثان فنباي ـ «جابان تايمز»