يستمد هذا الكتاب أهميته من انه يوضح لنا جانباً من أسرار السلوك السياسي الامريكي الراهن الذي يبدو للبعض لغزاً تكتنفه الأسرار، ويلقي الضوء على مجموعة مهمة من الحقائق أبرزها ان التحرك الأمريكي الذي سبق 11 سبتمبر، بسنوات لم يكن الا انسياقا وراء النزوع الى التسلط الامبراطوري مع الحرص على التملص من المسئوليات التي يفرضها الحكم الامبراطوري بحسب التجربة التاريخية على امتداد قرون طويلة. ومؤلفا الكتاب روبرت تكر أستاذ السياسة الخارجية في جامعة جونز هوبكنز، وديفيد هندركسون استاذ العلوم السياسية في جامعة كولورادو، يعدان من الكتّاب الاكاديميين البارزين في الولايات المتحدة، ونقد أولهما لمعطيات الفكر الماركسي وطروحاته الأساسية أشهر من ان يعرف به، كما ان مساهمات ثانيهما في اطلاق العديد من الافكار وبالونات الاختبار الامريكية لا يغفل عنها أحد من متابعي التداخل بين الفكر والحركة الامريكيين. منذ مئة سنة أو تزيد قليلا، كانت بريطانيا ـ العظمى وقتئذ ـ تستعد لارسال سفيرها الجديد الى الولايات المتحدة. كان طبيعيا أن يسألوا المبعوث الدبلوماسي الانجليزي عن السياسة الخارجية والعلاقات الدولية لأمريكا حيث منصبه المتوقع الجديد، يومها لم يتورع السفير وكان اسمه اللورد جيمس برايس عن أن يقول: دور السياسة الخارجية في الحياة الأمريكية يمكن وصفه كما يصف السياح وجود الثعابين في ايرلندا: وبالمناسبة ـ أضاف اللورد السفير ـ لا يوجد في ايرلندا أي ثعابين على الاطلاق! ولكن بعد ان دار الفلك دورته عبر قرن كامل من الزمان، جاءت حقبتنا الراهنة التي عمد فيها جمهرة من الباحثين والمحللين الى تأكيد دور أمريكا وسياساتها ومنطلقاتها على أصعدة سياسية شتى ولدرجة ان يقول الكاتبان (نورمان ومندي كانتور): ان مساهمات أمريكا المرموقة في ثقافة القرن العشرين لم تقتصر على ماقدمته في مجالات الفلسفة والعلوم والفن والأدب، ولكن الحاصل ان ثقافة أوروبا الغربية اصبحت مستوعبة في طيات عالم الثقافة الأمريكية ومن ثم اتخذت شكلها النهائي واهميتها البارزة ضمن السياحة الأمريكية بالدرجة الأولى، لا عجب اذن أن ترد مثل هذه العبارات والاحكام في كتاب شهير يحمل عنوانا بالغ الدلالة ويصف القرن العشرين كما يلي: انه القرن الأمريكي. كأنما استولت أمريكا على المئة سنة الأخيرة واستفردت بها وطبعتها بطابعها أو أخذتها لحسابها الخاص. وغير بعيد ذلك الشعار الذي تردد في جنبات الحياة الأمريكية ولاسيما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر من العام الماضي وفيه يقول الأمريكيون عن انفسهم: نحن أعظم أمة وجدت على ظهر الأرض وربما نتصور ومعنا الحق انهم رفعوا مثل هذا الشعار وعمدوا الى اشاعته وترديده بين صفوفهم من باب تعزية النفس عما أصاب بلادهم ومرافقهم وحياتهم الاقتصادية، وكيانهم النفساني وايضا من باب لملمة أطراف العزيمة واستجماع ما تهاوى من عناصر الارادة وركائز التصميم فيما يسميه التراث العربي باسم رباطة الجأش ـ ربما نتصور هذا كله، ونتفهم اسباب هذا كله وخاصة على مستوى آحاد الناس أو رجل الشارع الأمريكي لكن يبدو أن نزعة (الأمة ـ الأعظم) هذه لها جذورها في متن السياسة الخارجية من جهة وقد تستمد لنفسها أصولا تصدر عنها وتنطلق منها في صورة ـ الذات ـ بمعنى الصورة التي ترى فيها أمريكا نفسها وترى دورها على ساحة عالمها وفي سياق العصر الذي تعيش فيه. في ضوء هذا كله نتفهم محور الكتاب المهم الذي نقلب صفحته في هذا السياق وعنوانه: الاغراء الامبراطوري. أو بعبارات أخرى: غواية النزعة الامبريالية والكتاب من تأليف اثنين من الأكاديميين البارزين في الولايات المتحدة، أولهما استاذ السياسة الخارجية في جامعة جون هوبكنز (البروفيسور روبرت تكر) والثاني استاذ العلوم السياسية في جامعة كولورادو (البروفيسور ديفيد هندركسون). نقطة الانطلاق نقطة الانطلاق في هذا الكتاب هي عام 1989 ـ عام سقوط حائط برلين الشهير الذي لم يكن مجرد جدار فاصل بين شرقي ألمانيا (الشيوعي) وغربي ألمانيا (الرأسمالي) بقدر ماكان ـ كما هو معروف ـ رمزا مجسدا لحقيقة الانفصال ـ الانفصام ـ الصراع بين كتلتي الشرق والغرب، بين المعسكر الاشتراكي (أو الشيوعي) بقيادة الاتحاد السوفييتي، والمعسكر الغربي (الرأسمالي) بقيادة الولايات المتحدة. ومن المعروف ان هذا الصراع الذي كان بكل ما اتسم به من ابعاد عقائدية ـ مصلحية ـ سياسية ـ واقتصادية وطبعا عسكرية، وصلت احيانا من حيث الذروة الى حافة المواجهة العسكرية النووية ـ في أزمة صواريخ كوبا مثلا عام 1961 ـ هذا الصراع كان يعرف باسم الحرب الباردة التي كان اطرافها يديرون رحاها بوسائل يصدق عليها حقا وصف البرود وفي مقدمتها حرب الدعاية والاعلام ـ حرب الكلمة والمعتقد الى جانب حرب الجواسيس ومحاولات الاحتواء المتبادل. وحين جاء عام 1989 وشهد انهيار حائط برلين كان في ذلك ايذان للكافة بان الحرب الباردة قد وضعت اوزارها وكان في ذلك اعلام ـ للكافة ايضا ـ بان الذي انهزم في تلك الحرب الغريبة الفريدة في التاريخ هو الاتحاد السوفييتي والكتلة الشيوعية التي كانت تدور في فلكه، فيما كان المنتصر هو معسكر الغرب ـ بل الولايات المتحدة الأمريكية على وجه التحديد. ان كتابنا لا يقصر فوز أمريكا على انتصار واحد تم عام 1989 بل يقرنه بفوز أمريكي آخر يراه الكتاب مهما حين تجسد في كسر العراق وتحرير الكويت وفوز التحالف الذي التأم عقده وقتها على نظام بغداد.. ومرة اخرى فإن هذا النصر توجهت معظم ثماره ونالت معظم استحقاقاته وعائداته الولايات المتحدة لدرجة ان الكتاب ينشر واحدا من فصوله تحت عنوان (النصران اللذان تحققا) بواشنطن بطبيعة الحال. في هذا الصدد يشير الكتاب الى ان كل نصر ـ وهذا طبيعي ـ لابد وان يعقبه السؤال البديهي: وماذا بعد؟ ومعنى السؤال هو: ماذا نصنع بعوائد هذا الفوز الذي تحقق؟ ذلك لأن الشعوب والدول لا تكافح ولا تضحى من أجل تحرير ارادتها أو تحقيق ذاتها أو كسر ارادة خصمها، فتحقق نصرها ثم تعمد الى وضع هذه العوائد كلها في متاحف التاريخ. الأمم والدول الحديثة تبادر الى توظيف تلك العوائد ضمن استثمارات ـ تاريخية كما قد نسميها من أجل تعظيم تلك العوائد من جهة وممارسة أدوار على ساحة العالم تليق حقيقة بما انجزه المنتصرون. عند هذا المنعطف يقف كتابنا عند ملمح فريد وربما غريب حين يلاحظ مؤلفا الكتاب كيف ان الشعب الأمريكي استقبل نصر الحرب الباردة وسقوط حائط برلين، ومن ثم زوال الخصم السوفييتي، بقدر ملحوظ وغريب أيضا من عدم الاحتفال. وعندنا ان هذا الشعور من الاحتفال الفاتر أو الفتور المحتفل يعود الى ان نصر الحرب الباردة لم يكن قد اتصف بطابع الاثارة الدرامي المعهود في الحروب العسكرية الساخنة.. لم يكن ثمة جيوش تستسلم ولا قادة جنرالات يوقعون صكوك الهزيمة ولا اهازيج تتردد بالنصر ولا عودة مقاتلين من ميادين الوغى يستقبلهم الناس باكاليل الغار. أكثر من هذا، فنحن نتصور ان لم يكن في الأمر فتور بقدر ما كان الأمر يكتنفه شعور بعدم التصديق أقرب الى الانبهار ـ أو صدمة الذهول السياسي، لقد ظل بنيان الخصم السوفييتي قائما وسامقا أمام أعين مراقبيه من الخارج على الاقل، لم يكن أحد يدري ولا كان أحد يصدق أن في داخل هذا البنيان وبين زوايا تلك الجدران كانت تدب عناكب وخفافيش التهاوي والتآكل والبلى والفناء ثم الاندثار. أين هذا كله من النصر الذي احرزته الآلة العسكرية الأمريكية على العراق. نصر بغير أمجاد العجيب ان هذا النصر في حرب الخليج الثانية حمل شحنات من شعور الظفر العميق.. جاءت ـ كما يقول كتابنا ـ أقرب الى شعور الكبرياء القوي! الذي راود افئدة الأمريكان العاديين. وكم يعجب المراقب السياسي ازاء مثل هذا الشعور أو الفخر بانتصار قوة عالمية ـ بل كونية جبارة على واحدة من دول العالم الثالث.. وهل كان العكس متوقعا بحال من الأحوال؟ لا غرو أن ماحققته العسكرية ـ الادارة الأمريكية في حرب الخليج الثانية وصفه بعض المحللين ـ منهم مثلا سالنجر وهو من كبار الاعلاميين وكان المسئول الاعلامي في ادارة سابقة بالبيت الأبيض، بانه جاء (نصرا بغير أمجاد). من هنا يظل السؤال الجوهري مطروحا: لماذا استقبل الأمريكيون انتصار الحرب الباردة وسقوط الخصم السوفييتي بقدر ملحوظ من الفتور، فيما استقبلوا الانتصار على العراق في حرب تحرير الكويت بقدر ـ كان ملحوظا بالفعل ـ من الاحتفال؟ يحاول كتابنا التماس اجابات شافية أو محترمة علميا لمثل هذه التساؤلات. وعند مؤلفي الكتاب الذي نناقشه هنا فإن الانتصار الأول وقد جاء متدرجا ونتيجة تراكمات ماضية وعديدة كان معناه ان جاء أوان الاهتمام بقضايا الشئون الداخلية والسهر على تنفيذ السياسات والبرامج المحلية وخاصة بعد ان ارتفع الشعار يقول: لقد زال الخصم على ساحة الصراع أما الانتصار الثاني فقد حمل في طياته رسالة شقت طريقها الى شتى نواحي الحياة في الولايات المتحدة وكان مؤداها مايلي كما يوضح هذا الكتاب: ان أمريكا اصبحت هي القطب الواحد، بل الوحيد في ساحة السياسة والعلاقات الدولية. في يدها الحل وبين أناملها العقد، هي التي قررت التصدي لغزو العراق لجارته على ضفاف الخليج.. وهي التي كلفت وزير خارجيتها (بيكر) نسج شبكات من علاقات المصالح المتداخلة والمتشابكة خلع عليها اسم التحالف الدولي من أجل التحرير.. وهي التي دفعت وزير دفاعها ورئيس أركانها يومئذ (تشيني وكولن باول) الى السهر على تجميع وحشد آلة حربية اتسمت في جوانب منها بطابع متعدد الجنسيات واقتضت ترتيبات عابرة للحدود، بل للقارات والمحيطات. وقد تم هذا كله على صعيد السياسة والاستراتيجية وصعيد العسكرية، والاقتصاد في جهد لم يكن له سوى سوابق محدودة ومحددة في كتاب التاريخ. هي بالتحديد السوابق التي نجمت عن سلوك القوي الأوحد أو الكيانات السياسية العملاقة التي كانت تمارس بشكل أو بآخر، في هذه الحقبة أو تلك، دور الهيمنة على مقاليد عالمها أو السيطرة على مجريات الأمور في عصرها. هذه القوى لها اسم معروف في اجرومية السياسة والعلاقات الكوكبية وهو (الامبراطوريات الكبرى) أو دول الهيمنة الامبريالية هذه النزعة الامبراطورية، أو تلك الغواية التي تغري بانتهاج السلوك الامبريالي ـ سلوك السيطرة أو الهيمنة ان لم يكن الوصاية، مطلوبة أو مفروضة، هي التي أوقعت واشنطن في حبائلها ـ كما تلمح السطور في أكثر من موضع من فصول هذا الكتاب. في هذا الاطار يعود المؤلفان الى الدرس الجوهري المستفاد ـ في رأيهما ـ من حرب الخليج الثانية انه درس يتناقض كما يوضحان مع نظيره المستقى من وقائع وملابسات ونتائج الحرب الباردة.. وعندما فاز القطب الأمريكي على منافسه السوفييتي كان الدرس الأول هو أن آن الآوان لكي تتراجع القوة العسكرية ـ تعقبه الجيوش والانكباب الملياري على تطوير وحشد وتخزين أحدث الاسلحة وامضاها ـ الى مكانة ثانية في أجندة الاهتمامات القومية أو على الاقل مكانة تلى في ترتيب الاولويات مكانة تطوير التعليم وتحديث المرافق المدنية والنهوض بالتقنية وما الى ذلك بسبيل. وقبل ان يبلع الناس ريقهم ـ كما يقولون ـ من فرط الارتياح، لاحقتهم وقائع وملابسات حرب الخليج اياها لكي تولد لهم من جديد ـ كما يقول كتابنا ـ ان القوة العسكرية مازالت هي العنصر المعول عليه أو الذي ينبغي مواصلة التعويل عليه في مضمار العلاقات ومن اجل مواجهة الازمات والصراعات على الساحة الدولية. ليست مجرد غواية نبادر فنضيف الى مثل هذا التحليل مااصبحت تتبناه السياسة الامبراطورية، المعاصرة كما قد نسميها وكما يطبقها الكتاب على النموذج الأمريكي فعندما انتهت الحرب الباردة قال الناس: الحمدلله أصبح العالم مكانا أكثر أمنا وأشد سكينة. وقبل أن يستريحوا من جهود الشكر والتحميد، فاجأتهم حرب الخليج لتطرح من جديد منطق أن العالم مازال يعج بصراعات ومازال حافلا بأزمات تتفجر بين حين وحين في هذه البقعة أو تلك من المعمورة ويمكن ان يتسع لهيبها الى حيث يطول بقاعا وكيانات لم تكن لتتصور أن يلحقها خطر في يوم من الأيام. المشكلة ان هذا المنطلق زاد تفاقما واتسع مداه بعد أحداث سبتمبر الاخيرة في كل من واشنطن ونيويورك وتشابكت عوامل سلبية شتى مابين شعور الأمريكان بالصدمة ومابين رغبة الانتقام ومابين توتر الاحساس بترقب ضربة لا يعرف لها مدى ولا موقع ولا توقيت ـ تفاعلت تلك العناصر جميعا لتزيد من تفاقم احساس أمريكا بدورها الامبراطوري ـ الامبريالي ـ التسلطي الذي تبلوره صفحات الكتاب. بل ان الكتاب في فصوله الأولى يشير الى ما قال به بعض المحللين من أن زمن الحرب الباردة كان افضل ـ على الرغم من سلبياته واخطائه ـ من اللحظة الزمنية الراهنة. في نصف القرن الماضي كان الخصم محددا وعبر مواقعه السياسية (الكرملين) أو منطلقاته العقائدية (الماركسية) أو تطبيقاته العملية (الشيوعية) أو آلته العسكرية، (الجيش الأحمر) أو تحالفاته الدولية أو الاقليمية (حلف وارسو) وكان بالامكان من ثم رصد تحركاته واحصاء انفاسه والتجسس على سكناته واغواء عناصره ومحاولة تخريب مخططاته وحتى في مجال السلاح النووي كان الاطمئنان ـ النسبي طبعا ـ الى أن ميزان الرعب النووي بين المعسكرين كفيل بردع كل منهما عن محاولة استخدام هذا السلاح والا جاء تدمير المعبد على رؤوس الجميع ـ على طريقة شمشون بطل الحكاية الشهيرة. بعد حرب الخليج ظهر ان القوى والصراعات الاقليمية لها خطرها وبعد كارثة سبتمبر ظهر العدو الاخطر الذي خلعوا عليه اسم (الارهاب الدولي) وصوروه عدوا متربصا بغير ملامح وبغير مواقع وبغير مفاتيح تعين على الدرس أو الرصد أو الملاحقة وذلك بالطبع اخطر انماط الاعداء. هنالك لم تعد نزعة الهيمنة مجرد غواية امبراطورية كما وصفها الكتاب. لقد اصبحت، برأي ساسة واشنطن ضرورة شديدة الالحاح لرد مايتصورون بانه عائلة الارهاب في الحاضر وفي المستقبل. بقي السؤال المطروح أيضا: ـ هل هذا الدور الامبراطوري يصب في مصلحة أمريكا؟ ـ ولمثل هذا السؤال أكثر من اجابة.