من المفترض ان تحظى محاكمة ميلوسيفيتش باحترام عالمي غالب باعتبارها محاولة جادة لكبح الطغاة وجزاري الشعوب. ربما تشكل المحاكمة كذلك تجسيداً لارادة العولمة في استهلال قرن جديد تنتصر فيه العدالة لصالح الاقليات الاثنية والثقافية والمقهورين غير ان المحاكمة التي بدأت لم تفلح في تثبيت هذه الصورة الزاهية لاعتبارات متعددة. بدلاً من تكريس العدالة نحت محاكمة ميلوسيفيتش لجهة الانتقام والثأر واذلال عزيز قوم لكونها جاءت بفعل ضغوط امريكية او اطلسية على الافضل وهما وجهان لعملة واحدة كانت لها الغلبة في الحرب التي خاضتها في بورصة البلقان. القوى المنتصرة لم تكتف بهزيمة الطرف الآخر وانما سعت كذلك إلى اعتصاره إلى اقصى ما يمكن ان تذهب اليه وسائلها. لما لم تنجح الغارات التي استهدفت مقر سكن الدكتاتور الصربي في تصفيته جسدياً لجأت امريكا إلى تصفيته اخلاقياً في هذه المحاكمة. من الممكن ان تزيل امريكا هذه التشوهات التي صاحبت المحاكمة فيما لو ذهبت إلى تثبيتها نهجاً ومصيراً ومصيراً لكل الطغاة السفاحين الذين ينتهكون حقوق الانسان ويهدرون حقوق الشعوب. ميلوسيفيتش ليس وحيد عصره. محور الأزمة الاخلاقية يكمن في ان امريكا هي زعيمة عصرها المطلقة تفعل ما تشاء وتهمل ما تشاء وتقيس القضايا وفق معاييرها وحدها. مفصل الأزمة ان امريكا في هذه القطبية الاحادية تحرص على ممارسات «الكاوبوي» الذي يعتمد على مهاراته في استخدام القوة والثأر اكثر من الاحتكام إلى قواعد المنطق. هذا جانب من العناصر التي افرغت محاكمة ميلوسيفيتش من جاذبية الافتنان والتأييد. اكثر من ذلك توجد مؤشرات غير واهية للتعاطف مع الرجل داخل القفص. في مفارقة بالغة الحدة يتناسى الاخرون جرائم ميلوسيفيتش ضد اثنيات بلقانية وخوضه في دم ابرياء ومراكمة ثروة ونفوذ. هذا التناسي المتعمد يعززه احساس بالمرارة تجاه أمريكا يقضي إلى التباس النكاية. هكذا يرتبك الموقف الى درجة يصعب فيها الفرز بين الجلاد والضحية. من العناصر الضاغطة لحمل الاخرين لجهة النكاية بأمريكا حملة العنف المفرطة التي مارستها في افغانستان اذ لم تكتف بازاحة نظام طالبان وهو الاغراء الوحيد الذي دفع الآخرين إلى مساندة الحملة الامريكية. معسكر جونتانامو اصبح شاهداً على ممارسات «الكاوبوي» اذ انه يكرس نهج القوة الامريكي في خرق حقوق الانسان. بعيداً عن الأطر القانونية نفذت امريكا عملية لا سابقة لها عندما منحت نفسها تفويضاً باعتقال رعايا دولة اخرى في دولة ثالثة ونقلهم إلى معتقل نائي دون سند قانوني أو سياسي دولي. حلفاء أمريكا الأوروبيون غير راضين باستثناء بريطانيا ـ عن هيمنتها الغالبة وتفردها بادارة شئون العالم على هواها. لعل التوتر بين واشنطن وباريس في اعقاب تصريحات لوزير الخارجية الفرنسي يعكس عدم الرضا الأوروبي. اجهاض المحاولات لاستدراج شارون إلى قفص محاكمة مماثلة لمحكمة ميلوسيفيتش تمت كذلك بضغوط من امريكا التي تعتبر السفاح الإسرائيلي حليفاً تحمي كل جرائمه ضد شعب اعزل وتعززه سياسياً على الصعيد الدولي. لمثل هذا يكسب ميلوسيفيتش تعاطفاً أو احتراماً وهو يدافع عن نفسه ويزعم ان محاكمته تستهدف شعباً بأكمله. لا يستقيم الظل والعود أعوج. عمر العمر