الملف السياسي: يتفق أغلب المحللين السياسيين والأكاديميين وحتى الفلاسفة ان أمريكا لم تغير نظرتها ولا سلوكها تجاه عرب المشرق ولا المغرب منذ اعلان تأسيسها الأول،ويتفق هؤلاء ان السياسة الأمريكية، تجاه العرب كانت في محصلتها في غير مصلحة هؤلاء، وان بدت أحيانا غير ذلك في بعض الجوانب الاقتصادية والتكتيكية. كما يتفقون، وهنا تكمن المفارقة، ان العرب ولغاية السنوات الأخيرة، لم يعملوا على تغيير هذه المعادلة التي مر عليها ما ينوف على قرنين من الزمن حتى بعد ان أصبح أكثر من 5 ملايين منهم عربا أمريكيين. لقد فرضت علي هذه الخلاصة نفسها وأنا أتذكر مسألتين في غاية الأهمية: الأولى تتعلق بالموقف الأمريكي الفكري الأول من العرب والحرب، و بالتحديد الموقف الذي بلوره المستشرق «برنارد لويس» بخصوص العرب وأمريكا. والثانية تتعلق بموقف العرب الأمريكيين الذي استمروا أكثر من قرن عاجزين عن الاجابة عن سؤال تقليدي تفرضه الحياة في هذا البلد: هل تجوز المشاركة في الانتخابات الأمريكية أم لا؟ ذكر «برنارد لويس» في مقال له تحت عنوان «اعادة التفكير بالشرق الأوسط» أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تدخل حرب الخليج طرفا في النزاع ضد بلد عربي ومع آخر، ولا دخلتها لأنها حرب عربية ـ اسرائيلية، انما دخلتها مرغمة مدافعة عن العالم الحر وباسم العالم الحر. لقد كانت هذه الحرب في نظره عربية ـ عربية وتم اقحام أمريكا فيها اقحاما لمنع تحول هذا الجزء من العالم الى مركز تنطلق منه كل الشرور!!. وفي مقال آخر له تحت عنوان «جذور السخط الاسلامي» ذكر: أن قوى الشر الجبارة ستدخل في صراع كوني ضد قوى الخير البريئة ينتهي بهزيمة أولئك الذين يشوهون اسم الله بتحويله الى مبرر للخطف والقتل وسفك الدماء... وقَبْل «برنارد لويس» كانت مئات الآراء، قدم الباحث «ادوارد سعيد» في كتابه الشهير «الاستشراق» نماذج حية عنها، كلها تصب في هذا الاتجاه: ان الموقف السياسي الأمريكي والغربي اليوم من العرب والمسلمين لا يقوم فقط على حسابات استراتيجية ومصالح مادية فقط انما أيضا على قواعد نظرية ضاربة بجذورها في أعماق التاريخ،وقائمة على فكرة دونية الحضارة الشرقية مقارنة بالحضارة الأوروبية التي كان أرسطو من أوائل المبشرين بها. ومن ثم فانه ليس من العقلانية فصل هذا الموقف عن سياقه هذا والتصرف معه كموقف تحكمه فقط حسابات ومتغيرات يمكن التأثير فيها. قاعدة فكرية واحدة للغرب بل انني أذهب في هذا الاتجاه الى حد اعتبار ان القاعدة الفكرية هذه هي أساس الاتفاق بين المتنافسين الغربيين الأساسيين في العالم أوروبا والولايات المتحدة على هذه المنطقة ماضيا وحاضرا . وفي هذا المجال يحضرني موقف المفكر الفرنسي «ألكسيس دي توكفيل» الذي عاد الى الواجهة هذه الأيام ونحن في المغرب العربي وفي الجزائر بالتحديد نتحدث عن الممارسات الفرنسية المضادة لحقوق الانسان أثناء حرب التحرير الجزائرية بعد اعترافات الجنرال الفرنسي «اوساريس» الأخيرة. لقد كان «دي توكفيل» يكتب عن التجربة الديمقراطية الأمريكية في منتصف القرن التاسع عشر للأمريكيين مشيدا ومبصرا،وفي نفس الوقت يكتب عن ضرورة تأديب العرب المسلمين الجزائريين عن طريق ممارسة جميع أشكال التنكيل والترهيب، مؤيدا كل جرائم الجنرال «بيجو» التي ارتكبها في حق من كان يطلق عليهم اسم«الأنديجينا»، متناسيا ان الولايات المتحدة ما كادت لتصدق ان الجزائر قبلت الاعتراف باستقلالها بعد جهد جهيد! ومعنى هذا ان تحليلنا للعلاقة الأمريكيةـ العربية أو الغربية ـ العربية بشكل عام من غير الدمج بين بعديها الفكري والجيوستراتيجي يعد تجاوزا لحقيقة أكدها التاريخ وأثبتتها الوقائع. ان كلام «برنارد لويس»أو«دي توكفيل»، هذا عن المشرق العربي وذاك عن المغرب العربي وتقاطعه مع ما كان يقوله «أرسطو» في معرض حديثه عن المحبة والعدالة بين الشعوب: أن شعوب آسيا كان ينقصها الذكاء وأمام مثل هذه الأجناس لا تنفع لا عدالة ولا محبة ولا صداقة، و ما قاله العشرات من المفكرين الغربيين الآخرين رغم الفارق الزمني الذي بينهما، يؤكد، ان الخط الرابط بين الفكر والممارسة أكثر من متين وأن «جورج بوش» الابن لا ينطلق من وصايا أبيه الجمهوري، أو من وصايا البيت الأبيض والبنتاجون و«السي آي ايه» انما من خلفية تضرب بجذورها في عمق الفكر و التاريخ . ألم تكن أمريكا ذات يوم في حاجة الى اعتراف الجزائر قائدة أكبر أسطول في المتوسط بها؟ فكيف لا تتذكر هذا وهي تدرس موقعها اليوم مما تسميه باستراتيجية مكافحة الارهاب؟. حاضر العرب الأمريكيين ودلالات مستوى الحضارة ان هذه المقاربة للموضوع هي التي دفعتني في الواقع الى الاشارة الى المسألة الثانية في مقالي هذا لأبين ان عودتي هذه الى بعض مواقف الماضي ليست ملاذا من شأنه ان ينسينا واقع اليوم بقدر ما هي أداة لتمكين الفكر لدينا من الربط بين أبعاد الزمن الثلاثة. لقد كان الدكتور حامد عبد الله ربيع رحمه الله في كتابه «الاسلام والقوى الدولية» يذكر دوما ان هناك عاملا ديمغرافيا سيلعب دوره في مستقبل العلاقة بين أمريكا والمسلمين. وكان هذا الموضوع يثير فضولي أكثر من غيره، وكلما تقدمت السنوات بي و تأكد لي أنه كان يحمل ليس فقط أبعادا مستقبلية انما عمقا تاريخيا و دلالات كثيرة على طبيعة التفكير العربي والمسلم في القرن الحادي والعشرين مقارنة بالتفكير الغربي. تقول بعض الاحصائيات ان عدد الأمريكيين العرب اليوم لا يزيد عن الـ 6 ملايين في أحسن الأحوال، وتقول بعض المصادر ان منهم من وصل الى أمريكا في سنة 1717 مع حملة استرقاق الأفارقة باعتبار ان عددا من الرقيق كانوا من المسلمين الذين يتكلمون العربية. في حين تتفق أغلب المصادر ان أكبر موجة عربية وصلت الى أمريكا كانت سنة 1875. أي ان للوجود العربي في أمريكا أكثر من قرن وربع قرن تعد كافية للتعرف على طبيعة المجتمع الأمريكي وعلى نمط سير المؤسسات الأمريكية ، وللاحتكاك مباشرة بأكبر التجارب الديمقراطية في العالم . فما الذي جعله خلافا لجاليات أخرى يبقى على هامش الأحداث، ويوم يتهم فيها عرب ومسلمون بالقيام بأعمال ارهابية يجد نفسه محاصرا من كل الجهات؟ ما الذي جعل اللوبي اليهودي واللوبي الاسباني حديثا يلعبون أدوارا فعالة في المجتمع الأمريكي سياسيا، ويبقى اللوبي العربي منتظرا لغاية سنة 2000 مترددا حول مسألة هي في غاية البداهة بالنسبة لمن يعيش في أمريكا أي المشاركة في الانتخابات من عدمها؟ مالذي جعل العقل العربي ينتظر « لويس فراخان» يدعوا جماعة «أمة الاسلام» للمشاركة في الانتخابات الأمريكية الأخيرة لأول مرة من خلال ما أسماه مسيرة المليون عائلة؟! غفوة في الموقف الفكري العربي أليس في هذا أكثر من دلالة على أنه اذا ما كانت هناك استمرارية في الموقف الفكري الأمريكي من العرب والمسلمين هناك غفوة في العقل العربي تجاه التعامل مع ذات الموقف؟ واذا ما تحولت الى صحوة فهي متأخرة عن زمنها بعقود؟ ألا يعتبر هذا الموقف مقياسا لطبيعة التعاطي العربي مع الأمريكيين باعتبار ان التأخر في الموقف من داخل البلدان العربية تحكمه الكثير من الاعتبارات التي لا يمكن لغير الحكومات التحكم فيها؟ أما التعاطي مع الظاهرة من قبل العرب الأمريكيين ففيها دلالة على طبيعة التفكير العربي المحتك مباشرة مع نظيره الأمريكي. أميل الى اعتبار ان طبيعة الموقف العربي داخل المجتمع الأمريكي ـ دون التقليل من شأنه ـ مقارنة مع مواقف مجتمعات أمريكية أخرى محلية يلخص الكثير ما يمكن ان نقوله بشأن طبيعة التعامل العربي مع الولايات المتحدة ، وبشأن علاقة الموقف الفكري بالموقف العملي لنا و لهذا البلد. ـ انه موقف ينطلق من القاعدة الفكرية الاسلامية في معظمه، باعتبار العدد الكبير من الجمعيات، والمساجد 1500 والمؤسسات الدعوية 400 والمدارس 400 التي تؤطرها الجالية العربية أو تقدم فيها الثقافة الاسلامية باللغة العربية. و من ثم فهو يقع ضمن دائرة الآخر المحضور والمخيف بالنسبة للولايات المتحدة لاعتبارها ترفض التعامل مع جمعيات أو لوبيات تكون ذات طبيعة اسلامية من منطلق الخبرة التاريخية للعقل الأمريكي الباطني الذي سبق له وأن عرف تعاملا من هذا النوع. وقد جاءت أحداث الـ 11 من سبتمبر وما تبعها من أذى للجالية العربية والمسلمة لتؤكد هذا الاتجاه «45%» (من العرب يقولون ان أحد أعضاء الجالية قد اعتدي عليه)، «حسب المعهد العربي الأمريكي». والصورة ذاتها مطابقة لما يحدث على مستوى شعوب العالم العربي. فمادامت المرتكزات الدينية هي أساس التربية والتعليم ومن ثم أساس التفكير، فانه لا يمكن لأمريكا ان تثق في الحكومات العربية، ـ حسب طبيعة التفكير الجديد ـ كما لم تثق في تمكين نواب أو مسئولين من هذه الجالية يمكن ان يكونوا مسلمين. (هناك 4 عرب أمريكيين في مجلس النواب وواحد في مجلس الشيوخ من المسيحيين).وهذه معضلة أولى لم يستطع الموقف الفكري العربي تجاوزها. ـ انه موقف بدأ بالتبلور بشكل واضح بعد انفجارات مركز التجارة العالمي سنة 1993 على اثر الحملة الاعلامية الواسعة ضد العرب والمسلمين ، ثم ازداد تماسكا بعد الـ 11 من سبتمبر عندما أصبح كل عربي أو مسلم مستهدفا ومتهما بالارهاب، مما جعله يتحمل ثقل ظاهرة الارهاب الدولي ويضطر الى بذل جهد كبير للتميز عنه بدل ان يكون سابقا له متحركا خارج ضغوطاته. وهو ذات الموقف الذي وجدت الحكومات العربية نفسها فيه بعد هذا التاريخ ، وهو الذي جعلت منه الادارة الأمريكية أساسا للتمييز بين أصدقائها وأعدائها من العرب. وهي معضلة ثانية لم يستطع الموقف الفكري العربي لحد الآن تجاوزها. ـ وهو في الأخير موقف يفتقد الفعالية الريادية التي لدى اللوبي الصهيوني بالنسبة لاسرائيل أو يهود العالم، مما يعني وجود شرخ واسع بين من يفترض ان يكونوا العقل المدبر والموجه للأمة في عمق أكبر دولة لها تأثير على مصالحها، وبقية الشعوب العربية والاسلامية التي تتطلع الى اعادة التوازن على الأقل في علاقاتها مع هذه القوة العالمية قبل الحديث عن علاقات التنافس أو الصراع. وهي المعضلة الثالثة. وبذلك تكون المواقف الثلاثة شاهدا آخر على طبيعة الشروط النفسية والزمنية التي ينطبع بها مستوى الحضارة اليوم عند العرب اذا ما استعرنا عبارة «مالك بن نبي». وتقدم لنا بعض عناصر الاجابة عن السؤال الذي طرحناه في بداية حديثنا هذا: بالفعل لماذا لم يستطع العرب التأثير في المعادلة التي تربطهم بالغرب عامة وبالولايات المتحدة على وجه الخصوص بالرغم من أنها منذ أكثر من قرنين من الزمن وهي في خدمة طرف واحد باتفاق كل من السياسيين والأكاديميين وحتى الفلاسفة؟؟! ـ أستاذ الفكر السياسي والدراسات المستقبلية جامعة الجزائر