الملف السياسي: لسنا بحاجة إلى الحجة البالغة من استفتاءات الرأي العام حتى نتبين أن الرؤية العربية للولايات المتحدة مشحونة بالمرارة ومليئة بالنقمة، فالعلامات ظاهرة والعلامات واضحة والخبر مستفيض على ما يجيش في صدور الناس عامتهم ونخبتهم، وهي تحملنا على الإقرار بهما والتأكيد عليهما. وكي لا يبقى الكلام على إطلاقه فيظن أن مشاعر العرب تجاه الأمريكيين ظاهرة ينفردون بها عن بقية الأمم أو أنها تسري في قوتها كما في صدور الجماهير في العلاقات الرسمية، ينبغي تبيان أمرين. الأول، أننا لو رحلنا في الجغرافيا الحالية وجبنا التاريخ الحديث لهان علينا ما نكابده من قسوة الأمريكيين ولخفت على أنفسنا وطأة التعسف الأمريكي الذي نغرق في لججه المتوالية. فقوس الإرهاب الأمريكي امتد ما بين قطبي المعمورة. ألم يأتكم حديث فيتنام وكمبوديا ولاوس حيث فقدت أمريكا نفسها فيها من جنودها مئات الآلاف، فكم يا ترى فقدت هذه البلدان من أطفالها ونسائها ورجالها، وكم بقي فيها من حجارة قائمة لم تسوها القاذفات العملاقة، وكم احترق من غاباتها بأسلحة الدمار الكيماوية؟ أو هل نعرج على أمريكا اللاتينية التي ما انفكت مسرحا للغارات الأمريكية تطيح بحكوماتها وتخطف زعماءها وتخرب اقتصادياتها؟ وماذا عن أفريقيا التي اكتوت بنار السياسات الأمريكية وأبعادها الاقتصادية حتى سيق كثير من أجزائها إلى حال يحتضن فيه الموت و يفترش الخراب؟ فالأسباب الموجدة على الولايات المتحدة من صنع أيديها ومظاهرها يتقاسمها العالم برمته. ولقد بات بأسها وأضحت عجرفتها يثيران حنق الشعوب في الصين وروسيا وأوروبا بل وقرف حكوماتها. فالشكوى عامة لا تتبع عرقا محددا ولا تخص دينا معينا، بل أن تنوع العنف الممارس ضد المصالح الأمريكية يجري مجرى التذمر ويتلون بألوان المرارة. فإحصائيات الخارجية الأمريكية عن أعمال الإرهاب ضد مصالحها ناطقة بذلك، وليست حصة العرب والمسلمين فيها على مدى سنوات طوال تتجاوز 5%. لكن نوعية العنف ضد مصالح أمريكا المنسوب إلى عرب أو مسلمين أشد إيذاء، غير أن ذلك لا يخرس الحقيقة ولا يغير الواقع أن الكراهية لأمريكا من جراء سياساتها متفشية في أرجاء الأرض ومستوطنة في قلوب الكثير من الناس. ولكن لماذا اختص العرب والمسلمون بتهمة العداء لأمريكا فهذا سهل بيانه. فالحرب ضد الشيوعية كانت أفضل دثار لممارسة الكثير من خطاياها في الخارج وتمرير العديد من السياسات الملبية لرغبات الشركات المتعددة الجنسية في الداخل. وحينما سقطت الشيوعية أصبحت السياسات الأمريكية عارية من الغطاء تحتاج إلى ستر جديد فيه عناصر القبول من المجتمع الأمريكي. فصورة العرب والمسلمين أنهكتها روايات علمية وأدبية تشويهاً وأزرت بثقافتها وتقاليدها هوليوود اليهودية وحشد الحقد ضدها إعلام ليس لمعظمه غاية إلا الانتقاص من العرب حتى تعلو مكانة إسرائيل. وانضاف إلى ذلك مقاومة للخطط الأمريكية على ضعفها أثارت حفيظة الأمريكيين في زمن بدا لهم أن العالم أضحى طوع بنانهم. كما لم يعد يروق للأمريكيين أن يروا السدود في كثير من مناطق العالم وقد انهارت كليا أمام الليبرالية الأمريكية بينما مازالت أسيجة المحافظة على التقاليد والتراث والثقافة في العالم العربي والإسلامي صامدة أمام زحف الأيديولوجية الأمريكية أو بطيئة في التراجع أمامها. فاجتمع للولايات المتحدة في الصورة العربية والإسلامية ضرب من الذرائع كاد يعادل ما قدمته الشيوعية لها من أعذار لولا أن هذه الصورة تبدو حالات وأنها عملاق بلا أنياب حديدية كما كان عليه الاتحاد السوفييتي. أما الأمر الثاني الذي يحتاج إلى تبيان فهو أنه بالرغم مما يسكن النفوس العربية من ألم المعاناة مما يحيق بها أو بإخوانها من البلاء الذي تنزله السياسات الأمريكية، وما يستقر في العقول العربية من سوء الظن ومن فقدان الثقة فيما تنشده الولايات المتحدة في أمصارها فإن العلاقات العربية الأمريكية الرسمية في قمة ازدهارها. فالعلاقات الدبلوماسية في أحسن أحوالها،حتى تلك البلدان التي تعاديها أمريكا تتمنى أن تعود العلاقات معها. كما أن العلاقات الاقتصادية تزداد قوة وتتعاظم تشابكا وترابطا حتى بات مطلبا لدى العديد من الدول أن تتفضل أمريكا فتعقد معها اتفاقات مناطق تجارة حرة. وأصبح الوجود العسكري الأمريكي قواعد وتمارين مشتركة وزيارات متبادلة من مسلمات الأمور ومن طبائع الأشياء. بل أن هناك تسابقا نحو تقديم المعلومات الأمنية للولايات المتحدة، حتى بات البعض يفخر أنه أكثر البلدان تعاونا في هذا الميدان. فالمسافة شاسعة بين الأحاسيس التي تنطوي عليها ضمائر عموم الناس، ومنهم بعض أهل الحكم، نحو أمريكا وبين ألوان التعبير وأشكال الإفصاح عنها. فقد تعلمنا أن نمكث على أوجاعنا وأن نقيم على أحزاننا نتقلب على أشواكها ونمتنع عن إعلانها. ثم تتملكنا الدهشة أن الامركيين لا يحسون بما نحن فيه ولا يشعرون بما نعاني منه. ويبدو أن العجز عن إيصال الرأي والقصور في تبليغ الرسالة أصبح خطابا للأمريكيين أننا لا نجد خللا في سياساتهم ويمكننا التعايش مع ممارساتهم فباتوا يغالون فيما يفرضون علينا، فلا عجب أننا اكتشفنا أنفسنا إرهابيين. لكن ما يعتمل في صدور الناس ليس وهما بل مدركا محسوسا على مدى عقود طويلة من عدم مبالاة أمريكية للمصالح العربية ومعاداة لقضاياهم. وهو سلوك لم يقتصر على قضية دون أخرى أو مسألة دون سواها، وجوهره فرض هيمنة أمريكية على المنطقة لا تريد أن تترك شاردة أو واردة دون أن تعرضها على ميزان أولوياتها، بل أنها تريد منا أن ننظم أمورنا وأن نكيف اهتماماتنا على قدر احتياجاتها. وهذا أمر ملاحظ في جليل الأمور وما دون ذلك من المسائل. ولعل قضية فلسطين تبدو المثال الصارخ للعداء الأمريكي للمصالح العربية. والأمر هنا لا يقتصر على تأييد إسرائيل وحمايتها، وإنما يتخطى ذلك ويتجاوزه. فتأييدها لإسرائيل أصلا تجاوز كل ما يمكن أن يمحضه بلد لآخر في أي عصر من الدعم والمساندة. فقد شرعت لها أبواب قدراتها التقانية العسكرية، وقننت حمايتها في اتفاقات شتى. وهي تقف وراء إسرائيل في كل محفل حتى حينما يرى أقرب أصدقائها حماقة إسرائيل وجنونها. وإسرائيل التي يبلغ معدل دخل الفرد فيها معدل دخل الفرد في بريطانيا العظمى تتلقى مليارات الدولارات مساعدة من أمريكا حتى كاد أن يتجاوز مجموع ما قدمته لإسرائيل منذ نشأتها 150 مليار دولار. وأمريكا لا تضن هذه الأموال على الذين يهلكون في العالم بسبب سياساتها فحسب، حيث وعدت أفغانستان بربع مليار دولار بعد أن حولتها يبابا، وإنما على الجوعى في عقر دارها. نعم تجاوزت علاقتها من الحماية إلى دعمها ومساندتها والتعاون معها في عدوانها على العرب، بل انها تجنح إلى احتضان أكثر القوى فاشية في إسرائيل. ونحن لسنا في معرض تعداد مظاهر هذا التحالف ضد العرب فقد حفرت أخاديده في الذاكرة العربية التي تسيل فيها قصص العربدة الإسرائيلية المتواصلة. ولكن في هذه اللحظات التي نقتل فيها أمريكا مللا ونخنقها ضجرا من كثرة ما نردد على مسامعها أنها الوسيط النزيه، تأبى إلا أن تركب قطار التطرف ليس في إسرائيل فحسب ولكن في أمريكا نفسها. ففي مسح للرأي العام بين الجالية اليهودية الأمريكية أجراه منتدى السياسات الإسرائيلية فإن أكثر من ثلثي اليهود الامريكيين يؤيدون إرسال قوة حفظ سلام دولية إلى فلسطين مع مشاركة أمريكية. كما أن 85% من هؤلاء اليهود الامريكيين يؤيدون انخراطا مباشرا للولايات المتحدة في النزاع القائم حتى لو تطلب الأمر الضغط على إسرائيل. وهذا المسح يشي بمسألتين جوهريتين. الأولى، أن الموقف الرسمي الأمريكي ليس دالة الموقف اليهودي كما يحلو للأمريكيين ولبعضنا أن يروج، بل هو مرآة للمصالح الأمريكية التي تعتذر بقوة اللوبي اليهودي حتى تبرر سياساتها ومواقفها. والتاريخ الحديث مليء بالشواهد على ذلك والتي تجاهلناها لأن في ذلك السلامة من خطر مواجهة الحقيقة التي تشل قدرة المسئولين على العمل، بينما مقولة اللوبي اليهودي تترك لنا فرجة للعمل وأملا في الفرج في المستقبل. ثانيها، أن الانتفاضة قد مست عقول اليهود حتى وإن لم تمس مشاعر الكثير منهم. فقد أصبحت خطرا يهدد مكانة الضحية التاريخية ويضعف تعاليها الأخلاقي، ويضيف إلى همومها بأنها تسيطر على مقدرات أمريكا غما جديدا كونها تمارس على الآخرين الظلم والحيف التي احتكرت صفة الضحية الفريدة له. ولقد بدأت تلاحقها المشاكل أو هكذا تتخيل في أوروبا من جراء مشاهد الوحشية الإسرائيلية التي تنقل فتاتا منها أجهزة الإعلام الدولية والتي تذكر العالم بالروايات اليهودية عما تعرضوا له دائما من عقوبات جماعية. والسياسة الأمريكية تجاه العراق تستقي من نفس ينبوع القسوة وتشاكل في نفاقها ما عهدناه منها في مناطق أخرى. فقد أصلت الناس بحممها، أرواحهم وأرزاقهم وممتلكاتهم، في الوقت الذي تزبد غضبا على حرياتهم. وليس فيما تفعل مصلحة لا للعرب ولا للعراق. ففي استمرار المحنة زرع لبذور الفتنة التي ستحصدها بلداننا في المستقبل، وفي تواصل الكارثة ثأرات ستمد جذورها إلى أعماق الأرض العراقية كائنا من كان على سدة الأمر فيها. وهي تقصد باطلا حينما تروي حقائق عن نقائص الحكم في العراق، إذ ليس في علاقتها التاريخية أو الراهنة بالدول إلا مراهنة على التسلط ولطالما قايضت الحرية بالظلم الذي يحفظ مصالحها. وأية مناقشة هادئة تفترض حسن الطوية في سياستها سرعان ما تثبت كذبها. ويكفي أن نعرض أمرين. الأول، أنها تستطيع أن تطوي كامل الملف العراقي أو تكشف نوايا العراق بجملتين. إذا استجاب العراق لعودة المفتشين فسيرفع الحصار خلال فترة محددة تماما. ولكنها لا تريد ذلك فهذا ليس غرضها لأنها تعرف ما في العراق تماما. ولكن تواصل الأزمة مع العراق يحقق أهدافا عدة محلية وإقليمية ودولية. الثاني، أنها تستشيط غضبا حينما تحاول الجامعة العربية استشفاف الأمور لعلها تجد حلا. وهذا خشية بناء موقف عربي تجاه العراق يجمع حوله التأييد الدولي فتحبط الأهداف الأمريكية. وفي الجعبة كثير من القضايا التي تمارس فيها أمريكا تعسفها وتفرض رأيها تمتد من قضايا سياسية واقتصادية وأمنية. ولكن هناك ظاهرة جديدة قديمة. فهي قديمة لأنها على جدول أعمالها، ولكن جدتها في حث الخطى نحوها. تلكم هي إكراه الناس على أيديولوجيتها. وفي هذا منتهى المفارقة الهزلية والتناقض البذيء. وهي تتناقض هنا مع ما تفعل ومع ما تبشر. فهي تفرض على باكستان إصلاح مناهجها الدينية لكن يغص بلدها بكل النحل والملل التي تدعو إلى كل ما يخطر على بال لأن منعه يتعارض مع حرية التعبير. بل مع قوة اللوبي اليهودي فيها فإنه يمكن نشر أي تكذيب ناهيك عن تشكيك في المحرقة اليهودية بينما لا يمكن فعل ذلك في أوروبا. ومع ذلك بدأت تضرب بمعولها أسمك جدران المعاقل العربية تقليديا وثقافيا حتى تبدأ مسيرتها الإصلاحية على الشاكلة التي تريدها وعلى الطراز الذي يروق لها. والخشية أننا ونحن نحتاج الإصلاح الفكري أن يبدأ مسيرته تحت وقع الطبول الأمريكية فنقفز على الإصلاح الحقيقي ونغرق أنفسنا في محيط الانفصام الفكري الشامل. وفي كل ما تفعله أمريكا بنا فنحن لسنا براء بعجزنا وتشتتنا ولكن هذا له موطن آخر من الحديث. ـ الرئيس السابق لبعثة الجامعة العربية إلى واشنطن