الملف السياسي: توجهت للدكتور مايكل فان دوسن مدير الخبراء في اللجنة الفرعية لشئون أوروبا والشرق الأوسط التابعة للجنة الشئون الخارجية في الكونجرس الأمريكي، الذي التقيته في واشنطن مطلع العام 1993، بالسؤال التالي: تنطوي سياسية الادارة الأمريكية في الشرق الأوسط على تناقض واضح، فهي من جهة تعلن عن وجود مصالح استراتيجية لها في المنطقة. ومن جهة أخرى توفر الدعم الكامل لإسرائيل التي تقتل الأطفال الفلسطينيين وتحتل الأرض العربية والمقدسات. وتضرب عرض الحائط بالقرارات الدولية، ألا ترى ان هذه السياسة تفقد الولايات المتحدة مصداقيتها تجاه الشعوب العربية وبالتالي تضر بمصالحها؟ أجاب نحن ندرك هذا التناقض، اسرائيل دولة حليفة والتزامنا تجاهها أخلاقي.أما مصالحنا في العالم العربي فهي متحققة وتستطيع الادارة الأمريكية التعامل مع هذا التناقض من خلال اقناع حلفائنا العرب الذين يتفهمون أبعاد ومرامي السياسة الأمريكية، أما السؤال الآخر فقد توجهت به في نيويورك لمالكوم هونلن رئيس مؤتمر المنظمات اليهودية الأمريكية الكبرى.. ألا ترى ان سعي المنظمات اليهودية الأمريكية وفي مقدمتها «إيباك» لتوفير عوامل القوة الساسة والعسكرية والاقتصادية لإسرائيل يشجعها على التطرف وعدم الانصياع لمرجعيات عملية السلام؟ أجاب باختصار عندما تكون اسرائيل أضعف من العرب مجتمعين لن يجلس مسئول عربي بمواجهتها الى طاولة المفاوضات، بل سيقذفون بالدولة العبرية الى البحر، وأضاف: قبل بدء الحملة الانتخابية للرئيس كلينتون ـ يومها كان الرئيس كلينتون منتخباً للولاية الأولى ولم يتسلم السلطة ـ تعهد لنا ونحن على هذه الطاولة مواصلة التحالف الاستراتيجي مع اسرائيل وتقديم أقصى درجات الدعم والمساعدة لها. قلت له على الفور هذا يعني ان كلينتون بدأ حملته الانتخابية من هنا كغيره من الرؤساء الأمريكيين، فرد: ليس بالضبط. ولكن اليهود في أمريكا جزء من الشعب الأمريكي، ولابد لأي مسئول أمريكي سواء أكان من الجمهوريين أم الديمقراطيين من أن يراعي مشاعرنا ويتعاطف مع قضيتنا لكي يكسب أصواتنا. ما تقدم يعبر بشكل جزئي عن التناقضات والتخبطات السياسية الفاضحة التي تكشف أسلوب الادارة الأمريكية في التعاطي مع العالم العربي. لكنها تختصر تاريخاً طويلاً من الفهم الخاطئ للعرب والإسلام. فما قاله دوسن هو النتيجة. وليس السبب. وما لم يقله «هونلن» ان الدعاية الغربية بشكل عام والصهيونية بشكل خاص نجحت بتشويه صورة العرب والاسلام. ونبهت لمخاطر تحوله الى قوة جيوسياسية تهدد الحضارة الغربية وقيمها الديمقراطية. ويرى الباحثون فيما يسمى بصورة العرب في الولايات المتحدة. ان هناك اغراضاً مهمة عميقة الجذور عنصرية واثنية ودينية ضد العرب. وقد ثبت وجودها الابدي في الكتب المدرسية والصحف والكنائس وافلام السينما وغيرها. الى درجة انه كان لهذه الدعاية اثر كبير في رسم السياسة الامريكية الخاصة بالعرب وقضيتهم المركزية فلسطين، ويميل الغالبية العظمى من الامريكيين، حسب قول الرئيس ريتشارد نيكسون. الى تصور العرب على انهم نمط واحد من الناس غير المتمدنين، «غير النظيفين المتوحشين وغير العقلانيين»، وعلى الغالب لا يلفت انتباهنا فيهم ـ والقول لنكسون ـ سوى ان بعض زعمائهم يحكمون اقاليم تحتوي في باطن ارضها على ثلثي الاحتياطات المؤكدة من النفط في العالم. ويضيف ان بعض المراقبين ينبهون الى ان العالم الاسلامي قد يتحول الى قوة موحدة ومتعصبة وانه بسكانه المتزايدي العدد، وقدراته المالية الكبيرة سوف يشكل تحدياً كبيراً للغرب الذي سوف يضطر الى عقد تحالف جديد مع موسكو لمواجهة المسلمين الذين نشروا بسيوفهم الدين الاسلامي في اسيا وافريقيا وحتى في اوروبا. وينظرون الى العالم على انه معسكران لا يقبلان التصالح دار السلام ـ ودار الحرب، وهؤلاء يغفلون ان الاسلام بتراثه الغني لا ينادي بالارهاب، وانه لم يمض اكثر من ثلاثة قرون على الحروب الصليبية التي تورط فيها المسيحيون في اوروبا. جذور الصراع قديمة، وليست وليدة العولمة الامريكية التي اهتزت في الحادي عشر من سبتمبر لتعري الرجل الابيض امام خداع فكر الحضارة الغربية، وعبر عنها بوش بوضوح في «حربه الصليبية» التي يخوضها ضد الارهاب تحت عناوين كبيرة ابرزها «العدالة المطلقة» المستندة الى الفلسفة الامبراطورية الكونية الرومانية، فالعولمة الامريكية التي تستحضر من جديد العولمة الرومانية التي اطفأت في عصر الانوار الثقافات المجاورة. وحطمت الجمهوريات والمقاطعات في اوروبا ومعظم اسيا، ولم تترك فرصة متاحة لممارسة الفضيلة حسب مطارحة مكيافلي الا في ظل روما. حيث ندر عدد الرجال الافضل في اوروبا واسيا، وتدهورت الفضيلة الى اكثر الاعماق سحقاً، ذلك ان تركيز الفضائل في روما ادى الى فساد العالم بأسره عندما فسدت روما نفسها. وبالتأسيس على عولمة ميكيافلي في اطار العصر الامبراطوري الامريكي الوثني الجديد، تبدو الفضيلة في مفهومها النسبي، متجسدة في النظام الليبرالي الامريكي القائم على قوة الاستعمار العسكري المالي في روما الجديدة التي تتطلع لابادة الثقافات، والقيم التراثية الحضارية الدينية للشعوب، وتتجه نحو احتكار الفضائل. كي يستعيد الرجل الابيض حضوره التاريخي، باعتباره المالك لهذا الانجاز، وتتحول شعوب العالم الثالث في اسيا وافريقيا. الى ضيوف تعمل لحسابه. واستناداً الى هذه الحقائق فإن الالتزام الاخلاقي الامريكي تجاه اسرائيل حسب تعبير «دوسن» يعكس فهما مفاده ان المستوطنين اليهود في فلسطين هم أوروبيون، رواد، ديمقراطيون، طموحون، على خلاف جمهرة غير متمايزة من عرب هم مسلمون متعصبون، متخلفون غير بيض، بعبارة اخرى ان اليهود الذين يعولون على تأييد أمريكا هم في العموم متشربون بالقيم والمواقف التي يحملها الامريكيون. مواصلة الدعم الامريكي لاسرائيل وحملة العداء ضد العرب، لم تكن فقط نتيجة لهذه المفاهيم الموروثة، بل هناك عوامل مستجدة تعود بأصولها الى فترة الحرب العالمية الثانية أو ما بعدها، والصراع التاريخي المتنامي بين الشرق والغرب. فتأييد «وودرو ويلسون» مبدأ حق تقرير المصير للشعوب لم يتجاوز شواطيء اوروبا المسيحية. ولم يمتد بالتأكيد الى شعوب آسيا وافريقيا، بمن فيهم الشعب العربي، ويلسون الداعي الكبير نفاقا الى حرية تقرير المصير اعترف بنفسه انه لا يمكن تطبيق هذا المبدأ، واجتاح جمهوريتي الدومنيكان وهاييتي حيث سحق الجيش الامريكي النظام السياسي هناك وترك الشركات الامريكية في مركز قوي، وفي الحكم أنظمة دكتاتورية فاسدة، وخلال الحرب العالمية الثانية وضع المخططون في وزارة الخارجية الامريكية ومجلس العلاقات الخارجية خططا لما بعد الحرب أطلقوا عليها «المجال الكبير» يتعين تحقيقها حسب حاجات الاقتصاد الامريكي، وكان ذلك المجال يشمل نصف الكرة الغربي، اوروبا الغربية، الشرق الاقصى ومستعمرات الامبراطورية البريطانية وثروات الطاقة في الشرق الاوسط وما تبقى من العالم الثالث. واذا امكن كامل الكرة الارضية. وقد خصصت لكل بقعة في النظام العالمي الجديد مهمة خاصة. وعلى العالم الثالث ان ينجز مهمته الرئيسية كمصدر للمواد الأولية وسوق لشركات العالم الصناعي الرأسمالي. ولعل سياسة امريكا المعقدة نحو الشعب العربي والاسلامي اليوم قد رسمت حسب رأي الباحث «ابراهيم ابو لغد» بهذا التضارب المتأرجح ذاته. والواضح ان الولايات المتحدة قد انكرت تاريخيا على اسس دينية واثنية وربما عنصرية ايضا على الشعب الفلسطيني صلاحية تقرير المصير. وبوسع المرء ان يذهب ابعد من ذلك ـ فالسياسة الامريكية معادية باستمرار للعرب والمسلمين على العموم ومعادية خصوصا للزعماء العرب الذين تبنوا سياسات راديكالية ترمي الى اعادة هيكلة القطاعين الاجتماعي والاقتصادية، اما الدول العربية التي انتهجت مناهج في السياسة الداخلية والخارجية تتفق مع اهداف الولايات المتحدة فلم ينظر اليها من قبل واشنطن باحترام ايضا. كما ان انتساب الشعب العربي الى شعوب العالم الثالث وضعهم في نفس الموقع من شعوب العالم الثالث التي اتبعت الولايات المتحدة تجاهها سياسات ضارة، وقد شملت هذه السياسات التدخل العسكري المكرر في اسيا الوسطى والاستغلال الاقتصادي في امريكا اللاتينية. والاخضاع السياسي لكوبا والفلبين وتقديم الدعم العسكري الفعلي للدول الاستعمارية مثل فرنسا والبرتغال التي ارادت احكام سيطرتها على افريقيا. يضاف الى ذلك الموقف الخاص للولايات المتحدة الامريكية تجاه حركات التحرر الوطني، التي ابتغت تحقيق اهدافها بوسائل ثورية. فالوقائع التاريخية تكشف بوضوح عن دعم عام للاوروبيين في قمع حركات التحرر الاسيوية والافريقية. وبخاصة دعم فرنسا في حربها ضد الجزائر. والبرتغال في حربها ضد حركات التحرر في موزامبيق وانجولا وغينيا بيساو ولانظمة الحكم العنصرية في جنوب افريقيا ضد المؤتمر الوطني الافريقي ومنظمة شعب جنوب غربي افريقيا «سوابو» هذا الدعم يجعل من المحتم على الولايات المتحدة ان تتبنى سياسة مشابهة نحو حركة التحرر الوطني الفلسطيني بشكل خاص. والنضال العربي التحرري بشكل عام، هذا وان كون مثل هذه الحركات قد طورت استراتيجيات للتحرر الوطني تشمل الكفاح المسلح. جعلها جميعا شيئا بغيضا للولايات المتحدة الامريكية، وتناوئه سياساتها فالمؤتمر الوطني الافريقي تم تصنيفه من قبل نظام التفرقة العنصرية بأنه منظمة ارهابية، وقبلت الولايات المتحدة بهذا التوصيف. كما ايدت رأي اسرائيل التي وصفت منظمة التحرير الفلسطينية منظمة ارهابية. اذن عوامل الصراع عميقة، ولا يمكن تفسير السياسات الامريكية كما يتم تداولها في الخطاب السياسي والاعلامي العربي بمفردات توحي للمتلقي بأن العدالة الامريكية تنحرف عن مسارها عندما تتعاطى مع ازمة الشرق الاوسط بانحياز لاسرائيل او الكيل بمكيالين في رعايتها لعملية السلام، هناك مكيال امريكي واحد لا يحتاج الى مبررات او حجج قانونية او اخلاقية او مصلحية، مكيال يجعل من شعوب العالم ضحية ازمة القيم التي تعيشها الامبراطورية الوحيدة، المأخوذة بغرور القوة العظمى. الامبراطورية التي تطل برأسها على البشرية بمفاهيم واساليب عمل جديدة، تجعل من نفسها سيدة الموقف في عالم يمشي على رأسه، ترسم المحاور المارقة والشريرة، فوق سطح الكرة الارضية، وتتخذ القرار بمفردها وتنفذه بالصواريخ والعقوبات الذكية. بعد ان حيدت الامم المتحدة والغت دور اصحاب القبعات الزرق في انهاء النزاعات والحروب الاهلية والاقليمية، وها هي القواعد العسكرية تنتشر في اكثر البلاد العربية والاسلامية، وبعض بلداننا محاصرة اقتصاديا ولوجستيا وسياسيا وعسكريا، والنفط يضخ كما تريد وبالسعر الذي تريد، ومنتجاتها تجد في الاسواق العربية افضل التسهيلات، وحليفتها اسرائيل تحتل فلسطين وتسحق العرب، وتعطل منذ اكثر من عشرات السنوات اقامة دولة فلسطينية، وتواصل احتلالها للجولان واجزاء من الاراضي اللبنانية. ما العمل؟.. سؤال يتردد على مدار الساعة في ذهن كل عربي يعيش على امتداد ساحة الوطن الكبير. سؤال لا يمكن الاجابة عليه بهذه العجالة، لكن ثمة من يقول يجب تفعيل الاعلام العربي بمواجهة الاعلام الصهيوني في امريكا. وانعاش منظمات الضغط العربية في مواجهة اللوبي اليهودي، واعطاء جرعات منعشة للدبلوماسية والعلاقات العامة من اجل تصحيح صورتنا وكسب الرأي العام الامريكي، قد يكون هذا الكلام لا يجانب الحقيقة الا اننا بحاجة وقبل كل شيء الى وعي الذات والاخر لنعرف ماذا نريد من امريكا وبأي خطاب اعلامي سنتوجه اليها. كي نصحح ارث الماضي الثقيل والراسخ في نفوس مواطنيها، هناك 22 سياسة عربية و22 جالية عربية في امريكا، فيما يوجد في امريكا جالية يهودية واحدة لا يتجاوز عددها 4 ملايين نسمة، بينما تضم منظمة «ايباك» في عضويتها 80 مليون امريكي، المؤكد ان القرن العشرين ارخ لهزيمتنا الكاملة تجاه الحضور الاسرائيلي الذي تفاعل مع احداثه المتقلبة منذ الحرب العالمية الثانية، وذلك لافتقاد المجتمعات العربية، الى مشروع نهضوي تستعد منه استراتيجيتها لمواجهة الحداثة والاسهام الثقافي في بناء الكيمياء التاريخية من ناحية، ومواجهة مشكلاتها المتمثلة بالاستعمار والصهيونية من ناحية اخرى، مما ابطل مسيرة التاريخ فوق ارضنا العربية، وبدأ بلدوزر امريكا واسرائيل وحده يجري في كياناتنا التي تعيش داخل اسوار ماضيها، ومن المؤكد ان قوى المقاومة المناسبة لهذه الحقبة من التاريخ شيء، وهذه القوى والنظم التي ما تزال موجودة مثل ركام متخلف من الماضي شيء اخر، وثمة اليوم دروس سيكون على العالم العربي تعلمها، فان اعتبر ربما قد يتخطى هذه المرحلة بأقل الخسائر، وان استمر في غيبوبته، ستستمر حلقة الموت الاسرائيلية والامريكية ليبقى النظام العربي نهبا للشلل والعجز والتخلف. ـ كاتب سوري ـ دمشق