الملف السياسي: قد تحتل العلاقات الامريكية مع الدول العربية منفردة ومجتمعة في القريب العاجل موقعا متقدما على اجندة الاهتمامات الرسمية الرئيسية لهذه الدول وذلك بسبب ما تثيره بعض الدوائر الامريكية من عواصف وزوابع تزداد شدة ضدها، وحرصا على عدم الوصول بهذه العلاقات الى التأزم والاحتقان وبالتالي الانفجار. فمنذ الحادي عشر من سبتمبر الماضي والعلاقات بين الادارة الامريكية والعديد من الدول العربية تزداد سوءا وتأزما، وكأن ثمة برنامجاً امريكياً (صهيوني المنشأ والتوجه والأهداف) يدفع بالعلاقات في هذا المنحى تمهيدا لمرحلة جديدة قد تأخذ طابع العداء الأمريكي للعرب تحت راية فرعية عنوانها محاربة الارهاب العربي من ضمن العنوان الرئيسي الامريكي للحرب المعلنة ضد الارهاب الدولي وتحديدا ما يوصف بـ «الارهاب الاسلامي». يلاحظ المراقب المتابع لتطور هذه العلاقات منذ هذا التاريخ انحدارها المتواصل سواء مع الدول العربية (المغضوب) عليها مثل العراق وليبيا والسودان وفلسطين أو مع الدول العربية الاخرى المعروفة بعلاقات الصداقة التقليدية التي تقيمها مع الولايات المتحدة وفي مقدمتها مصر والمملكة العربية السعودية، وذلك رغم اقدام الدول العربية على الاعراب عن ادانتها لاحداث نيويورك وواشنطن وعن تضامنها مع الولايات المتحدة في حربها المعلنة لاستئصال شأفة الارهاب، ورغم مسارعة العديد من هذه الدول الى تقديم كل مساعدة وتعاون ممكن على الصعيد الأمني للكشف عن خلايا الارهاب ومحاصرتها سواء ما كان منها مستوطنا في بعض الدول العربية أو منتشرا في دول اسلامية وأوروبية، فالادارة الامريكية كما تظهر تصريحات مسئوليها وكما تعكس وسائل الإعلام الامريكية توجهاتها لم تكتف بكل ما قدمته هذه الدول على امتداد الأشهر الماضية بل تريد ان تفرض على هذه الدول المزيد من التعاون لصالح التعريف والمنظور الامريكي للارهاب وسبل مكافحته بما يؤثر سلبا على الأوضاع الداخلية لهذه الدول وبشكل يتيح للامريكيين وسواهم التدخل في الشئون الداخلية لها بما في ذلك الامور المتعلقة بالنواحي الدينية والثقافية والتربوية والتعليمية ايضا، اضافة بالطبع للأمور السياسية والاقتصادية والأمنية بمختلف أبعادها المحلية والاقليمية والدولية. والواضح حتى الآن ان الادارة الامريكية تتخذ من أحداث نيويورك وواشنطن ذريعة لممارسة ما يمكن وصفه بارهاب امريكي عالمي المستوى هدفه اعادة صياغة الوضع الدولي العام وما يتفرع عنه من أوضاع على المستويات القارية والاقليمية ضمن منظور استراتيجي بعيد المدى لفرض الهيمنة الامبراطورية الامريكية الشاملة والدائمة على المجتمع الدولي في مختلف تكويناته وبنائه بدءا من المناطق التالية: أولا ـ الدول العربية. ثانيا ـ دول آسيا الوسطى. ثالثا ـ دول قارة آسيا. نتيجة للسياسات الامريكية السلبية حيال معظم الدول العربية راهنا فإن العلاقات الامريكية مع هذه الدول تمر بواحدة من أسوأ مراحلها. إذ لا تماثلها سوءا سوى المرحلة التي عاشتها العلاقات الامريكية مع بعض الدول العربية ابان عقد الستينيات من القرن الماضي في ظل اشتداد ما عرف بالحرب الباردة والانقسام الدولي والعربي بين الطرفين الرئيسيين لهذه الحرب: الولايات المتحدة الامريكية والاتحاد السوفييتي أو بين حلفي الاطلسي ووارسو. وما أسهم بفاعلية في سوء العلاقات آنذاك التطابق الذي حصل بين الرؤيتين الأمريكية والاسرائيلية بعد اغتيال جون كيندي وتسلم الرئيس ليندون جونسون السلطة في البيت الابيض والذي أدى الى منح الادارة الأمريكية لاسرائيل الضوء الأخضر للقيام بعدوانها في الخامس من يونيو 1967 والذي احتلت خلاله كلا من سيناء والضفة الغربية وقطاع غزة والجولان السوري. وكان من نتيجة ذلك العدوان الاسرائيلي المدعوم امريكيا اضطرار دول عربية عدة في مقدمتها مصر وسوريا والعراق الى قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الولايات المتحدة، وقد استمر ذلك الى ما بعد حرب اكتوبر 1973. وثمة مخاوف جدية في العواصم العربية حاليا من استمرار السياسة الامريكية السلبية حيالها وتطور هذه السياسة الى ما هو أسوأ خصوصا وان الادارة الامريكية: 1ـ تعلن جهارا عن عداء تام للحكم في العراق وتعرب بين الفينة والأخرى عن استعدادات لتوجيه ضربة عسكرية قاصمة له، وتواصل في الوقت ذاته توجيه تهديدات عسكرية الى السودان بذريعة دعم الارهاب. 2ـ تتمسك بسياسة لا تقل عداء تجاه ليبيا. 3ـ تحرص على مواصلة اتهام سوريا وليبيا ولبنان انها من الدول الداعمة للارهاب. 4ـ تتهم احزابا ومنظمات عربية عدة (لبنانية وفلسطينية بالدرجة الأولى) بممارسة الارهاب وتشجيعه. 5ـ تشن حملة ضغوط شديدة على العديد من الدول العربية مثل مصر والسعودية والأردن بدعوى ان غالبية أعضاء تنظيم القاعدة المتهم بالقيام بأحداث نيويورك وواشنطن يحملون جنسيات هذه الدول، وبدعوى ان سياساتها الداخلية ومناهجها الدينية والتعليمية تساعد على انشاء أجيال ما يوصف بالارهاب الاسلامي. ولعل الخوف الرئيسي في العواصم العربية يكمن أساسا فيما تلاحظه من تطابق يزداد اكتمالا بين السياسة الامريكية والسياسة الاسرائيلية سواء حيال الانتفاضة والمقاومة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة أو حيال كل من سوريا ولبنان والعراق، الأمر الذي ينذر بامكانية حصول اسرائيل، بقيادة رئيس حكومتها ارييل شارون المتعطش دوما للحرب وللغزو، على ضوء أخضر امريكي ممثل لما حصل عليه ليفي اشكول رئيس وزراء اسرائيل عشية عدوان يونيو لشن حرب وحشية ضد الفلسطينيين في الضفة والقطاع هدفها اجبارهم على الاستسلام ورفع الرايات البيضاء واجبار قسم كبير منهم على النزوح باتجاه الاردن، أو لشن عدوان واسع النطاق على لبنان وسوريا بهدف تدمير مكونات قوتهما العسكرية والاقتصادية الاستراتيجية، وقد بدأ هذا الخوف بالنمو سريعا في مختلف العواصم العربية نتيجة الضغوط الامريكية والاسرائيلية المتواصلة، الأمر الذي فرض ذاته بقوة على الاجندة الرئيسية الرسمية في مختلف العواصم. وليس من المبالغة القول بأن العواصم العربية (منفردة ومجتمعة) مدعوة لممارسة سياسات عقلانية وأكثر حكمة للحيلولة دون اكتمال التطابق الراهن بين السياستين الامريكية والاسرائيلية في المنطقة. ولعل انعقاد القمة العربية المقررة في السابع والعشرين من مارس المقبل في بيروت يشكل الفرصة المناسبة للقادة العرب للتداول والتباحث معا بشأن واقع العلاقات الامريكية مع الدول العربية وآفاق هذه العلاقات وسبل الحفاظ على المصالح العربية وتدعيمها. فالقادة العرب قد يجدون أنفسهم في هذه القمة مرغمين على ضرورة النظر في العلاقات مع الولايات المتحدة وبحثها ودرس السبل الكفيلة بوقف تدهورها من الجانب الامريكي وذلك عبر اتخاذ موقف عربي موحد قادر على صون وحماية المصالح والحقوق العربية. فواشنطن بحاجة للعرب كما هم بحاجة اليها، سواء في الحرب ضد الارهاب أو في الحرب ضد الاحتلال والعدوان، والمصالح المشتركة ينبغي ان تدفع نحو تفاهم مشترك تجاه مختلف القضايا بعيدا عن التهديد والوعيد، ولن يتمكن العرب من ذلك ما لم يتفق القادة العرب على اتخاذ موقف موحد تجاه العلاقات العربية مع الولايات المتحدة يتم بحثه ودراسته والتأكيد عليه عبر قمة عربية ـ امريكية حان وقتها. ـ مدير المكتب الصحفي في وزارة الإعلام السورية