بيان الاربعاء: كيف يعمل الإعلام الامريكي الرسمي، وكيف يرسم توجهاته واهدافه، وهل تكون بعيداً عن خطوط الاستراتيجية السياسية؟ ـ ذلك سؤال شغلني وشغل الكثير من الاعلاميين العرب، وحيث اننا جميعاً لا نفتح صفحات البحث في ماهية النظرية الإعلامية الأمريكية ولا نبحث اطلاقاً اية نظرية تعمل عليها. في هذا الاطار التقينا مدير مركز الإعلام الخارجي بوزارة الخارجية الأمريكية بيتر جون كوفاتش في زيارته الأخيرة إلى دبي، وحاولنا الوصول إلى وجهة النظر السياسية الأمريكية عبر اعلامها. النتيجة التي سيخرج بها كل من يقرأ هذا الحوار ستنتقل عبر رؤية واضحة إلى عمق الشخصية الإعلامية والسياسة الأمريكية، الشخصية التي تقبل فكرة الدفاع اذا كانت تتعلق بمصالحها هي وحليفتها اسرائيل وتنكرها على الآخرين في تعبير يشي بازدواجية. سنجد ان الاعلام الامريكي لا يعمل وفق نظرية محددة او معينة بل انه ينبني على فكرة محاولة خلق ثقة بين الشعب والسلطة وبين الدولة الامريكية بكاملها «سلطة وشعبا» والعالم الخارجي، فالأولى خلقتها فكرة الفيدرالية الكبيرة أو الدولة الكبيرة أو الحكومة الكبيرة التي توسعت من «14 ولاية كونفدرالية» إلى 50 ولاية امريكية اتحادية. سنجد ان الذهن الاعلامي الامريكي انصب في رسم صور عن الانسانية الامريكية تمثلت في عرض صور لغداء أو مأدبة افطار مع مسلمين عرب أمريكيين وقيادة امريكية، واغفلت عمداً الاجراءات الداخلية الأمريكية ضد العرب والمسلمين والتي من ضمنها قانون الوثائق السرية الذي يبيح لهم القاء القبض على أي عربي ومسلم بدعوى وثائق سرية بلا محاكمة. سنجد ان الإعلام السياسي الأمريكي سوق لفكرة انهيار الابراج الامريكية على انها تراجيديا انسانية عالمية وتوقف عند حدودها وما سواها ليس سوى إرهاب فلسطيني وبعض التطرف الإسرائيلي «دفاعاً عن النفس». وسنجد اعترافاً صريحاً عبر هذه الشخصية بأن الامريكيين بدأوا الآن فقط يشعرون بآلام غيرهم، وبدأوا يتساءلون فقط منذ 11 سبتمبر لماذا يكرهنا الاخرون. كوفاتش الذي هو مركز حوارنا هذا، يشغل أيضاً منصب مدير المراكز الصحفية في أمريكا برمتها وهو شخصية امريكية مسئولة وذات خبرة كبيرة. وقبل ان اعرض نبذة عنه وقبل عرض حواره لابد ان اشير إلى انه يتحدث عن وكالة الإعلام الامريكية التي انشئت بعد الحرب العالمية الثانية كمركز اعلامي للتواصل مع امريكيي الداخل والعالم الخارجي عن طريق الاتصال. هذه الوكالة شغلت بحوثاً كثيرة وكشفتها مصادر كثيرة كان أهمها ما نشرته صحيفة الجرانما سنة 1986 نقلا عن برلماني الماني، من انها «وكالة لصنع قصص تلويث الرؤساء والدول» واردفت هذا الكشف بـ 150 مؤسسة اعلامية وغيرها مرتبطة بها، مشيرة إلى ان هذه الوكالة كانت مستقلة حتى جاء ريجان وربطها به بشكل ما الا انها بقيت مستقلة عن المخابرات والكونجرس الذي يمولها، كانت تشبه غولا سياسيا اعلاميا. ومن ضمن ما ورد في هذه الكشوف وكالة اسيوشيتدبرس وصندوق النقد الدولي ومركز دراسات الشرق الأوسط في دولة عربية وصندوق النقد الآسيوي.. وصوت امريكا وغيرها مما هو اخطر. كوفاتش رفض تأكيد ذلك، بل نفاه لكن الدراسات والتقارير كانت كثيرة على الانكار. والسيد بيتر جون كوفاتش التحق بالسلك الدبلوماسي عام 1980، وهو اليوم عضو رفيع المستوى في وزارة الخارجية الأمريكية. عمل مؤخراً كمستشار رفيع في مكتب برامج الإعلام الخارجي حيث ادار العمل في سكرتارية جديدة هدفها تنسيق العمل بين الإعلام الخارجي الأمريكي وبين الوزارات الأمريكية المختلفة، وقد قامت هذه السكرتارية بقيادة الدعم المقدم للاعلام الصربي المستقل ولبرامج المذيعين الدوليين الذين ادت جهودهم إلى التغييرات السياسية الأخيرة في يوغسلافيا. رأس كوفاتش مكتب الاتصالات الاستراتيجية التابع لما كان يعرف بوكالة الاعلام الامريكية، كما عمل قنصلاً للشئون الثقافية في سفارة بلده بطوكيو وكمستشار اعلامي وثقافي في السفارة الأمريكية في الأردن والبحرين، عدا عن عمله كمسئول اعلامي في المغرب واليمن. وفي فترة خدمته بواشنطن شغل منصب مسئول للسياسة الإعلامية في مكتب وكالة الإعلام الأمريكية السابقة لشئون الشرق الأدنى وجنوب آسيا كما عمل كمدير فرع برنامج الزائر الدولي لنفس المنطقة، اضافة لعمله كصحافي مستقل وهو يجيد اللغات العربية واليابانية والفرنسية والهندية. المحاور تركزت حول الإرهاب وتعامل الإعلام الأمريكي معه وفق توجيه سياسي أو لا توجيه، وحول مفهوم الدفاع عن النفس والإرهاب، وحول نظريات الاعلام الأمريكي وتعاملها مع القضايا مع طرح امثلة لذلك. ـ هل كانت أحداث 11 سبتمبر جديدة فعلاً فيما طرحته، لقد واجهتم هجومين من قبل، لماذا اختلف تأثيرها الآن، ولماذا دفع باتجاه خرق المحظور الدولي وقيادة حرب اخرى خارج الارض الأمريكية؟ ـ كوفاتش: من الصعب على الذين هم من خارج امريكا فهم احداث 11 سبتمبر، لقد اشرنا لسنوات طويلة إلى الإرهاب العالمي، وفي تاريخنا العديد من الحروب نعم، ولكننا لم نفقد في يوم واحد ما فقدناه في 11 سبتمبر الا في حادثة بيرل هاربر والحرب الاهلية الأمريكية، لكن الرقم يبقى اعلى، لذا فان الحرب ضد الإرهاب فرضتها الضرورة. لقد بدا وكأن الأمر هجوم ضد العالم، هناك اكثر من ثمانين جنسية شملها نتائج هذا الإرهاب، بدت وكأنها تراجيديا عالمية، وفي الواقع ان هذه التراجيديا الانسانية فتحت اذهاننا بطريقة ما، جعلتنا نرى آلام الناس، لقد شعرنا بعدها اننا نقاتل من اجل حماية العالم وحماية كل اشكال الثقافة والحضارات. ـ لكن حملتكم بعد ذلك استهدفت الإسلام، بدت كحرب دينية؟ ـ كلا، لم تكن ضد الاسلام، بل ضد التطرف، نحن اصحاب دين سماوي أيضاً، ما فعلناه هو خلق أو بدء نظرة جديدة للاشياء، لقد رأينا الآخرين يختلفون عنا بنظرتهم للأمور، لكنهم كانوا معنا، لقد عمل اعلامنا على سرد الحقائق. بنزاهة وصدق. ـ انا لست معك في ان اعلامكم كان عادلا وحرا؟ ـ لقد كان حرا وعادلا. ـ اعلامكم كان يسير وفق نهج الاستراتيجية الأمريكية وهذا لا يعطيه حياداً، قلتم ان العالم تغير بعد 11 سبتمبر، والواقع يقول انه لم يتغير، وقلت ان الحرب ضد الإرهاب فرضتها الضرورة، بينما نجد في حقبة كلينتون بدأ التمهيد لحرب الإرهاب، ورقة تينيت عام 2000 اوردت نفس الشيء، برنامج الرئيس بوش الانتخابي وبرنامجه الرئاسي ركز على الحرب؟ ـ الإرهاب كعنصر تنامى في العالم، وهو شيء لم يتم اكتشافه في 11 سبتمبر، الناس في بلدنا شعروا بأن امنهم قد انتهك، وذلك مس الابرياء، نعم لقد تحدثوا سابقاً عن عدم الاحساس بالأمن، لكن ان تكون في مركز فقدان الأمن ان تكون مركز الهجوم هو أمر آخر، لقد ألقت احداث 11 سبتمبر الضوء بشكل واضح على فقدان الأمن ذاك. واعتقد ان احدى نتائج هذه التراجيديا انها بشكل لم اشهده طيلة 22 عاماً من عملي الحكومي، جعلتنا ندرك اننا لم نكن نريد ان نسمع احدا، كنا نتحدث دائماً عما نفعل وعن علاقاتنا ولا اعرف كم من الناس كان يفهم ما نقول او يتلقاه بشكل جيد، لكننا كنا نحاول، احداث 11 سبتمبر جعلتنا ندرك ان الآخرين في العالم العربي والإسلامي لا يرون استراتيجيتنا كما نراها. لقد كانت هناك رؤى مختلفة عمن يكون المخطيء وعلى من يلقى اللوم، بل القي اللوم علينا على اساس اننا من جلب ذلك على نفسه، لقد بدأنا ننظر إلى هذه الاعتبارات ووجدنا الرغبة في الحديث اليهم في امور اكثر انسانية. على سبيل المثال لم ننس في حملتنا ضد الإرهاب الامور التي تتعلق بغذاء الناس في افغانستان وقد قدنا اكبر حملة لالقاء الغذاء في تاريخنا الحديث منذ 1948. يمكن أيضاً ان تلاحظي ان شيئاً تكتيكياً قد حدث، ففي صفحتنا على الويب وفي موقع وزارة الخارجية يمكن ان تطلعي على صور تبين كيف نحترم الإسلام ومعلومات تؤكد ان الاسلام ازدهر في امريكا طبقاً لقوانين حرية المعتقد الديني. ـ ولكن هذا ليس ما قاله لنا الإعلام، الإعلام ارانا سوء معاملة للمسلمين، عمليات تهجير لمن حظي بالجنسية منذ فترة قصيرة، وغير ذلك. ـ لا توجد كلمة مما قلته غير صحيحة، انها الحقيقة، فالمجتمع الإسلامي في امريكا محترم وهو الاسرع بالنمو والانتشار ويستندون لوسائل الاقناع والتفاوض ويتمتع بالشرعية والحرية مثلما تتمتع بها بقية الاديان كاليهودية مثلاً، وقد رأيت كيف ان الرئيس الأمريكي زار مركزهم وصرح بأن الحرب ضد الإرهاب ليست حرباً ضد الإسلام، وأكد ان حكومته مع المسلمين الأمريكيين وستقوم بحمايتهم كجزء من المجتمع الأمريكي وسنقف ضد أي مشاعر للكراهية شخصية، وكان هذا هو المحور الأهم. المسلمون في امريكا يحيون حياة طبيعية، وما نفعله هو من أجل العالم والحضارة في أي مكان، وهو ايجاد حلول توقف الاستغراق في الإرهاب الذي يضر بالعالم الحديث، نحاول وقف العنف اذ لا يمكن الاكتفاء برد فعل سياسي لمكافحة العنف، وقد حصلنا على دعم أكبر بكثير مما حصلنا عليه في حرب الخليج. ـ عنوانكم الكبير هو الحرب ضد الإرهاب، ولكن أليس لهذه الحرب أهداف اخرى تتعلق مثلاً بثروات بحر قزوين ولنتذكر ان نفط الاسكا وبحر الشمال قرب على الانتهاء؟ ـ انا اتفق معك ان هناك محادثات جادة بشأن انابيب نفط بحر قزوين، لم تكن عناوين رئيسية في الصحف الا انها كانت جارية واعتقد ان الشركات الأمريكية مشتركة فيها ضمن عدة شركات أجنبية اخرى، لكن الدول صاحبة المصالح الحقيقية في البحر هي ايران، روسيا، وتركيا، ولكن افغانستان دولة بعيدة عن البحر. اعتقد ان افغانستان دولة اهملناها عند انتهاء الحرب الباردة، هي دولة تراجيدية التاريخ ولننظر اليها تعرضت للغزو السوفييتي وحاربته سنوات طويلة، ثم الانقلاب الذي حدث بعد خروجه، ومجيء طالبان وهي فئة متطرفة، ما نفعله فعلاً هو مساعدة الافغان على الوقوف على ارجلهم من جديد وبناء دولتهم على اساس السلام والاستقرار من اجل استقرار المنطقة برمتها. ـ لننتقل الى الاعلام الأمريكي، في البداية اريد ان تعطينا فكرة عن النظرية الإعلامية التي يشتغل بها الإعلام الأمريكي؟ ـ لا اريد القول انه لا يوجد تصور حكومي للنظريات الاعلامية او الاعلام فنحن ليس لدينا وزارة إعلام. ـ لماذا؟ ـ لاننا في تاريخنا كله كنا نبحث عن الثقة في الحكومة، فمنذ تأسيس الحكومة الاتحادية وطرح فكرة انشاء حكومة كبيرة تضم ولايات أخرى بات الامريكيون يخشون على هامش الحرية، فالامريكيون بطبعهم لا يحبون ان يكونوا موجهين من قبل الحكومة، وعندما انشئت وكالة الإعلام الامريكية السابقة والتي أصبحت مؤخراً جزءاً من وزارة الخارجية قبل ثلاث سنوات تقريباً، هدفت لاستئصال عدم الثقة هذا، ومبدأ عدم الثقة مطروح منذ الثورة ضد البريطانيين قبل مئتي عام ومبرره كان الخوف من ان قيام حكومة شاملة سيؤثر على مناخ الحرية، وهذا كان أساس انشاء هذه الوكالة. الأمريكيون يريدون صحافة حرة مستقلة ورأياً حراً مستقلاً ومناخاً للحرية اكبر، وكانت هذه أساساً فكرة الديمقراطيين، فكرة ان يكون الاعلاميون مستقلين عن الحكومة أو السلطة. اليوم لدينا قسم للعلاقات العامة في كل وزارة وإدارة حكومية وهم يلخصون ما تنشره الصحافة والإعلام، لأن الإعلام والصحافة يتحدثان للشعب، للناس وهؤلاء هم الذين يصوتون لانتخاب الرئيس وأعضاء الكونجرس الذين يعطوننا ميزانيتنا، لذا فلهم الحق بمعرفة أين تذهب أموالنا. ـ اذا كان الإعلام مستقلاً فعلاً عن سياسات الحكومة فلماذا جمعت مستشارة الأمن القومي كوندوليزا رايس الإعلاميين ووجهتهم بشأن اختيار ما ينشر ويعرض بما يتناسب مع الآراء الأمريكية في حملة الإرهاب وتوجهاتها؟ ـ سأقول شيئاً، للحكومة حق شرعي أو قانوني في محاولة التأثير في الإعلام، لا يمكن القول بشكل مطلق اننا لا نستطيع المحاولة في التأثير على الإعلام، ولكن كما تعرفين فقد نشرت وسائل الإعلام لقاء الدكتورة رايس مع الاعلاميين فعرف الناس انها حاولت التأثير على الإعلام. ـ تقصد السيطرة على الإعلام؟ ـ ليس لديها السلطة لذلك، كل ما يمكنها فعله هو ان تقترح، لقد قدمت مقترحات والنتائج ان الإعلام فعل ما يرضيه لقد عرضوا فيلم ابن لادن. ـ لقد اختاروا مقاطع مجتزأة من الفيديو بما يتناسب مع السياسة الأمريكية، لم يكن عرضاً كاملاً لحديثه. ـ دعيني اخبرك شيئاً، ان الإعلام لدينا مكلف كثيراً ومسألة عرض فيلم بكامله يعرض حتى للقمم الجبلية المغطاة بالثلوج أمر لا يعني الكثيرين عدا عن كونه مكلفاً، اضافة إلى ان المهم كقنوات اخبارية تعرض للخبر والحدث وليس غير ذلك. ـ هناك اعلامي سياسي امريكي هو جريجوري توكس قال في كتاب عن الإعلام والسياسة ان الإدارة الأمريكية تسيطر على 70% من اجندة الاعلام وهي وحدها تقرر متى يبقى الخبر في الاعلام ومتى ينتهي؟ ـ لا اعرفه ـ كان محللاً سياسياً في الاسيوشيتدبرس. ـ لا فكرة لي عما يقول، تبدو لي كأنها بارانويا «جنون الاضطهاد أو الارتياب»، اذ كيف تسيطر الادارة الامريكية على الاعلام. ـ لقد رأيت ذلك بنفسي في امريكا، كل الاماكن الاعلامية التي زرناها وجدنا اجندتها وفق اجندة الحكومة، ومصالحها، ورؤوس الأموال والاشخاص النافذين هم الذين يوجهونها. ـ سأخبرك أين تكمن سيطرة الحكومة، عندما تكون مؤسسة اعلامية مندمجة في برنامج قد تموله الحكومة بشكل او بآخر، ومع ذلك فقد تتعرض هذه المؤسسة لسؤال الكونجرس والحكومة أيضاً.، ـ الكونجرس نفسه ليس حراً أو خالياً، فهو مسيطر عليه، كثيرون من داخله كتبوا عن سيطرة ايباك عليه، لقد قال احد السيناتورات «ايباك ملك الكابيتول هيل»! ـ الكونجرس لا ينتخبه اللوبي، ولكن ينتخبه الناس، فاللوبي يستطيع ان يصرخ ويهول ويحاول التأثير حوله، لكن في النهاية، فالناخبون هم الذين يضعون أعضاء الكونجرس في اماكنهم. تجدين الكثير منهم ممن تدعمهم جماعات الضغط واللوبيات يفقدون فرصهم في الفوز، لا يمكن الاتفاق مع مجموعة أو لوبي للفوز بمنصب دون ان يجذب ذلك الانتباه او يثير اصحاب الرأي والتشريع، ذلك صعب جداً، كثيرون اثر في حياتهم السياسية الاعلام فتركوا مناصبهم وذلك لحرية الاعلام الذي يحاكم رئيساً أو وزيراً. ـ دراساتكم، اعلمتنا بأن الرأي العام الأمريكي جاهل تماماً في فهم الشئون الخارجية العالمية، لذا فقد لعب الاعلام دوراً في توجيه هذا الرأي العام ودفته الوجهة التي تريدها السياسة والادارة وأصحاب المصالح؟ ـ اكرر انا اتحدث بشكل شخصي الآن، اعتقد ان الحادي عشر من سبتمبر فتح أعيننا على اشياء كثيرة وبشكل ما على ضرورة فهم آلام الآخرين وفهم المشاعر بطريقة لم نكن نمتلكها قبلاً، ولكن اعتقد ان عليكم فهم أو ادراك اننا بشكل جوهري أو اساسي ديمقراطيون ونعيش ضمن نظام ديمقراطي، فالنزعة الحقيقية أو الهدف الحقيقي هو التركيز على السياسة المحلية، لذا فنحن ننظر للداخل باهتمام اكبر من الخارج، وهذا هو أحد أهم اسباب وجود المركز الصحفي، لان هناك اعلاميين وصحفيين وصحفيون اجانب وهم لهم حرية التحدث إلى أي ناخب ومؤهلين للتأثير على الناخب الذي يمكن ان يكون بيروقراطياً، أو من الكونجرس، أو من اللوبيات والجماعات كالعرب واليهود، ولذا فان الصحفي الاجنبي صعب دخوله إلى مجتمعنا هذا، مجتمع يتنافس فيه الجميع، ينافس فيه الجميع. في بيئتنا الديمقراطية لدينا مشاكلنا أيضاً كقبول العولمة، واذا نظرت إلى الكثير من المشاريع المطروحة على الكونجرس ستجدين ان هناك من يطرح فكرة الحفاظ على صناعاتنا بمعنى ضد العولمة، رغم انني لااشعر هكذا، انا اشعر بأن حكومتي التي امثلها الآن قوية بما يكفي، نحن أمة معزولة جغرافياً ولدينا اقتصاد ضخم وهذا قد يفسر اهتمام الداخل بشئونه. ـ لماذا انتم معزولون؟ ـ لأن ما يفصلنا عن العالم محيطات ضخمة. ـ تبدون كأمة عزلت نفسها في جيتوات مثل اليهود؟ ـ اعتقد لو انك نظرت إلى المئة سنة الاخيرة من التاريخ الامريكي الحديث ستجدين عملية خروج من القوقعة ببطء، لقد خرجنا للعالم وتفاعلنا، ثم عدنا للداخل، للقوقعة، وخرجنا مرة اخرى ابعد قليلاً، وعدنا لداخلها، اعتقد ان الامور تجري هكذا تدريجياً، ورغم ان الكثيرين يرون ان سياستنا زادت الفقراء فقراً والاثرياء ثراء، لكن ارى ان لدينا القدرة على التقدم في العالم ثم التراجع، معظم الأمريكيين لا يريدون امريكا كقوة عظمى نحن لا..نحب هذه الصورة، ولكننا فخورون بكوننا امريكيين، فخورون بطريقة حياتنا وقيمنا وانجازات بلدنا. ـ الا ترى ان سياسة امريكا في الخمسين سنة الماضية سببت ما حدث في 11 سبتمبر وما قبله، اتهمكم الآخرون بالانحياز الايديولوجي في قضايا كثيرة، الإرهاب، الشرق الأوسط، العرب، الكثير من الأمم! ـ انا لا اتفق مع ذلك، اولا ما حدث في 11 سبتمبر كان غير مبرر، انا لا اريد ان اناقش الأسباب، سرعة استجابة ودعم العالم بما فيه دعم العرب وبخاصة كل دول مجلس التعاون الخليجي تؤكد لنا ان الامر مختلف عما حدث في فترة حرب الخليج، لقد أشار البعض وأكد ان ما حدث كان هجوماً ضد العالم، لقد ذهب ضحايا لأكثر من 80 جنسية عالمية، بدت وكأنها مأساة عالمية. نعم لقد بدأ الأمريكيون يتساءلون بعد الحادث لماذا يكرهوننا اعتقد انه نوع من الصدام الحضاري، ما حصل فتح اعيننا على الحاجة لفهم المسلمين والعرب بشكل خاص، للاستماع لهم، لفهم الإسلام والعالم العربي. ـ اذن ماذا كنتم تفعلون عقوداً من السنين ان لم تفهموهم حتى الآن؟ ـ كنا نستمتع بحياتنا الأمريكية. ـ كنتم تبنون القوة الأمريكية؟ ـ لقد حاولنا ان نكون اقوياء لاشك في هذا. ـ وان تكونوا القوة الوحيدة في العالم أليس هذا هو الحلم الأمريكي؟ ـ ليس بالضرورة، كلا ليس هذا هو الحلم الأمريكي، اعتقد اننا نشعر بأن العالم اصبح مكاناً خطراً ونحن سنقوم بحماية مصالحنا، سنحصل على قوة كافية لذلك، احيانا نشعر بالخجل كوننا اقوى قوة نووية، ولا نريد ان يرانا الاخرون وفق هذه القوة، نريدهم ان يروننا كأناس ذوي قيم وطريقة في الحياة، وندعو العالم ان يكونوا مثلنا. ـ لهجة الخطاب الأمريكي السياسية والاعلامية تستخدم دائماً أسلوب السيد الذي يخاطب العبيد، لقد قلت ان العالم مكان خطر عليكم، وهناك منكم من يقول ان العالم جميل ويجب الاندماج به وهو أساس العولمة، كيف تعيشون هذين التناقضين؟ ـ لا اعتقد ان شيئاً قد حدث لهذين المنظورين ولا اعتقد ان هناك تناقضاً بين الدفاع عن بلدنا وبين التطلع للعالم. ـ لماذا اذن تتبنون فكرة «الدفاع عن بلدكم» وتنكرونها على الآخرين، الفلسطينيون يدافعون عن انفسهم وبلدهم، والعراقيون كذلك، والكشميريون وهم يجب ان يفعلوا ذلك. ـ اعتقد ان الدفاع عن النفس هو حق موجود في ميثاق الأمم المتحدة، ولا يوجد أمريكي أو غيره يعارض الأمم المتحدة، نعم الشعب الفلسطيني ينتظر قيام دولته وقد ايدنا قيامها. ـ قلتم ذلك ولم تفعلوا شيئاً سوى دعم الإرهاب الإسرائيلي؟ ـ قد ترينه إرهاباً من جانبك ويرى الطرف الآخر في خصمه إرهاباً، لقد انتقدنا بشدة استهداف إسرائيل للسلطة الفلسطينية ومؤسساتها وانتقدنا احتلال الاراضي الفلسطينية سواء بشكل مؤقت أو دائم، وانتقدنا بصدق الإرهاب الذي يذهب ضحيته مدنيون على الطرفين وفعلنا الكثير، وسنفعل، نحن نتقبل فكرة الدفاع والقتال من اجل الحرية. ـ سأضعك والفعل الأمريكي الاخير بين صورتين الأولى للاب بوش والثانية للابن بوش، الأول اجبر الإسرائيليين على السلام والثاني اطلق يدهم ضد السلام؟ ـ لابد ان ارفض هذه الصورة، اعتقد وانا لست ناطقا رسمياً باسم إسرائيل، ان الجميع ذهب لمؤتمر السلام عندما كانت هناك فرصة للسلام، الدولة التي ذهبت اليه رأت ذلك في صالحها وصالح مصالحها. ـ الآن انتم لا تريدون ذلك، لا تفعلون شيئاً؟ ـ نحن في الإدارة نؤمن بطريق السلام، ولسوء الحظ السكان متورطون في النزاع ونحن لسنا مستعدين لذلك، لا يستطيعون قبول انهائها، لن اتخذ جانباً واحداً منهم، لكن اقول ان ما يحدث مأساة، فبروز العنف مجدداً أمر خطر ومؤذٍ، وما لم تنكسر حواجز العنف ويوافق الطرفان على وقف القتال من اجل الأمن ويرغبون في التفاوض على اساس ميتشيل وتينيت واعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل الانتفاضة، فلن نستطيع ان نفعل شيئاً. لقد كنا قريبين من الحل، الآن نتمنى فقط ان تفهم السلطة الفلسطينية انها يجب ان توقف الإرهاب ضد المدنيين وان يفهم الإسرائيليون انهم يجب ان يخففوا اعباءهم على الفلسطينيين ليحيوا بشكل طبيعي، وقبل بناء أية ثقة جديدة يجب التفكير للعودة إلى حيث كنا قبل سنة ونصف من الآن وبناء المستقبل على أسس جديدة.