بيان الاربعاء: سؤال اساسى شكل مدخلا لحوار مطول اجراه الاستاذ ضياء الدين بلال مع الدكتور غازى صلاح الدين مستشار رئيس الجمهورية للسلام حول المتغيرات التى حدثت فى الساحة السياسية السودانية، نجاح المسعى الامريكى وما تبعه من غزل متبادل وغير متكافيء بين حكومة السودان والادارة الامريكية.بادر الدكتور غازى صلاح الدين بالاجابة عن السؤال بالاتى: ـ نعم تغيرت امريكا ولم تتغير الانقاذ كل انسان حصيف ومنصف سيرى ان امريكا قد صححت موقفها. ـ كيف؟ وامريكا تدعم المعارضة ومستشارة الامن القومى الامريكى كونداليزا رايس وصفت النظام السوداني بأنه نظام قمعى يحارب شعبه فى الجنوب وينتهك الحريات الدينية ويتاجر بالرقيق اين التصحيح اذن؟ ـ التصحيح يبرز فى دوائر اقوى من مستشارة الامن القومى وافعل منها من هذه الدوائر المتشددة وفيها ايضا دائرة اكثر اعتدالا تدعو لتصحيح الاوضاع ونحن نشجعها. ـالرهان على التنوع فى امريكا سبق ان راهن عليه السادات وسبق ان راهن عليه عرفات. ـ الاشارة للسادات وعرفات، تجارب الاخرين نأخذ منها العبرة ولكن ليست هى المقاييس التى يمكن ان نقيس بها لاختلاف الحالات هناك تحول واضح جدا لا يخفى إلا على مكابر وفى السياسة الامريكية اتجاه نحو الاعتدال. ـ ما هو الهامش المتاح لك لمعارضة ورفض السيناريو الامريكى؟ ـ الان يمكن ان ارفض كل النقاط الامريكية ولكن النتيجة العملية التى تترتب على ذلك هى اضعاف التيار المعتدل داخل السياسة الامريكية ـ رفضك يمكن ان تترتب عليه خطوات عملية غليظة مثل ما حدث فى العراق ويوغسلافيا في حالة الهياج الامريكى الان ـ ( انت جيتنى فى مكانى ) ولو كنت رفضت مقترحات المعتدلين كنت سأستدعى خيارات المتشددين ليحدث لنا ما حدث فى العراق ويوغسلافيا، هل ترى من الحصافة ان يلجيء بلد مثل السودان امريكا لهذه الخيارات؟ ـ هذا يعنى ماذهبنا اليه بأنك خاضع تماما للمعادلة الداخلية فى امريكا؟ معادلة الصقور والحمائم دون ان يكون امامك خيار خاص بك؟ ـ شيء من الغضب من الذى قال لك؟ أليس في الدنيا الان سوى دانفورث؟!. ـ فى امريكا توزيع للادوار مثل ما جاء فى مشروع سلام السودان اى اسلوب الجذره والعصا. ـ نحن كذلك فى السودان نملك جذره وعصا. عالم ما بعد الحرب الباردة تميزت هذه المرحلة بانهيار الاتحاد السوفييتي وتفككه الى دويلات صغيرة وصعود النجم الامريكى وانفراد الولايات المتحدة بقيادة العالم. لامريكا استراتيجية واولويات عبر عنها المفكر الامريكى روبرت هنتر: اذ قال على الرغم من معارضته للانعزالية الامريكية فهو لن يقبل بمقولة بوش الاب حول النظام العالمى الجديد، النظام العالمى الجديد لا يمكن ان يقوم الا فى ظل غلبة امريكية وهذه غير ممكنه مع فكرة استبعاد القوة والانسحاب العسكرى من مناطق النفوذ فى العالم بل العكس هو الصحيح حيث ان الهيمنة الامريكية العالمية تحتاج الى قوة عسكرية تكون فيصلا رئيسا فى الاحداثكما حدث فى حرب الخليج الثانية. التخوف من الهيمنة الامريكية على اوروبا جاهرت به فرنسا منذ زمن بعيد، الرئيس الفرنسى الراحل فرانسوا ميتران خاطب الأمريكان (اتركوا لنا ثقافتنا هذا ما تبقى لنا لنشعر بهويتنا من دون مهانة) حتى مارجريت تاتشر اقوى حليف لامريكا في اوروبا حظرت فى خطاب لها فى واشنطن فى 8 مارس 1991 ( قالت تاتشر اذا اردنا تشكيل دولة اعظم فلا شك ان ذلك سيخلق مصالح ومواقف تختلف عن مصالح امريكا). فى ظل العولمة التى وصفها البعض بأنها امركة رسمت صورة لعالم يتجه نحو توحيد مناهجه وقيمه واهدافه، فرضية التقارب والدمج ليس لها مقومات تذكر فى البلاد الفقيرة والمهمشة بعض هذه الدول تعانى من النزاعات السياسية والاثنية بسبب عدم توصل دولها ذات التكوين المتعدد اثنيا وثقافيا الى معادلات توفر مشاركات عادلة لكل مكوناتها، الصومال كمثال رغم وجود مجتمع متجانس فيه شهد انهيار سلطة الدولة ونشوب حرب مدمرة انهت دور الدولة المركزى وفتت وحدتها وشردت شعبها، وفى السودان تمددت الحرب الاهلية التى بدأت محدودة فى جنوب السودان الى مناطق جغرافيا لا علاقة لها بالجنوب. نتيجة لكل هذه التحولات تراجع دور الدولة واصبح التدخل فى الشأن الداخلى لها امرا مشروعا، التدخل الخارجى يلغى سيادة الاخر ويحول دون استقلاله السياسى والاقتصادى والاجتماعى ويهدد وحدته القومية، وللتدخل اشكال مختلفة نشطت بنوك التفكير ومراكزالبحوث الاستراتيجية فى ابتكار اليات (استخباراتية واقتصادية ودبلوماسية ..الخ) توصل للهدف وان اختلفت وسائلها. اهداف التدخل بالنسبة للدول الكبرى هو حماية مصالحها ولامريكا مصالح فى كل اطراف الارض قد تتفاوت فى درجة اهميتها. المفكر الاستراتيجى كولن جراي وهو احد كبار المخططين للسياسات الامريكية العليا له رؤية واضحة فى هذا المجال هى ( على الولايات المتحدة الامريكية تحديد المصالح الاكثر حيوية مع وجوب التفريق بين ما يعتبر مصالح وحسب وبين ما يعتبر مصالح حيوية الاخيرة هى التى تستدعى تدخلا مباشرا لحمايتها ). السودان وأمريكا التخوف من ضربة عسكرية مباشره على السودان ليس له ما يبرره، نعم السودان دولة محورية في أفريقيا ويمر بمرحلة حرجة عجز ابناؤه عن ادارته ادارة رشيدة والملف السوداني الان متاح ومتداول بين دول كثيرة فى مقدمتها الولايات المتحدة الامريكية وللادارة الامريكية الجديدة وسائل اخرى غير التى اتبعتها ادارة كلينتون لذلك غيرت من تكتيكاتها ولم تتغير اهدافها، فهي حتى هذه اللحظة ترسل اشارات متناقضة الهدف منها ارباك النظام فى السودان واحداث خلخلة داخله حتى تتمكن من تمرير ما تريد من سياسات وما تريده امريكا اجمله مركز الدراسات الاستراتيجية الامريكية في توصياته المقدمة للادارة الامريكية التوصيات هى: 1 ـ تركيز السياسة الامريكية على موضوع انهاء الحرب. 2 ـ الانضمام بفعالية لبريطانيا والنرويج وجيران السودان لتشكيل مجموعة ضغط دولية لادارة حوار بين الحكومة والمعارضة الجنوبية لانهاء الحرب ولضمان حقوق الانسان والاستقرار والامن الاقليمى. 3 ـ اعلان مباديء الايجاد كاساس للتفاوض. 4 ـ السعى للتوصل لاتفاق لاقامة فترة انتقالية تقوم على صيغة سودان موحد بنظامين (شمالى وجنوبى). 5 ـ عمل وحدة تحفيز وضغط لادارة الحوار. 6 ـ حشد التأييد الدولى لخطة يحكم فيها الجنوب نفسه مع ايجاد الوسائل والموارد. 7 ـ اولوية بناء الثقة ووقف اطلاق النار وسحب القوات العسكرية والحد من نشاط الميليشيات واقامة آلية لقسمة العائدات وترسيم الحدود بين الشمال والجنوب وتعريف السلطات تحت ضمانات دولية. 8 ـ اعادة السفارة الامريكية. 9 ـ انجاح المفاوضات فيما يتعلق بالتحقق من مسألة الارهاب. التوصيات السابقة توصل اليها فريق عمل مكون من 27 شخصية امريكية وسودانية ورأس الفريق مستر استيفن موريس رئيس ادارة افريقيا فى مركز الدراسات الاستراتيجية الامريكية. المتتبع لسياسة الخطوة خطوة التى اتبعها دانفورث يجد ان الادارة الامريكية قد قامت بتنفيذ التوصيات بالتدرج في اطار ثلاث: محلياً اهتمت الحكومة السودانية بالبند الذى جاء فى مؤخرة التوصيات العلاقات الثنائية (اعادة السفارة الامريكية) وربطت بينها وبين التقدم فى عملية السلام فى السودان فى الطرف الاخر اكد السيناتور دانفورث فى اكثر من مناسبة رفضه للربط بين قضية الارهاب وما تم من تعاون فى المجال الثنائى حول، السودان حتى هذه اللحظه ما زال مصنفا فى قائمة الدول الراعية والداعمة للارهاب، ربما تماشيا مع اسلوب العصا والجزرة امتنعت الولايات المتحدة عن استخدام حق النقد (الفيتو )للاعتراض على رفع العقوبات الدولية التى فرضها مجلس الامن على السودان، عدم الاعتراض على رفع العقوبات من جانب امريكا جاء فى الوقت الذى ابقت امريكا على العقوبات الثنائية التى فرضتها على السودان مما يؤكد ما قالته مستشارة الامن القومى الامريكى (ان ما قدمه السودان لايكفي) بمعنى انهم يريدون المزيد من التنازلات. كما اكد دانفورث ان للسلام قيمة خاصة لذلك عندما تقدم بنقاطه الاربع اختار لها منطقة لم يرد ذكرها فى التوصيات ولكنها تشكل نقطة تحرك مناسبة لمناطق اخرى ان تم تطبيق كل نقاط المشروع الامريكى حسب ما هو مرسوم له. لانفاذ هذا المشروع اختارت الادارة الامريكية شخصية لها مواصفات خاصة (السيناتور دانفورث). لمعرفة ابعاد هذه الشخصية التى سيكون لها دور فى التحولات السياسية فى السودان يمكن الرجوع لما كتبه الدكتور عبدالله علي ابراهيم وهو مفكر سودانى واسع الاطلاع وملم بخفايا السياسات الامريكية، كتب الدكتور عبد الله الاتى: دانفورث ينتمى الى ولاية ميسورى وهى في منطقة اطلق عليها حزام الانجيل نسبة لنفوذ الكنيسة فيها. لقد استعان الحزب الجمهورى بثلاثة من اعضاء مجلس الشيوخ في مهام قريبة مما كلف دانفورث (مهام تتعلق بالحكم والانصاف والعدل ورد المظالم)، ولدانفورث تجربة طويلة فى مجال العمل القانونى انتهت بمجلس الشيوخ، والشيخ فى العرف الامريكى قاض يحكم على كل الدعاوى والمظالم وله حق الفصل النهائى فى المسائل. وفى العادة يرأس جلسات المحاكم السياسية فى مجلس الشيوخ رئيس قضاه المحكمة العليا كما حدث فى مسألة كلينتون فى قضيته مع مونيكا لوينسكى. لذلك نجد ان اهتمام اعضاء مجلس الشيوخ باستمرارة والاستماع، وامتلكوا قدرة فائقة في الانصات الى الخطط والافكار المطروحة عليهم ومعرفة ثقوبها ومكامن ضعفها عن طريق اسئلة محددة تسندهم فيها هيئات ومؤسسات خاصة، لذلك من الواجب العناية والمعرفة الدقيقة بأن دانفورث سيناتور وليس موظفا فى وزارة الخارجية او كاتباً او سياسياً او اى شيء اخر هذا يعنى تدريبا وخبرة فى الاستماع والنظر والتقاضى، ربما ولنفس السبب جاء فى تصريح للعقيد جون قرنق بعد قبوله نقاط دانفورث الاربع (يجب ان تقوم امريكا بدور التحكيم وليس الوسيط). المهم هنا النجاح غير المتوقع الذى وجده المشروع الامريكى فى جبال النوبة نجاح تراجعت معه كل المشاريع الاخرى السودانية والاقليمية. الان فتحت قنوات للاتصال المباشر بين الوفود الامريكية وقبائل سودانية (البجة والرزيقات وغيرهما) سؤال اين الحكومة المركزية؟ بعد ان تغيرت لغة الخطاب والشعار فى الماضى كانت تخرج المظاهرات رافعه شعار (امريكا قد دنا عذابها)، اليوم سمحت الحكومة لمظاهرات مؤيده لامريكا فى كادوقلى وغيرها من مدن جبال النوبة. التحفظات كثيرة ودون الدخول فى تفاصيلها هناك تخوف اساسى من ان تأتي كل خطوة فى المشروع الامريكى بمعزل عن الخطوات السابقة واللاحقة لها بمعنى ان تتم تسويات متعدده وغير مربوطة مع بعضها وفي هذا الاسلوب خطر على وحدة البلاد وتماسكها. وقف اطلاق النار واحلال السلام امر مرغوب فيه ويجد المساندة من كل افراد الشعب السودانى شريطة ان يتم بشفافية تامة وبمشاركة واسعة في اطار حل شامل يفضى فى النهاية الى سلام عادل وتحول ديمقراطى وتنمية مستدامة. حل بهذا المستوى والشمول لا يمكن ان يترك لاطراف خارجية تفرضه على السودانيين. نقطة اخرى مهمة هي ان المشروع قد اختزل القضية وهى قضية معقدة وخطيرة في طرفي الحكومة السودانية والحركة الشعبية وافردت الاطراف الخارجية مساحة كبيرة للتعامل المباشر مع المواطنين عبر المنظمات الطوعية لمدهم بالاغاثة والحماية بصورة فيها مساس بسيادة الدولة وهيبتها اما القوى الاساسية «الاحزاب السياسية والمجتمع المدني» فهي مغيبة ومعزوله عن كل ماتم من خطوات. اقليمياً اختزل الجهد الاقليمى (المبادرة المصرية الليبية والايجاد) في دولتين بعد ابعاد ليبيا هما كينيا ممثلة للايجاد ومصر ممثلة للمبادرة المشتركة. وفى مجال التحرك الدبلوماسى لم يختصر الدور الامريكى فى الدولتين بل توسعت دائرة تحركه فى الدول المجاورة للسودان، في نيروبي اعلنت السفارة الامريكية ان قوات امريكية ستشارك فى تدريبات عسكرية مشتركة مع كينيا فى المنطقة الساحلية وفى تنزانيا اعلن عن مناورات عسكرية بمشاركة 16 دولة افريقية تتألف هذه القوات من جيوش تمثل (هيئة افريقيا الجنوبية) انجولا بتسوانا الكنغو الديمقراطية و موزامبيق ومالاوي ومورشيوس وناميبيا وتنزانيا وليوستو وجزر السيشل وسوازيلاند وجنوب افريقيا وزامبيا وزمبابوى اضافة الى كينيا واوغندا وتعتبر هذه القوات نواه للاقتراح الذى تبنته فرنسا لتشكيل قوى لحفظ السلام فى القارة الى جانب قوى اخرى اختارتها الولايات المتحدة الامريكية دربتها وساعدت فى تسليحها لتكون نواه لقوات تدخل سريع فى المنطقة دولياً جاء فى الاخبار بعد اتفاق وقف اطلاق النار فى سويسرا ان بريطانيا سوف تعين لها مبعوثا خاصا فى السودان وحديث عن محادثات سرية بين مسؤلين حكوميين والحركة الشعبية برعاية امريكية أوروبية، المحادثات تهدف الى الاتفاق على دستور وفاقى في السودان. مساعى الاتحاد الأوروبي للوصول لحل سياسى تفاوضى كشفت عنه مجلة دير اشبيجل الالمانية نقل عن المجلة ان لجنة قد تم تكوينها برئاسة مارتن اتسارى الرئيس الفنلندى السابق لاعداد مسودة دستور جديد يطرح على الحكومة والحركة الشعبية ابرز ملامحه قيام ولايات تتمتع باستقلالية كبيرة ولها حق تحديد سياساتها الاقتصادية مع حق هذه الولايات فى اختيار نظام التشريع الذى يناسبها