بيان الاربعاء: رغم ان من يمكن تسميتهم جدلاً بـ «أصدقاء سوريا» في الإدارة الأمريكية معدودون ومحصورون في مواقع ثانوية، فان البيت الابيض لم يستجب لتوصية صقور وزارة الدفاع بادراج سوريا في خانة دول «محور الشر». ولا يعود ذلك إلى ان اتجاه المعتدلين قد تغلب على اتجاه الصقور المتشددين في الموقف من سوريا بقدر ما يعود إلى اعتبارات وأولويات الاستراتيجية الأمريكية في المرحلة الثانية من الحرب ضد الإرهاب، والتي تتركز كافة مؤشراتها الراهنة على تحديد العراق هدفاً قادماً لها، واعادة تنظيم الشرق الأوسط في طابق واحد ـ تحتكر فيه إسرائيل أسلحة الدمار الشامل ـ وليس في طابقين. ويبدو انه قد تم في ضوء هذه الاعتبارات وضع تصنيف مرحلي جديد للدول الراعية للارهاب، يقوم على ما يمكن تسميته بالتمييز ما بين الدول «الاخطر» التي تقود محور الشر في العالم وما بين الدول التي تمثل اطرافه. وتندرج سوريا التي وضعتها واشنطن منذ عام 1979 على قائمة الدول الراعية للإرهاب، وفق هذا التصنيف الجديد في خانة الدول الطرفية الثانية التي ليس لها موقع قيادي في «محور الشر». وهو ما اوضحه وزير الخارجية الأمريكية كولن باول، في جوابه عن سؤال النائب الديمقراطي ستيفن روثمان، حول أسباب عدم ادراج الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن، لسوريا ضمن دول «محور الشر» في العالم، مع انها تدعم الإرهاب وتصنع أسلحة الدمار الشامل على حدّ زعمه، اذ وضع وزير الخارجية الأمريكية سوريا في خانة ما يمكن تسميته بـ «منزلة بين المنزلتين»، ووفق هذه المنزلة لا يزال لواشنطن وفق باول خلافات عميقة مع دمشق، تحاول معالجتها معها من خلال الحوار. غير ان التاريخ المعقد للعلاقات السورية ـ الأمريكية، والذي لم يخل من صدامات ومواجهات قاسية في مرحلة الحرب الباردة، يشير إلى ان واشنطن اخذت تتعامل بعد حرب الخليج الثانية فعلياً مع سوريا كنوع من دولة معتدلة وليس كدولة راعية لـ «الإرهاب»، ومن هنا ابقت واشنطن على سياسة الباب المفتوح مع دمشق، ودأبت تقارير وزارة خارجيتها منذ عام 1986 على التنويه بأنه لا يوجد دليل على تورط مسئولين سوريين في عمليات إرهابية، ولا أدل على ذلك من ان سوريا كانت هي الدولة الوحيدة بين الدول السبع المصنفة كـ «راعية للإرهاب» التي التقى الرئيس جورج بوش الاب رئيسها الراحل حافظ الاسد في عام 1990، كما استقبلت دمشق في عام 1994 الرئيس الأمريكي بيل كلينتون، والتقى بعدها كلينتون والاسد مرتين في جنيف، ولم تعترض واشنطن على انتخاب سوريا عضواً غير دائم في مجلس الأمن، وصولاً إلى هجمة الزيارات الأمريكية الأخيرة. الضاغطة على سوريا ولقد اغرى «الدفء الحذر» في العلاقات السورية ـ الأمريكية بعد حرب الخليج الثانية السفارة الأمريكية بدمشق بالخروج من عزلتها، الا ان اخذ السفير الامريكي راحته بالفعل راحته اكثر من اللزوم، ومحاولته التدخل فيما يصنف سوريا بـ «الشأن الداخلي»، دفع الرئيس السوري بشار الاسد إلى تأخير قبول اعتماد السفير الأمريكي الحالي في دمشق تيودور قطوف حوالي شهرين، ولم يتم قبول اعتماده الا بعد ان افهمته الخارجية السورية ضرورة مراعاة الاعراف الدبلوماسية في عمله واتصالاته. وربما لم يواجه سفير أمريكي مثل هذا الوضع في أي عاصمة عربية بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر بل وقبلها الا في دمشق، مع ان الطرفين توافقا على ما يبدو ان يبقى هذا التأخر والتنبيه بمنأى عن عيون الإعلام الذي يشكل مثل ذلك مادة حدثية مثيرة له. ان متطلبات الاستراتيجية الامريكية بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر لم تعد تعطي الا مكانة صغيرة لحرية الاختلاف معها، على قاعدة ليس المهم ما يقوله الآخرون بل ما تفعله واشنطن، ومن هنا لم يخرج الحوار ما بين الجانبين الامريكي والسوري عن ضرورة تمييز المقاومة عن الإرهاب عما يمكن تسميته بـ «حوار الطرشان». وفي دمشق يستطيع الامريكان يناقشوا ويطرحوا ملاحظاتهم حول شتى الأمور التي تهم سياستهم ومصالحهم في المنطقة، ويمكن ان يجدوا تعاوناً مضبوطاً معهم في المسائل الامنية، غير انهم لا يستطيعون كما بينت التجربة ومازالت تبين ان يقوموا باملاءات عليها تمس مصالحها الاقليمية. ومن فرض هذه الوضعية هو دمشق بطبيعة الحال وليس واشنطن. بل بادرت دمشق في تأكيد لموقعها كدولة دور وقرار وليس كدولة وظيفة، بعد خطاب محور الشر، إلى تعزيز علاقاتها مع دولتين من مثلثه، هما ايران والعراق، فتمّ تأكيد التحالف الاستراتيجي مع طهران، كما تم دفع التعاون الاقتصادي السوري ـ العراقي إلى آفاق التكامل الاستراتيجي، والذي تعرف واشنطن جيداً انه يكسر برنامج النفط مقابل الغذاء ويتخطاه من دون طنين، غير ان صقور الإدارة المتركزين في البنتاجون ومكتب نائب الرئيس وبعض مفاصل الخارجية، لا يتقبلون ذلك إلا على مضض، أو على طريقة من يمهل ولا يهمل، وفي ذلك يطرح هؤلاء على ما يبدو ضرورة الاستعجال بمراجعة الموقف الأمريكي من دمشق، وحصرها في منزلة واحدة بدل المنزلتين، بعد انتهاء جولة نائب الرئيس تشيني في المنطقة، وهو ما يعني ان هذه المراجعة قد تكون دخلت فصلها الاخير طرداً مع احتمال تركز الهدف الثاني من الحرب على العراق.