بيان الاربعاء: كل الدلائل تشير لقرب انفصال جنوب السودان وقيام دويلة فيه، على أحسن الفروض دويلة كونفيدرالية لها مقومات الاستقلال التام في بضع سنين، ولا يربطها بالشمال الا سمات ورموز قومية بسيطة، كالعملة، حتى يستقر الأمر فيها بأسرع فرصة ممكنة، كما حدث بالنسبة لاريتريا التي انفصلت عن اثيوبيا عام 1992، وفي اقل من عام كان لها عملتها الخاصة وكل مقومات الدولة المستقلة ذات السيادة. ويبدو ان ذلك هو السر وراء انضمام د. رياك مشار للحركة الشعبية بعد ان ظل متردداً طوال العامين المنصرمين وهو مقيم في نيروبي التي لا ينفك يزورها جون قرنق ما بين عملياته في جنوب السودان. وبهذه الطريقة تضمن حكومة الخرطوم مباركة الغرب لها، فتنفرد بالشمال العربي المسلم وتواصل مسيرتها الانقاذية وتمسكها بالثوابت « أي بالحكم بالشريعة على غرار طالبان»، وتستطيع بعد ذلك ان تفعل ما تشاء بمعارضيها الشماليين، فالغرب، وخاصة امريكا، لا تمانع في التعامل مع أنظمة الحكم الدكتاتورية طالما هي مستأنسة ومتعاونة وتسمع الكلام عندما يدلهم الخطب.. مثل ضرورة انفصال جنوب السودان.. وعلى كل حال فان الغرب، وخاصة الولايات المتحدة، سيتماهى مع جنوب السودان بحكم الدين المشترك، المسيحية، وبحكم الاهتمام التاريخي بذلك الجزء من السودان المتاخم ليوغندا وكينيا، المسيحيتين أيضاً، والذي يمكن اختراقه بأنابيب النفط بسهولة اكثر من الشمال لتتدفق تلك السلعة الاستراتيجية في ميناء ممبسا وغيرها على سواحل شرق افريقيا القريبة من جنوب السودان، وبهذا تدخل الولايات المتحدة في مجال الاستثمارات النفطية بجنوب السودان من اوسع ابوابها، وذلك مربط الفرص وجوهر المصالح. بيد ان الاهتمام الغربي، والأوروبي خاصة، بجنوب السودان، له جذور ضاربة في تاريخ السودان، وكانت السياسة الاستعمارية البريطانية طوال النصف الأول من القرن العشرين تركز على الفصل بين جنوب السودان وشماله وزراعة الحواجز والاشواك والاحقاد بينهما حتى تتبلور قومية في الجنوب اقرب من حيث الثقافة والدين والاثنيات والجغرافيا لدول شرق افريقيا، يوغندا وكينيا، ومنذ بواكير الحكم الثنائي «1899 ـ 1956» ابعدت الإدارة البريطانية جنوب السودان عن مجالات التأثر بالثقافة العربية الإسلامية، فكانت اللغة الرسمية الوحيدة بالجنوب هي الانجليزية ولم تكن هنالك مدارس طوال الاربعين سنة الأولى من الحكم البريطاني، وعندما نشأت بضع مدارس فهي باشراف الارساليات الكنسية وناطقة بالانجليزية، ولقد ابعد الشماليون من الجنوب كلية، ولم يدخلوا حتى في مجال التجارة الا بأذون خاصة في اخريات ايام الانجليز، وفي عام 1922 اصدر الحاكم العام «قانون المناطق المقفولة» الذي جعل من الجنوب ارضاً محرمة على الشماليين لا يدخلونها الا بجواز سفر. ولقد ساعد الانجليز في احلامهم ومخططاتهم الخاصة بالجنوب ان كل قبائل محافظة الاستوائية المتاخمة ليوغندا وكينيا هي قبائل حدودية، نصفها داخل الجنوب ونصفها باوغندا وكينيا الزاندي واللاتوكا والباريا والمورو والمادي والكاكوا والتبوسا.. الخ. التنكر للوعود كعب اخيل بالنسبة للتخطيط البريطاني هو ان اكبر قبائل جنوبية هي القبائل النيلية الثلاث ـ الدينكا «قبيلة جون قرنق» والنوير «قبيلة رياك مشار» والشلك «قبيلة لام اكول» وهي قبائل دعوية مقيمة في محافظتي اعالي النيل وبحر الغزال «وتلك هي المسميات ايام الحكم الاستعماري للمحافظات الثلاث التي يتألف منها الجنوب ـ الاستوائية وأعالي النيل وبحر الغزال» والقبائل النيلية كانت إلى وقت قريب، حتى حكم الجنرال نميري، تعتبر صديقة للشمال بحكم الجوار والمصالح المشتركة والتاريخ الذي جمع بينهم. وشاركت هذه القبائل الثلاث عبر سلاطينها ومناديبها في مؤتمر جوبا 1947 الذي نظمه السكرتير الاداري السير جيمس روبرتسون لاستكناه رغبات الجنوبيين فيما يختص بمستقبل السودان السياسي ولاستقطابهم نحو الخط الذي كان يبشر به الاداريون الانجليز المقيمون بالجنوب وهو الارتباط بشرق افريقيا وليس شمال السودان، واذا بمؤتمر جوبا ينتصر للخط الوطني القومي السوداني ويطالب بوحدة المصير ويرفض أي ترتيبات خاصة بالجنوب تباعد بينه وبين الشمال، وشارك الجنوبيون في انتخابات 1953/1954 التي شملت البلاد كلها وجاءت بالبرلمان الذي تولدت منه اول حكومة وطنية برئاسة اسماعيل الأزهري وعضوية بعض الساسة الجنوبيين مثل بولين ألير، وعندما تواطأ ذلك البرلمان في أغسطس 1955 على اعلان الاستقلال من داخله ـ خلافاً لتوقعات دولتي الحكم الثنائي ـ لم يشذ عنه الجنوبيون وكانوا بلا استثناء خلف ذلك القرار التاريخي. أما توقعات دولتي الحكم الثنائي ـ بريطانيا ومصر ـ فربما كانت بريطانيا تحكم بأن ينضم السودان على الاقل لمنظومة دول الكومونولث، وبالتأكيد سعت الإدارة البريطانية. ولكن المثقفين والساسة والقادة الجنوبيين الذين وافقوا على وحدة المصير مع شمال السودان والذين وافقوا على اعلان الاستقلال من داخل البرلمان.. لم يفعلوا ذلك اعتباطاً أو انبهاراً أو خضوعاً أو جهلاً بالمصالح الخاصة لأهل الجنوب، كانوا مدركين للخصائص التي تميز الجنوب عن الشمال من الناحية الدينية والثقافية والاجتماعية، وللفوارق الشاسعة بين الاقليمين من حيث التقدم الاقتصادي والبنية المؤسسية، وللحواجز النفسية التي شجعها الانجليز وتعهدتها الكنيسة وتبنتها الدعاية الغربية فانعكست في كتابات الأوروبيين ومواقفهم تجاه جنوب السودان، تلك الدعاية المبنية على العزف المتكرر على تجارة الرقيق ودور اعراب الشمال فيه وغير ذلك من أنواع الاستقلال والاضطهاد التي استثمرت فقر الجنوبيين وجهلهم وبحثهم عن لقمة العيش الحلال في ربوع السودان المختلفة. ولكن اولئك الساسة العمالقة، امثال سرسيو ايرو عضو مجلس رأس الدولة الذي خلف الحاكم العام البريطاني وبوث ديو عضو أول برلمان وغيرهم، وضعوا الجواد في مكانه خلف العربة وقدموا التناقض الجوهري على الثانوي «انا واخي على ابن عمي وانا وابن عمي على الغريب»، وارادوا للحركة الوطنية السودانية شمالها وجنوبها ان تتحد في وجه دولتي الحكم الثنائي العاتيتين، ثم بعد ذلك يأتون لمسألة الوضع الخاص بالجنوب. وفي الحقيقة، وفي اثناء المناورات والاتصالات المكوكية في أروقة الأحزاب قبيل اعلان الاستقلال، وعدت الاحزاب الشمالية الرئيسية ـ الوطني الاتحادي والأمة ـ وعدت الجنوبيين بمنح الجنوب حكماً ذاتياً اقليمياً في اطار الفيدرالية «فدريشن» يضمن لذلك الجزء المتميز خصوصيته ويمهد لسد الفجوة التنموية والاقتصادية بين شطري البلاد حتى اذا جاءت الوحدة الطوعية بينهما ذات يوم تكون وحدة بين اشقاء سواسية لا يملك احدهما حق الابوية أو التسلط على الآخر. تلك هي الشروط التي وافق بموجبها ممثلو الجنوب على اعلان الاستقلال من داخل البرلمان، ولكن ما ان تم ذلك وانفض السامر بعد احتفالات الاستقلال وحملت القوى الاستعمارية عصاها على كتفها وغادرت الديار.. حتى تنكر الشماليون لوعدهم وجعلوا الفدريشن صنواً للكفر والخيانة الوطنية وصاروا يسمون المطالبين به بالمتمردين. أهل الذمة المحرومين تلك هي البذرة التي تفجرت منها الحرب الاهلية بالجنوب في عام 1955 ثم عاودت الكرة من 1958 حتى 1972 عندما ابرم الجنرال نميري اتفاقية اديس ابابا مع قائد الانيانيا «جيش التحرير الجنوبي» اللواء جوزيف لاقو، ثم عاودت الكرة مرة اخرى بعد انهيار تلك الاتفاقية عام 1983 عندما أعلن النميري نفسه اماما للمسلمين واعلن السودان دولة اسلامية دستورها الشرع ليس الا، فتحول الجنوبيون اتوماتيكياً إلى أهل ذمة يدفعون الجزية وهم صاغرون وليس لهم حق في اعتلاء المناصب الدستورية الرفيعة بهذه الدولة الاسلامية كرئاسة الجمهورية أو قيادة الجيش أو رئاسة القضاء. وفي هذه المرة اندلعت الحرب بعد ان جاء لقيادة المليشيا الجنوبية الدكتور جون قرنق والذي نظمها في شكل: الحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان. لقد أتى دكتور جون قرنق بطرح يختلف عن سابقيه المتطرفين الساعين لفصل جنوب السودان مرة واحدة، وذلك ربما لأنه ينحدر من قبيلة الدينكا ذات التاريخ المشترك مع الشمال أو ربما لثقافته الواسعة وتأثره بالقادة الافارقة الوطنيين الذين لم يغرقوا في لجة الاثنية الضيقة والشوفينية واقصاء الآخر. الطرح الجديد الذي أتى به جون قرنق هو ان الوحدة بين الجنوب والشمال ممكنة ومستحبة بل وضرورية من اجل التكامل الاقتصادي والاستقرار الذي يؤدي لبناء دولة قوية ذات آفاق مستقبلية وليس دويلة اثنية تعصف بها الاهواء والحروب القبلية، شريطة ان تبنى هذه الدولة على اساس الكرامة وحقوق الانسان والمساواة، وشريطة ان تؤسس الدولة على دستور يحفظ للجميع حقوقهم ولا يميز مجموعة دون اخرى بحكم انتمائها الديني أو الثقافي أو العرقي. ولقد سار جون قرنق خطوات عديدة نحو تقريب وجهة نظره للشماليين، وبالفعل تواترت الاتفاقيات الثنائية والجماعية بينه وبين الفعاليات الشمالية بهذا الاتجاه، مكتسباً أراضي جديدة كل يوم وسط الحركة الوطنية السوادنية: ـ اتفاقية اديس ابابا للسلام في 16 نوفمبر 1988 بين الحزب الاتحادي الديمقراطي والحركة الشعبية. ـ اتفاقية شقدم بجنوب السودان عام 1994 بين حزب الأمة والحركة الشعبية. ـ مؤتمر اسمرا للقضايا المصيرية وما تمخض عنه من ميثاق وقعت عليه كل الأحزاب والنقابات الشمالية والجنوبية باستثناء الجبهة الإسلامية. ـ وثيقة التفاهم الموقعة في جنيف مطلع العام المنصرم بين المؤتمر الشعبي «حزب الترابي» والحركة الشعبية. لا أبوية في النضال ولكن جون قرنق هذا الذي يراهن على وحدة السودان ويتحدث عن «السودان الجديد»، اي السودان الديمقراطي التعددي الذي حددت ملامحه اتفاقيات الحركة مع الأحزاب الشمالية، خاصة مقررات اسمرا، يضحي من اجل ذلك بشعبه الجنوبي الذي تمرغ في اوحال واهوال الحرب الدائرة منذ عام 1955، وذهب نصفه لاجئاً في دول الجوار منذ عشرات السنين، وظل نصف الباقين عرضة لهجمات جيش نظام الخرطوم بالبر والجو والنيل منذ عام 1989، وتشتت نصفهم في اصقاع الشمال المختلفة.. عمالة ماكثة في اسفل السلم الاجتماعي دائماً وابداً، محرومة من التعليم والتدريب وابسط الخدمات التي تقدمها الدول لرعاياها، ولقد اصطحب جون قرنق بضع آلاف من اهله ظلوا يحملون السلاح منذ عام 1983 ويجوبون الغابات منذئذ ـ من الحدود السودانية الاريترية، إلى كافة اصقاع الاستوائية، حتى منطقة راجا بأقصى الجنوب الغربي والتي شهدت عمليات مكثفة قرب نهاية العام المنصرم ـ وهو ما انفك يحملهم على الصبر وتحمل الشماليين المنضوين معهم تحت لواء التجمع الوطني الديمقراطي، وما فتئوا يتحملون مسئولياتهم النضالية، يفترشون الثرى في الاحراش ويلتحفون السماء، بينما تناقصت جيوش رفاقهم المعارضين الشماليين ورفع الراية البيضاء اكبر فصيل منهم، جيش الامة التابع لحزب الأمة، وافرغت معسكرات الآخرين من سكانها الذين انتهى بهم الطواف في كندا واستراليا وبريطانيا ودول الخليج وشوارع القاهرة، يلتمسون الدعة والعيش الرغد، ولم يحدث في يوم من الأيام ان ترك احد الجنوبيين المقاتلين بندقيته وجاء ليبحث عن العملة الصعبة، ولو ارادوا فان أبواب الدول المسيحية كلها مشرعة في وجوههم. لابد ان الوقت قد ازف ليقول هؤلاء الجنوبيون المكافحون رأيهم في رفاق السلاح من الشماليين: هل النضال فيه أيضاً استغلال وابوية؟ وهل هو فرض كفاية اذا قام به البعض سقط عن الباقين؟ انها لقسمة ضيزى، وانها لفرصة نادرة ضاعت على القوى السياسية الشمالية، كان من المؤمل ان يوحّدها السلاح والنضال مع القوى الجنوبية حتى اذا ادركتها الانتفاضة وآن «للطوفان الاكبر» ان يضع حداً للحالة الراهنة، تتقدم سوياً نحو زمام الأمور بالخرطوم وتنفذ مقررات اسمرا حرفاً حرفاً ولبنة لبنة، فتنهار سدود الحساسيات وركامات الماضي، كما فعلت أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، ويتولد عالم جديد وواقع جديد وسودان جديد. ولكن شيئاً من ذلك لم يحدث، ولقد تخلت القوى الشمالية رويداً رويداً عن الارضية التي تجمعها بالحركة الشعبية. فمنها من قلب ظهر المجن للتجمع وتراشق بالالفاظ النابية مع الحركة ووليّ وجهه شطر الخرطوم، ولما لم تقبل قواعدهم الانخراط المذل في النظام انقلبوا على بعضهم يتلاومون. ازاء هذه الاوضاع تتزايد الضغوط على جون قرنق وحركته الشعبية.. اهلهم الجنوبيون لن ينتظروا الشماليين إلي الابد، واصدقاؤهم في الشرق والغرب ملّوا هذا المسلسل الابدي ذي الحلقات المتكررة والممجوجة. والنظام القابع في الخرطوم ينتظر الثمار التي اخذت تتساقط عليه دون ان يبذل مجهوداً يذكر، مجرد حركة هنا وهناك ونقلة دبلوماسية هنا وهناك وماكينة اعلامية صقيلة وطنانة.. وفيما يختص بجنوب السودان فهم منذ البداية متأثرون بمحمد علي جناح والمودودي والجماعة الاسلامية الباكستانية: لا بديل للانفصال التام كما فعل الهنود المسلمون عام 1947 عندما انفصلوا عن الهند التي استقلت في تلك السنة، واقاموا دولتهم المتجانسة في باكستان الغربية والشرقية، وظلوا يعزفون هذا النغم منذ مجيئهم للسلطة في الخرطوم عام 1989 ويحاولون ان يوعزوا للحركة الشعبية بأنهم مستعدون لأي حل يرضيها حتى لو كان انفصال الجنوب.. وظلت الحركة هي المدافع عن وحدة السودان وظلت هي التي تجهض المفاوضات مع حكومة الخرطوم طوال العشر سنوات الماضية، وحقيقة لو تجاوبت الحركة مع نظام الخرطوم وسارت بالمفاوضات لنهايتها المنطقية فهي الكونفيدرالية، في غياب ما تبقى من الحركة الوطنية الشمالية، ومعناها ان السلطة ستنقسم بين اللاعبين الاساسيين: النظام والحركة، احدهما في الخرطوم والثاني في جوبا، وأي استفتاء يجيء بعد ذلك وتحت ظل النظام الحاكم في الخرطوم لن يتمخض الا عن انفصال الجنوب، وذلك حلم ظل يراود القوى الاستعمارية منذ مئات السنين، اذا به يتحقق على يد الإسلامويين السودانيين، وباقي الفصائل غارقة في لجاجها ومن يقود من وهل يتقدم التناقض الثانوي على الأساسي؟ والوسطاء في حيرة وربكة!