بيان الاربعاء: وقعت اسرائيل وشركة بوينج الأمريكية ـ بعد مفاوضات طويلة ـ مذكرة تفاهم لانتاج صواريخ «آرو» التي طورتها اسرائيل بمساعدة أمريكية مالية وتكنولوجية مفتوحة. وتشبه هذه الصواريخ من حيث مهمتها صواريخ باتريوت الأمريكية، آي انها مخصصة لاسقاط الصواريخ الموجهة بعيدة المدى. ويعني امتلاك اسرائيل لهذا النمط من الصواريخ عبر عقدها الموقع مع بوينج أن سباقاً استراتيجياً جديداً قد فتح في الشرق الأوسط وهو سباق تبرز على دربه ثلاث نقاط أساسية: ـ النقطة الأولى هي ان واشنطن تنكرت ـ للمرة الأولى ربما على الأقل من الزاوية العلنية ـ لمبدأ استراتيجي مهم، قالت مراراً انه يؤطر موقفها ازاء الشرق الأوسط، ذلك هو مبدأ معارضة انتشار تكنولوجيا الصواريخ بعيدة المدى في المنطقة. فعند بحث سجلات المعونات العسكرية التي قدمتها واشنطن لاسرائيل سنلاحظ خلوها من عناصر ما يسمى بالأسلحة غير التقليدية. فقد حرص الأمريكيون على البقاء بعيداً عن ترسانة اسرائيل النووية، أو عن جهودها لتطوير أسلحة جرثومية وكيماوية، أو عن امدادها بالصواريخ الموجهة بعيدة المدى، ولا يعني ذلك ان واشنطن لم تكن تعلم بما تفعله اسرائيل في تلك المجالات، أو انها لم تزود اسرائيل ـ بصورة أو أخرى ـ ببعض مكوناتها. إلا ان واشنطن ظلت دائما ـ من الوجهة الرسمية والعلنية والقانونية ـ تتبنى موقفاً داعياً الى مقاومة انتشار أسلحة الدمار الشامل. ولكن هذه هي المرة الأولى التي تجاوزت فيها الولايات المتحدة هذا الخط بصورة كاملة، وذلك عن طريق موافقتها على تصنيع صواريخ «آرو» بالنيابة عن اسرائيل، بما يعنيه ذلك أيضاً من حل «بعض المشكلات» التكنولوجية التي تؤثر على دقة توجيه الصاروخ، بعبارة أخرى هذه هي المرة الأولى التي تعلن فيها واشنطن ـ على المكشوف ـ انها ستمد دولة من دول الشرق الأوسط بتكنولوجيا صاروخية بالغة التطور في تناقض مع المبدأ الذي تعتبره ركيزة لاستراتيجيتها في تلك المنطقة. أما القول بأن صاروخ «آرو» صاروخ دفاعي فإنه قول صحيح عند النظر اليه من زاوية ضيقة. أما التعامل مع تعريف «آرو» من زاوية أوسع فإنه يفضي إلى النظر لآرو ـ عن حق ـ باعتباره تكنولوجيا صاروخية بعيدة المدى، أي انه سلاح دفاعي يرتكز على مكونات تكنولوجية يمكن استخدامها بسهولة لأغراض هجومية وذلك عن طريق توظيفها في مجالات ـ صاروخية أيضاَ ـ أخرى. وأما القول بأن واشنطن تسهم في أبحاث «آرو» منذ الثمانينيات فإنه لا يخفف من حدة التناقض الذي يسم سياسة واشنطن في هذا المضمار. فبينما تضع الولايات المتحدة استراتيجيتها في المنطقة ارتكازاً على منع انتشار تكنولوجيا الأسلحة غير التقليدية، فإنها تصعد سلم امداد اسرائيل بهذه التكنولوجيا. ذلك ان القبول بتصنيع الصاروخ ـ في الولايات المتحدة ـ لحساب اسرائيل يعد «صعوداً» أو بالأحرى تحولاً كيفياً ـ في انفصام الشخصية الذي تعاني منه الاستراتيجية الأمريكية تجاه المنطقة. استراتيجية محورية ـ النقطة الثانية هي انه من غير المفهوم الآن لماذا بالضبط تنتقد واشنطن سياسات بعض دول المنطقة التي تتهم من قبل الولايات المتحدة بأنها تسعى الى امتلاك أسلحة الدمار الشامل. لقد شن الكونجرس الأمريكي حملة عنيفة ضد مصر بدعوى سعيها سراً لشراء صواريخ «نورونج» الكورية الشمالية، بل ان بعض أعضاء الكونجرس هددوا بطرح مشروع قانون يقضي بقطع المعونة العسكرية عن مصر استناداً الى تقارير أعدتها المخابرات الاسرائيلية تشير الى تورط القاهرة المزعوم في تهريب مكونات «نورونج» من بيونج يانج الى اليابان ومنها إلى مصر. وكانت عجلة الهجوم مرت أيضاً بطهران التي اتهمت بتطوير ترسانتها الصاروخية، وبسوريا المتهمة دائماً بتوسعة مخزونها من صواريخ سكود الكورية وإس إس الروسية. ثم العراق بطبيعة الحال الذي قيل في تبرير حصاره طيلة 12 عاماً انه يواصل أبحاثه لتطوير صواريخ موجهة وأسلحة كيماوية وبيولوجية وان ذلك كله ـ أي جهود مصر وإيران وسوريا والعراق ـ يهدد أمن اسرائيل، بل ويهدد بقاءها أصلاً. ولكن لقد أصبح لدى اسرائيل الآن ـ وذلك فور بدء انتاج آرو ـ صاروخاً مضاداً للصواريخ التي يمكن أن تحمل رؤوساً تقليدية أو كيماوية أو بيولوجية أو نووية. أي سيكون لدى اسرائيل القدرة على اسقاط أي من هذه الصواريخ المعادية وهو في طريقه اليها. لماذا إذن تواصل واشنطن جعل هذه القضية قضية محورية في استراتيجيتها ازاء الشرق الأوسط إذا كان امتلاك اسرائيل لصاروخ «آرو» يقلص من الوزن الاستراتيجي لامتلاك خصومها لصواريخ سكود أو نورونج؟ معادلة التفوق العسكري ـ النقطة الثالثة تتلخص في ان موافقة واشنطن على انتاج صاروخ «آرو» لحساب اسرائيل يعني باختصار الدفع بالمنطقة الى سباق تسلح ـ على مستوى أعلى ـ لم تشهده من قبل. ان دول المنطقة تسعى الى الحفاظ على أمنها القومي، وليس في ذلك ما يمكن أن يؤخذ عليها، اذ ان هذا بالذات يدخل في تعريف دور الدولة، أي دولة. ويدرك الخبراء العسكريون ان دقة «آرو» لاتزال محدودة، وانه يعد ـ من زاوية فعاليته ـ مرادفاً للصاروخ الأمريكي «باك ـ 3» أي آخر وأحدث نسخة من صواريخ باتريوت، وفي كل الأحوال فإن دقة الاصابة في الحالتين قد لا تتجاوز 50%. أي ان «آرو» قادر على اسقاط نحو نصف الصواريخ الموجهة التي تنطلق صوب اسرائيل. ويعني ذلك ان نصفها الآخر سيواصل طريقه. ولابد أن يقود ذلك الدول العربية إلى زيادة عدد هذا النصف الآخر، أي إلى زيادة عدد مجموع ما تمتلكه من صواريخ موجهة، ليس بسبب رغبتها في قصف اسرائيل أو شن هجوم عليها، ولكن بسبب رغبتها في معادلة التفوق العسكري الهجومي الذي يمتلكه الاسرائيليون ولو بصورة جزئية. ذلك ان مشكلة الدول العربية ليست في افتقارها القدرة على مهاجمة اسرائيل، بل في التفوق العسكري الكاسح لاسرائيل الذي يتحول الى قاعدة للاعتداء على الدول العربية أو لمواصلة احتلال أراضيها كما هو الأمر في احتلال الجولان السورية أو مزارع شبعا اللبنانية أو الضفة الغربية وقطاع غزة الفلسطينيين. بعبارة أخرى لا توجد الآن دولة عربية واحدة تضع ضمن أهدافها الاستراتيجية ـ بصورة عملية ـ شن هجوم ضد اسرائيل، إلا ان هذه الدول تسعى الى حماية أمنها ومنع أي اعتداء اسرائيلي محتمل على أراضيها على نحو ما يحدث بهذا الاعتداء المستمر على سورية الجولان أو لبنانية شبعا أو فلسطينية الضفة والقطاع. إن مبدأ الدفاع عن الأمن القومي يتسع ليشمل التوازن العسكري الاقليمي. ولا تنبع أهمية هذا العنصر من احتمال استخدام اسرائيل لقدراتها العسكرية عملياً ضد الدول العربية فحسب، ولكنها تنبع أيضاً من ان التفوق العسكري الاسرائيلي يمكن أن يستخدم لفرض شروط سياسية على الدول المجاورة وغير المجاورة دون الاحتياج عملياً لاستخدام هذا التفوق في معركة بالمعنى المعروف، ولكن بمجرد التلويح به كالتلويح بهراوة ثقيلة، ثم املاء الشروط بعد ذلك على من يعرفون ان رفض هذه الشروط قد يعرضهم للضرب بهذه الهراوة الثقيلة التي يعرفون مسبقاً بوجودها. ومحاولة الدول العربية الافلات من هذا المأزق هي محاولة مفهومة ومبررة من الوجهة التاريخية والموضوعية. وحيث انه ليس بوسع هذه الدول الآن بناء آلة عسكرية تعادل في قدرتها الآلة العسكرية الاسرائيلية فإن من الطبيعي أن تتجه الى امتلاك الصواريخ الموجهة وإلى تطوير رؤوس كيماوية وبيولوجية ونووية، ان هي تمكنت من ذلك. ومن الطبيعي أن ينتهي هذا المسعى حين يحل سلام مستقر ودائم ومقبول شعبياً في المنطقة ومضمون دولياً من قبل المجتمع الدولي. ولكن هل يسهم تصنيع صاروخ آرو لحساب اسرائيل في الوصول الى مثل هذا السلام، أم انه من شأنه اقناع الاسرائيليين ليس فقط بأنهم يتمتعون بدعم أمريكي لخرق المبدأ ـ الأمريكي أيضاً ـ القائل بمنع انتشار تكنولوجيا الصواريخ اقليمياً، ولكن أيضاً بأن حصولهم على هذا الصاروخ يؤدي الى ابطال مفعول الصواريخ الموجهة العربية، ومن ثم اطلاق يد اسرائيل في مواصلة احتلالها للأراضي السورية واللبنانية والفلسطينية، بل ولمحاولة التلويح بالهراوة العسكرية لفرض شروط سياسية واقتصادية على دول المنطقة؟ ثم ان لإمداد اسرائيل بصواريخ آرو انعكاساً سلبياً اضافياً بالنسبة للأوضاع العامة في الشرق الأوسط. ذلك ان هذا الصاروخ ـ شأنه شأن مبيعات الأسلحة المتطورة الاسرائيلية الى دول أخرى ـ سيسهم في مساعدة اسرائيل على بناء تحالفات دولية لن تستخدم إلا لتعزيز سياستها العدوانية في المنطقة. المثلث الآسيوي لقد رأينا كيف استخدمت اسرائيل هذه المبيعات لبناء علاقات استراتيجية مع الصين والهند وتركيا وذلك ضمن سعيها لبناء قوس من التحالفات الاستراتيجية المساندة لاسرائيل في لحظة تطبق الحكومة الاسرائيلية خلالها سياسة بالغة العدوانية ضد الدول العربية وضد الشعب الفلسطيني بصورة خاصة. إلا ان هذه الأسلحة التي تستخدمها اسرائيل لبناء تحالفاتها الاستراتيجية هي أسلحة أمريكية في المقام الأول. ذلك ان بكين أو نيودلهي أو أنقرة لن تهتم كثيراً بشراء أسلحة تقليدية شائعة مثل الطائرات المقاتلة أو قطع المدفعية، انها تهتم فحسب بالاستحواذ على الأسلحة الالكرونية المتطورة التي يمنح امتلاكها «فارقاً نوعياً» عن بقية أجيال الأسلحة المألوفة الأخرى. ويعتقد الاسرائيليون ان امتلاكهم لصاروخ «آرو» سيصبح بمثابة «الطعم» الذي يجذب أسماكاً كثيرة إلى سنارة التعاون الاستراتيجي مع الدولة اليهودية. إلا ان ذلك سيخضع في نهاية المطاف لحسابات أمريكية. ذلك ان «آرو»، مثل كل الأسلحة الاسرائيلية المتطورة الأخرى ـ يرتكز على مكونات أمريكية أساسية، ومن ثم فإنه ليس بوسع اسرائيل أن تبيع هذه الأسلحة المتطورة إلى طرف ثالث دون الحصول على اذن من الولايات المتحدة حسبما ينص القانون الأمريكي. لقد تابع العالم صفقة طائرات «فالكون» الاسرائيلية للصين في قصة تدل على ان الأمر يظل في نهاية المطاف محصوراً برغبة الولايات المتحدة وقرارها. فقد تعاقدت اسرائيل مع بكين على بيع هذه الطائرات المخصصة للانذار المبكر و،المزودة برادارات أمريكية لا تستخدم في أي بلد آخر سوى الولايات المتحدة واسرائيل. ونظراً لأن واشنطن تعتبر الصين خصماً عسكرياً، خصوصاً مع قلق الولايات المتحدة من نوايا بكين تجاه تايوان واستعدادها لحماية الجزيرة عسكرياً في حالة حدوث هجوم صيني يهدد استقلالها، فإن حالة من الغضب الهائل اجتاحت أوساط البنتاجون عندما وصلت معلومات الصفقة الاسرائيلية ـ الصينية التي لم تكن تل أبيب قد استشارت واشنطن بشأنها أو أبلغتها بحدوثها من الأصل. وأصر الأمريكيون على الغاء الصفقة. وحين قال الاسرائيليون ان الغاءها سيعني ان عليهم دفع تعويضات لبكين مقابل هذا الالغاء رفض الأمريكيون مجرد الاصغاء، وقال الرئيس كلينتون لرئيس الوزراء الاسرائيلي آنذاك آيهود باراك ان واشنطن لن تكتفي بالوعود الاسرائيلية بالغاء الصفقة، وان عليه ـ أي على باراك ـ أن يعلن ذلك في مؤتمر صحفي علني. ووعد باراك بأن يفعل، ولكنه لم يفعل. فانتظر كلينتون حتى وصول رئيس الوزراء الاسرائيلي لحضور مفاوضات كامب ديفيد مع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، ثم طلب منه قبل ساعات من بدء المفاوضات عقد مؤتمر صحفي واعلان الغاء صفقة الفالكون الصينية بعبارات صريحة واضحة. وأوضح كلينتون انه لا انعقاد لمؤتمر كامب ديفيد بدون المؤتمر الصحفي، ويذكر ممن تابعوا وقائع ما حدث ان باراك عقد بالفعل مؤتمراً صحفياً قبيل بدء مؤتمر كامب ديفيد، وانه أعلن خلاله الغاء صفقة الفالكون مع الصين، وهو الأمر الذي دفع بالرئيس الصيني زيمين إلى رفض مصافحة باراك حين التقيا على هامش انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة بعد ذلك بأشهر قليلة. إلا ان اسرائيل لم تسلم بفقدان مشروعها الاستراتيجي ببناء علاقة خاصة مع بكين. فتعهد آرييل شارون بإثارة الموضوع مع ادارة الرئيس بوش بعد تغير الحكومتين الأمريكية والاسرائيلية. ونقلت جريدة «يو.اس.ايه. توداي» الأمريكية قصة طريفة حدثت بهذا الشأن حين التقى شارون بمستشارة الأمن القومي الأمريكي كوندوليزا رايس للمرة الأولى. فخلال اجتماعهما قال شارون ـ طبقاً لرواية الجريدة ـ انه يريد أن يطرح موضوعاً استثنائياً لم يكن مدرجاً في جدول الأعمال. وسألت رايس عن طبيعة هذا الموضوع، فقال شارون انه يتعلق بصفقة فالكون مع الصين وبرغبة اسرائيل في أن تراجع واشنطن قرارها بالاعتراض على اتمام الصفقة، وقالت رايس بحزم انها لن تناقش هذا الموضوع مع رئيس الوزراء، فعاد شارون الى القول انه موضوع مهم بالنسبة لاسرائيل، وانه يأمل أن تبدي واشنطن بعض المرونة. فردت رايس «السيد رئيس الوزراء، إذا ما صممت على اثارة هذا الموضوع فسوف اعتبر الاجتماع منتهياً». واضطر شارون إلى ابتلاع ذهوله من حزم السيدة رايس، واعتذر منتقلاً إلى مواضيع أخرى. وقالت الجريدة ان بوش ورايس ضحكاً كثيراً حين نقلت مستشارة الأمن القومي للرئيس ما حدث. وكان واضحاً ان البنتاجون قد جعل من اتمام الصفقة بين اسرائيل والصين خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه، أو كما قال أحد الجنرالات «سيواجه طيارونا خصوماً مسلحين برادارات أمريكية تسلموها من اسرائيل في حالة حدثت اشتباكات بيننا وبين الصين حول تايوان، أي ان رجالنا قد يُقتلون بأسلحة أمريكية». بدائل فالكون إلا ان ذلك لم يمنع اسرائيل من مواصلة طرق باب بكين باستخدام التكنولوجيا الأمريكية، فحين طلبت الصين تعويضاً عن الغاء صفقة فالكون طلب الاسرائيليون من واشنطن أن تدفع حصة من هذا التعويض بدعوى ان اعتراض واشنطن هو الذي أدى الى احباط الصفقة. وحين رفضت واشنطن الفكرة من حيث المبدأ طلب الاسرائيليون أن توافق واشنطن على بيع الطائرات للهند بدلاً من الصين. ووعدت واشنطن بدراسة الفكرة. وخلال دراسة واشنطن للبديل الهندي عرضت اسرائيل على بكين أن تعوضها عن صفقة فالكون بصفقة أخرى تتعلق بأقمار صناعية اسرائيلية من طراز آموس التي تتضمن بدورها مكونات تكنولوجية أمريكية متطورة. وكان الفارق هو أن آموس يستخدم لأغراض مدنية مثل الاتصالات الهاتفية ونقل الصور والبث الاعلامي. ووافقت بكين، وتم توقيع عقد أولي ببيع قمرين اسرائيليين من هذا الطراز إلى بكين وذلك في منتصف يناير 2002، وتبلغ قيمة العقد 250 مليون دولار فيما ينص على استلام الصين للقمرين بحلول العام 2008. ولايزال أمام اسرائيل مشوار الحصول على موافقات واشنطن والاتحاد الأوروبي حيث ان للأوروبيين أيضاً حصة من تكنولوجيا آموس. خلال ذلك وصلت موافقة واشنطن على بيع طائرات فالكون لنيودلهي شرط تأجيل تسليم هذه الطائرات حتى يهدأ الموقف على خطوط التماس الهندية ـ الباكستانية، وحتى يبدو الأمر وكأن واشنطن تدعم الهند في مواجهة باكستان على الرغم من ان اسلام آباد قدمت لواشنطن كل ما تريده على مضمار الأزمة الأفغانية، وهكذا كان لاسرائيل أن تحتفل، فقد باعت الفالكون التي أعدتها لبكين لزبون آخر، وقدمت للصين قمراً صناعياً بدلاً من الطائرات، وهكذا خرج الاسرائيليون رابحون على كل الجهات. تدخل الكونجرس وواقع الحال ان الصفقة الاسرائيلية ـ الهندية جاءت في سياق تطور كبير تشهده العلاقات بين الجانبين الى حد دفع باسرائيل الى وضع اللوبي الذي يأتمر بأوامرها في واشنطن تحت تصرف نيودلهي خلال ذروة أزمتها مع إسلام آباد. حتى ان معلقين أمريكيين قالوا انه من الممكن معرفة رأي أي شخص حول الأزمة الهندية بتحديد موقفه من اسرائيل، فإن كان موالياً للدولة اليهودية، فهو بالحتم يدعم الهند في مواجهتها مع باكستان. بعد ذلك دفعت اسرائيل باقتراح أكثر جرأة الى واشنطن، ذلك هو بيع صواريخ «آرو» للهند. إلا ان واشنطن رفضت الاقتراح حتى لا تدفع باكستان الى تطوير جهودها الصاروخية. وأبلغت الولايات المتحدة حكومة آرييل شارون بأن بيع «آرو» لنيودلهي هو «خط أحمر» لا ينبغي الاقتراب منه. وواقع الحال ان الاسرائيليين كانوا يحاولون باستماتة خلال العام الماضي بيع «آرو» لأي زبون محتمل، ذلك ان دورة المفاوضات الأولى بين اسرائيل وشركة بوينج، وهي دورة عقدت في خريف العام 2000، انتهت بعدم الاتفاق بين الجانبين حول المخطط الأولي لانتاج «آرو». فقد قالت شركة بوينج لممثلي شركة «اسرائيل ايراكرافت إندستريز» التي تتولى الاشراف على المشروع من الجانب الاسرائيلي ان الجدوى الاقتصادية لبناء خط انتاج «آرو» في مصانع بوينج لا تشجع على بدء المشروع. وكان عقد البيع الوحيد للصاروخ هو العقد الذي وقعه جيش الدفاع الاسرائيلي لاستلام عدد لم يعلن عنه من الصواريخ. وقال ممثلو شركة بوينج لنظرائهم الاسرائيليين ان الشركة غير مستعدة لدفع تكاليف الخط في حالة وجود زبون واحد محدود القدرة الشرائية. فضلاً عن ذلك فقد قالت بوينج ان الصاروخ يحمل تكنولوجيا أمريكية متطورة، وانها غير واثقة من ان المسئولين عن مراقبة الصادرات العسكرية الأمريكية سيجيزون تصديره. وهكذا لخصت بوينج موقفها آنذاك في رفض فكرة المشاركة في انتاج الصاروخ لأن المشروع بأكمله يقف فوق أرض مهتزة. ما حدث بعد ذلك يستحق أن يسجل باعتباره أحد أغرب فصول العلاقات بين اسرائيل والولايات المتحدة. فقد بدأت اسرائيل تحركاً منظماً لدفع الكونجرس الى صرف مبلغ «استثنائي» الى بوينج يخصص لبناء خط انتاج «آرو». وبالفعل عقد عدد من أعضاء الكونجرس مسلسلاً من الاجتماعات مع «القيادات المدنية» في وزارة الدفاع ـ وبعض هذه القيادات معروف بأنه أكثر تشدداً في دعم اسرائيل من آرييل شارون نفسه وتم الاتفاق على الأمر، وأجاز الكونجرس بالفعل صرف 20 مليون دولار للشركة تخصص لأغراض بناء خط انتاج «آرو». بوينج وآرو إلا ان ذلك بطبيعة الحال لم يكن كافياً. فالمبلغ محدود بالنسبة للتكاليف. وتلقت بوينج «هدية» يقول البعض ان لها صلة بعقد آرو فيما لا يعتقد آخرون ان لها صلة بذلك. فقد مرر احدهم في الكونجرس في اللحظات التي تسبق اقرار الميزانية العسكرية بنداً اضافياً في هذه الميزانية يقضي بأن يستأجر البنتاجون 100 طائرة من طراز بوينج 767 من شركة بوينج لاستخدامها كطائرات للتزويد بالوقود من الجو وذلك بقيمة 20 مليون دولار للطائرة الواحدة سنوياً ولمدة 10 أعوام. أي ان البنتاجون سيدفع لاستئجار الطائرة الواحدة 200 مليون دولار ليعيدها بعد ذلك الى الشركة عند انتهاء عقد الايجار. والطريف في الأمر ان سعر الطائرة يقل عن 200 مليون دولار لمن يريد شراؤها وليس استئجارها، أي انه كان من الأرخص للبنتاجون شراء الطائرات. أما الأكثر طرافة فقد تلخص في ان جنرالات وزارة الدفاع قالوا انهم لا يحتاجون الى هذه الطائرات من الأصل، وانهم لم يطلبوها، ويعني ذلك ان الهدية التي مُنحت للشركة جاءت على حساب دافع الضرائب الأمريكي ودون أي مبرر عسكري معقول. وسواء كانت تلك الواقعة على صلة بعقد «آرو»، أم ان ذلك الافتراض هو مجرد افراط في الشك في أسباب ما يحدث في واشنطن فإن الشركة قبلت في نهاية المطاف توقيع مذكرة تفاهم مع اسرائيل آيركرافت اندستريز، وهي المذكرة التي وقعها بالفعل مدير بوينج جيمس آلبو مع نظيره الاسرائيلي موشيه كيريت في 19 يناير. وكانت اسرائيل قد بذلت جهداً اضافياً قبل ذلك لازالة عقبات توقيع العقد حين عرضت على تركيا أن تشتري «آرو». ووافق الأتراك مبدئياً ولم يكن بوسع واشنطن أن تعترض، اذ ان تركيا عضو في حلف شمال الأطلسي، أي انه لا قلق هناك من تسرب التكنولوجيا العسكرية الأمريكية من أنقرة الى بلدان أخرى. إلا ان أزمة مالية خانقة ألمت بتركيا وحالت دون قدرتها على دفع ثمن بطاريات الصاروخ ومن ثم فقد صرفت أنقرة النظر عن الفكرة.من جهة أخرى قام الاسرائيليون بدفع اثنين من أفضل أنصارهم الى موقعي مراقبة الصادرات العسكرية في وزارة الدفاع ووزارة الخارجية وذلك عند تغيير الادارة في واشنطن في يناير من العام الماضي. وقد ضمن ذلك مرور أي اتفاق بين اسرائيل وشركة بوينج دون اعتراض يذكر من «المراقبين» اياهم في ادارة الرئيس بوش. وهكذا لم يعد الأمر محتاجاً الى زبائن آخرين كما لم يعد هناك أي قلق من اعتراض الادارة، وتم بالفعل توقيع مذكرة التفاهم، والمعتقد الآن ان انتاج «آرو» سيبدأ بعد عامين فقط. ولكن الملاحظ ان مذكرة التفاهم لم تذكر سعراً محدداً للصاروخ الواحد رغم ان بعض خبراء واشنطن قدروا هذا السعر بنحو 4 ملايين دولار للصاروخ الواحد، أي ثمنه يعادل صاروخ باتريوت الأمريكي. ولأن الاسرائيليين لا يريدون دفع أي فلس لإنتاج الصاروخ فقد طلبوا من الولايات المتحدة تمويل الانتاج، إذ قيل ان رئيس الأركان الاسرائيلي الجنرال شاؤول موفاز طلب من المسئولين الأمريكيين خلال زيارته الأخيرة لواشنطن منح اسرائيل معونة اضافية ـ استثنائية ـ مقدارها 400 مليون دولار على امتداد 4 سنوات، أي بواقع 100 مليون دولار كل عام لمساعدتها على تغطية حصتها من نفقات انتاج «آرو» وذلك بسبب «الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها اسرائيل الآن» حسب قول موفاز. شركة بوينج تخشى الآن من ردة فعل عربية، خاصة وان للشركة مصالح كبيرة في قطاع الطيران المدني بدول المنطقة، وليس من المعروف ان كانت ردة الفعل هذه ستأتي أبداً. ولكن المؤكد ان انتاج «آرو» سيعمق كثيراً من خلل الميزان العسكري في الشرق الأوسط.. لصالح اسرائيل بطبيعة الحال.