نعوم تشومسكي، مؤلف هذا الكتاب، مفكر أمريكي من طراز فريد، فهو عالم لسانيات ومفكر سياسي شهير، ناصر العديد من القضايا التي رآها عادلة، بعيداً عن الموقف الرسمي الامريكي، وهو أحد المفكرين الامريكيين القلائل الذين أبدوا تفهماً كبيراً للقضية الفلسطينية ولم يتردد في شجب السياسة العدوانية الاسرائيلية، على الرغم من انه يهودي، ولهذا تعتبره المنظمات الصهيونية الامريكية «مارقاً» يستحق أقسى أشكال العقاب.وكل كتاب يصدره تشومسكي هو في الواقع حدث بحد ذاته، وكتابه الجديد هذا ليس استثناء من هذه القاعدة، يناقش فيه موضوعاً هو احد اكبر الاحداث التي شهدها العالم منذ سقوط جدار برلين عام 1989، والذي عاشه العالم مباشرة على شاشات التلفزة، عندما تم تدمير برجي التجارة الدولية في نيويورك وتوجيه ضربة قوية لمبنى البنتاجون في الحادي عشر من سبتمبر، وذهب ضحية هذه الاعتداءات حوالي ثلاثة آلاف شخص، وهذا الكتاب هو قراءة اخرى ومختلفة لهذا الحدث الرهيب ومحاولة لـ «تشريح الارهاب» كما يعبّر المؤلف.يقوم تشومسكي بالتدريس في عدد من الجامعات الامريكية وسبق له ان قدم اكثر من ثلاثين كتاباً، ولعله أفضل من درس نهاية المرحلة الاستعمارية ونتائجها وسقوط جدار برلين ونهاية الحرب الباردة والحروب الاقتصادية وسطوة الشركات متعددة الجنسيات ودور وسائل الاعلام، انه صوت آخر يأتي من أمريكا حاملاً الكثير من الوعي والكثير من الرفض لتزييف هذا الوعي.هناك مشاعر من الغضب تعم الشرق الاوسط حيال الوجود العسكري للولايات المتحدة في المنطقة، ودعمها للفظاعات التي يتم اقترافها بحق الفلسطينيين، ودورها الكبير في تخريب المجتمع المدني في العراق، وهذه المشاعر موجودة لدى الاغنياء كما لدى الفقراء ولدى جميع قوى الطيف السياسي. اما بخصوص اعتداءات 11 سبتمبر 2001، فإنه يمكن اجراء بعض المقارنات، فمثلاً ماذا كان يمكن ان يكون عليه رد بريطانيا حيال قنابل يضعها اعضاء الجيش الجمهوري الايرلندي في لندن؟ لربما انه كان امامها خيار ارسال طائراتها لقصف مراكز أولئك الذين يمولون الجمهوريين الايرلنديين، اي قصف بوسطن، مثلاً، او ربما انها كانت ستلجأ الى تكليف اجهزتها بالتغلغل في صفوف الحركة من اجل القاء القبض على اولئك الذين يظن بأنهم قد قدموا الاموال او قتلهم او جلبهم الى لندن لمحاكمتهم، لكن كان هناك خيار آخر هو محاولة معالجة اسباب المشكلة من جذورها مع اتخاذ جميع الاجراءات المشروعة من اجل معاقبة المجرمين. أو لنأخذ ايضاً مثال المبنى الفيدرالي لاوكلاهوما سيتي الذي تعالت بعد تفجيره مباشرة الاصوات الداعية لقصف الشرق الاوسط الامر الذي كان ربما يمكن ان يحدث لو انه تم العثور على أي صلة للانفجار بهذه المنطقة لكن عندما تم اكتشاف ان الامر يتعلق بهجوم تم التخطيط له داخل الولايات المتحدة ومن قبل رجل له علاقة مع الميليشيات ـ اليمينية المتطرفة ـ فإن احداً لم يطالب بقصف مونتانا وايداهو او بقصف ولاية تكساس، التي لا تتوقف عن المطالبة بالابتعاد نسبياً عن الحكومة غير الشرعية والقمعية في واشنطن، بالمقابل تم البحث عن المجرم والقبض عليه ومحاكمته وادانته، بل وتم دفع الدماء في عروق ردود الفعل الى درجة بذل الجهود من اجل فهم العناصر الكامنة وراء الحث على القيام بمثل هذه الجرائم ومحاولة معالجة المشكلة. هذه هي على الأقل الطريقة التي يمكن بل ينبغي اللجوء اليها اذا توفر الحد الادنى من العدالة الحقيقية؟ واذا توفرت ارادة منع تكرار مثل هذه الاحداث وليس القيام بالغائها ولعله يمكن باستمرار تطبيق المبادئ نفسها مع الانتباه دائماً للظروف وفي هذه الحالة التي تعنينا الآن يمكن بالفعل تطبيق هذه المبادئ. على أرض الواقع لكن ما جرى على أرض الواقع هو نوع من اعلان الحرب على جميع اولئك الذين لا ينضوون تحت لواء المشروع الامريكي للجوء الى القوة وذلك مهما كانت خياراتهم وقد تبنى الرئيس الامريكي جورج بوش خطاباً بلاغياً حماسياً يشابه اعلان حرب ضد جميع بلدان العالم تقريباً مع ذلك فإنني على يقين من انه ينبغي علينا عدم اخذ ما يقوله على محمل الجد تماماً، اما اصحاب العقول المفكرة في الادارة الامريكية فلا شك في انهم سوف يصغون باهتمام الى ما سيقوله رؤساء الدول الاجانب وايضاً لآراء الاختصاصيين في شئون الشرق الاوسط وكذلك للاجهزة السرية الامريكية، وحيث ان الجميع يحذرون من القيام بعمل عسكري كبير سيؤدي الى وقوع عدد كبير من الضحايا الابرياء وقد جاء في بيان نشرته مجلة «التايم» بتاريخ 14 سبتمبر 2001 وقعه سيمون جنكنز وآخرون وجاء فيه ان هجوماً عسكرياً كبيراً يستجيب لما يتمناه اولئك الذين قاموا بمجزرة مانهاتن اذ ان عمليات الرد العسكري قد تصب في مصلحة التطرف والتزمت على حساب الاعتدال. لكن يقال ان اي دولة تتعرض للهجوم تحاول الرد عليه وبالطبع، يحاول اي بلد يعتدى عليه ان يدافع عن نفسه لكن على أساس هذا المبدأ ذاته كان يفترض ان تقوم نيكاراجوا وفيتنام وكوبا وعدد آخر من الدول بتوجيه الضربات لواشنطن، ان مثل هذا المنطق كان قد قاد اوروبا الى حافة التدمير الذاتي بعد مئات السنوات من الممارسات البربرية، لذلك تبنت أمم العالم، بعد نهاية الحرب العالمية الثانية ميثاقاً يحدد نظرياً على الاقل المبدأ الذي يؤكد على استبعاد اللجوء الى استخدام القوة الا في حالة الدفاع المشروع عن النفس امام هجوم مسلح والى حين تدخل مجلس الامن الدولي للدفاع عن السلام والأمن الدوليين، ويؤكد هذا المبدأ على منع عمليات الرد ثم ان الولايات المتحدة لم تكن عرضة لهجوم مسلح بالمعنى المنصوص عليه في البند 51 من ميثاق الامم المتحدة وبالتالي لا يمكن الاعتماد على هذا السبب للرد، هذا على الأقل اذا كنا نقبل بأنه ينبغي تطبيق المبادئ الأساسية للقانون الدولي علينا ايضاً وليس فقط على اولئك الذين لا نحبهم. لكن اذا وضعنا القانون الدولي جانباً فإن عدة قرون من التجارب تبين لنا ماذا يمكن ان يترتب على الدعوة للسلاح والتي يؤيدها العديد من المعلقين وفي عالم يمتلك اسلحة الدمار الشامل فإن ما يمكن ان تؤدي اليه المجابهات العسكرية هو النهاية القريبة للتجربة الانسانية وفي واقع الامر ان هذا هو الذي دفع الاوروبيين الى ان يقرروا منذ خمسين عاماً انه من الافضل جداً وضع حد نهائي للعبة المذابح المتبادلة التي كانوا قد دخلوا في اعاصيرها منذ عدة قرون من الزمن. لماذا التظاهر ضد أمريكا؟ ولكن لماذا تظاهر الكثيرون وأعلنوا غضبهم ضد الولايات المتحدة بعد 11 سبتمبر؟ في عام 1965 استولى الجيش الاندونيسي بتأييد من الولايات المتحدة على السلطة في بلاده مما جر مجازر سقط ضحيتها مئات الالاف من البشر، اغلبيتهم من الفلاحين ولم تتردد اجهزة الاستخبارات الامريكية في تشبيه ذلك بالجرائم التي اقترفها ستالين وماو تسي تونيج وهتلر ان تلك المجزرة التي تم وصفها بكل تفاصيلها اثارت مظاهرات من الفرح في الغرب وفي الصحافة الوطنية وغيرها هذا على الرغم من ان الفلاحين الاندونيسيين لم يتسببوا لنا بأي اذى. وعندما ركعت نيكاراجوا امام الهجمات الامريكية حيت الصحافة السائدة الطرق المستخدمة من اجل هدم الاقتصاد ومتابعة حرب طويلة وقاتلة بالانابة حتى يقوم سكان البلد الذين اعياهم الانهاك بقلب تلك الحكومة غير المرغوب بها، ان تلك الطرق كانت هي الاقل كلفة بالنسبة للولايات المتحدة التي كانت فضلاً عن ذلك قد تركت الضحايا مع جسورهم المهدمة ومحطاتهم الكهربائية المخربة ومزارعهم التالفة هذا مع ان المهمة المعلنة كانت وضع حد نهائي لفقر الشعب النيكاراجواي وبهذا الصدد كانت «النيويورك تايمز» قد أعلنت اننا موحدون في الفرح من اجل تحقيق هذا المنظور (انهاء الفقر). ان قائمة الامثلة من الطبيعة يمكن ان تطول كثيراً. بالمقابل، هناك القليل من البشر الذين «احتفلوا بجرائم نيويورك، بل على العكس من المدهش ملاحظة ان هذه الفظاعات قد اثارت موجة من التعاطف، حتى في المناطق الخاضعة للنير الامريكي منذ زمن طويل جداً لكن بالمقابل كانت هناك بالتأكيد مشاعر غضب حيال الولايات المتحدة لأسباب يوضحها المثالان السابقان.ثم ان الحرب ضد الارهاب ليست قضية جديدة وينبغي تذكر ان حكومة الرئيس ريجان قد وصلت الى السلطة قبل عشرين عاماً وهي ترفع شعارات الارهاب الدولي الذي كان يموله الاتحاد السوفييتي السابق على حد قولها يمثل اكبر التهديدات التي تواجهها الولايات المتحدة وذلك باعتبارها الهدف الرئيسي لذلك الارهاب، هي والدول الحليفة والصديقة لها ولذلك تم التأكيد على ضرورة استئصال هذا الوباء هذا السرطان الذي يدمر حضارتنا وقد وفت الادارة الريجانية بالتزاماتها ونظمت عمليات في الخارج ادت الى ادانتها من قبل محكمة العدل الدولية، كما دعمت عدداً من العمليات الاخرى، كما في الجزء الجنوبي من القارة الافريقية، حيث تسببت عمليات التخريب المتكررة التي قام بها نظام جنوب افريقيا العنصري بدعم من الغرب بمقتل مليون ونصف مليون ضحية وبخسائر تقدر قيمتها بـ 60 مليار دولار امريكي خلال سنوات حكم ريجان فقط. وفي اطار الدعوات ذات الطابع الحربي تلعب الدعاية دوراً مهماً، اذ تستطيع المنظومات الدعائية ان تدفع البشر الى القيام بأشكال لا عقلانية من السلوك تصل الى حد ارتكاب القتل او الانتحار ولنأخذ مثالاً بعيداً نسبياً تسمح المسافة الزمنية عنه بدراسته من دون انفعالات قوية، انه مثال الحرب العالمية الاولى ولا يمكن القول ان الطرفين اللذين دخلا هذه الحرب كانا قد انخرطا فيها من اجل الدفاع عن «أسمى الاهداف» مع ذلك وعلى الطرفين ايضاً مشى الجنود بحمية وحماس نحو المجزرة المتبادلة وتشجعهما على ذلك الطبقات المثقفة وكذلك اولئك الذين كانوا قد ساهموا بالتعبئة في عالم السياسة يمينه ويساره بما في ذلك القوة اليسارية التي كانت الاقوى في العالم آنذاك اي في المانيا. كانت الاستثناءات التي شذت عن القاعدة وعن الدعوة للتعبئة للحرب قليلة جداً الى درجة انه يمكن ذكر اسماء اصحابها، حيث وجد عدد من الشخصيات البارزة انفسهم في السجن لانهم شككوا بـ «نبل المشروع» الحربي ومن بين هؤلاء روزا لوكسمبورج وبرثراند راسل واوجين روبس بالمقابل وبفضل الوكالات الدعائية التابعة للرئيس ولسون والعمل الذي قام به المثقفون الليبراليون في سبيل دعم الحرب تحولت بلدان مسالمة الى غول متوحش ضد المانيا ومستعد للثأر من اولئك الذين ارتكبوا جرائم بربرية كانت أغلبيتها من اختراع وزارة الاعلام البريطانية لكن مع هذا الواقع نستطيع تجنب هذا كله اذ لا ينبغي التقليل من قيمة الآثار الحضارية للنضالات الشعبية التي شهدتها السنوات الاخيرة ولا شيء يستطيع ان يرغمنا للسير مطأطئي الرأس نحو الكارثة بحجة انهم قد اعطونا الامر لفعل ذلك. وفيما يخص مسألة اعادة نظر الحكومة الامريكية والاتحاد الاوروبي بالقوانين الخاصة بمحاربة الارهاب ومن اجل تجنب خطأ التجريد قد يكون مهماً تفحص الوضع الحالي الذي يشهد مشروعات لتخفيف الكوابح امام استخدام العنف بالنسبة للدول وفي صباح 21 سبتمبر 2001 نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» مقالاً كتبه مايكل والزر المثقف الشهير الذي ينظر اليه الكثيرون كـ «زعيم اخلاقي» انه يدعو لـ «حملة ايديولوجية ضد جميع الحجج والاعذار التي تبرر الارهاب.. وذلك من اجل رفضها» ذلك لانه وكما يعرف جيداً لا توجد أية حجج او اعذار خاصة بالارهاب ـ الارهاب الذي يفكر به ـ لكل من يملك قدراً من العقل لكن هذا النداء كان يعني، في واقع الامر، رفض اي محاولة لمعرفة الأسباب الكامنة وراء الأعمال الارهابية التي تستهدف الدول التي يدعمها هذا يعني ايضاً دعمه للاغتيالات السياسية وبدقة اكثر الاغتيالات السياسية الاسرائيلية للفلسطينيين والتي تقول اسرائيل انها تقوم بها لان هؤلاء يدعمون الارهاب ومن دون ان تقدم اي برهان على ذلك بل ومن دون ان تكون هناك أية ضرورة لتقديم البراهين، ان الضحايا يكونون في أغلب الاحيان من النساء والاطفال وفي الفترة الاخيرة ومنذ عدة اشهر تقوم الطائرات العمودية المقاتلة التي كانت الولايات المتحدة قد زودت اسرائيل بها بعمليات الاغتيال علناً وعلى رؤوس الاشهاد. ومن الملفت للانتباه ان والزر يكتب كلمة «الاغتيال» بين قوسين مما يعني ان هذه الكلمة يتم استخدامها بغير مكانها فيما يخص الحصار على العراق والصراع العربي ـ الاسرائيلي انه يضعها بين قوسين فيما يخص الفظاعات الاسرائيلية المدعومة من الولايات المتحدة في الاراضي الموضوعة منذ خمس وثلاثين سنة تقريباً تحت احتلال عسكري قاس وكذلك فيما يخص السياسة الامريكية التي خربت المجتمع المدني في العراق واذا كانت اشكال النقد ضد السياسة الامريكية في الولايات المتحدة لا تزال هامشية جداً الا ان والزر يرى انها اكثر مما ينبغي وربما انه يجد مرجعياته في تصريح مادلين اولبرايت وزيرة الخارجية الامريكية السابقة عندما سئلت من قبل القنوات التلفزيونية الامريكية حول التقديرات القائلة ان هناك حوالي نصف مليون طفل عراقي لاقوا حتفهم بسبب الحصار المضروب على بلادهم لقد اعترفت آنذاك بأن مثل هذه النتائج انما هي ثمن الخيار الصعب الذي تم انتهاجه من قبل الادارة الامريكية ثم اضافت: «نعتقد ان هذا هو الثمن الموازي لهذا الخيار».ومن المهم التذكير في هذا السياق بأن الدول التي تلجأ الى استخدام العنف والقتل انما تبرر باستمرار اعمالها باسم «مكافحة الارهاب» ثم يقوم بعض المثقفين بتبرير مثل هذه الاعمال. حق الشعوب وفي عودة الى شهر ديسمبر من عام 1987 وفي مواجهة القلق المتزايد من خطر الارهاب الدولي تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً مهماً بهذا الخصوص اذ ادانت هذه الممارسة بأقسى التعابير ودعت جميع امم العالم للتحرك بقوة من اجل مكافحة هذا الوباء لقد تم تبني هذا القرار بأغلبية 153 صوتاً مقابل صوتين ضده هما للولايات المتحدة الامريكية واسرائيل مع امتناع الهندوراس عن التصويت وينص المقطع الذي تم الاعتراض عليه بأنه لا شيء في هذا القرار يمكنه ان يعيق حق الشعوب بالحرية والاستقلال وتقرير المصير باعتبارها المبادئ التي ينبثق منها الميثاق العام للامم المتحدة وهي مبادئ سارية المفعول بالنسبة للشعوب المحرومة بالقوة من حقوقها هذه وخاصة الشعوب الخاضعة لأنظمة استعمارية وعنصرية او لاحتلال خارجي او لأشكال اخرى من السيطرة الاستعمارية كما تمتلك هذه الشعوب الحق بالنضال من اجل التخلص من هذا كله وبالبحث عن الدعم لهذه الغاية وقبول هذا الدعم (طبقاً لميثاق الامم المتحدة والمبادئ الاخرى التي تحكم القانون الدولي)». ان مثل هذه الحقوق ليست مقبولة من قبل الولايات المتحدة واسرائيل؟ ولم تكن مقبولة ايضاً خلال مرحلة من الزمن من قبل حلفائهما، كنظام جنوب افريقيا العنصري السابق مثلاً وكانت واشنطن ترى في حزب «المؤتمر الوطني الافريقي» منظمة «ارهابية»، لكن جنوب افريقيا لم تكن في عداد «الامم الارهابية» مثل كوبا وغيرها، وهناك اليوم نقاشات عديدة من اجل الوصول الى اتفاقية شاملة لمكافحة الارهاب وهذه مهمة ليست بالسهلة ذلك ان السبب الذي تم اغفاله في جميع التقارير يتمثل في واقع ان الولايات المتحدة لن تقبل، هي وحلفاؤها، اي نص يشابه ذلك النص الذي احتواه قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1987 هذا ولو كانت التعريفات التي نقرأها حول الارهاب تتماشى مع ما نجده رسمياً في القوانين الامريكية او في الترسانات العسكرية، وبالتالي لن يتم التوصل الى اتفاق الا اذا تمت صياغة المفهوم بشكل يتم فيه استثناء الاقوياء وحلفائهم المقربين من منع اللجوء الى القوة.وعندما تستخدم الدول الغربية والمثقفون الغربيون عامة تعبير «المجموعة الدولية» فإن مرجعيتهم ليست الا انفسهم فمثلاً عندما قرر حلف الاطلسي القيام بعمليات قصف جوي ضد صربيا ـ يوغسلافيا سابقاً ـ اعتمد في خطابه على «المجموعة الدولية» لكن جميع اولئك الذين يرفضون وضع رؤوسهم في الرمل كالنعامة يعرفون ان الواقع هو شيء آخر ذلك ان «اولئك الذين لا يدعمون اعمال الاغنياء والاقوياء لا ينتمون الى المجموعة الدولية» تماماً مثل اعتبار ان الارهاب يعني اتفاقاً الارهاب الموجه ضدنا وضد اصدقائنا. ان المثقفين الغربيين يحاولون البحث عن اسباب عميقة لاعتداءات سبتمبر 2001 مثل الحديث عن كره القيم الغربية وقيم التقدم وهذا يمثل طريقة عملية لتجنب الاسئلة الخاصة بالبحث عن اسباب الغضب والخوف واليأس لدى جميع المناطق التي تشكل ارضاً خصبة لتنامي الشبكات الارهابية. وبما ان الاجابات عن هذه الاسئلة انما هي في الواقع واضحة لكنها لا تتماشى مع القناعات التي يحملها المثقفون الغربيون فإنه من الافضل بالنسبة لهم ابعاد الاسئلة نفسها على أساس انها «سطحية» وغير ذات دلالة وينكبون بالتالي لدراسة أسباب أكثر عمقاً انما هي في الواقع اكثر سطحية رغم تمتعها بقدر من الأهمية.