حاولت الولايات المتحدة الأمريكية، قبل بداية الحرب في افغانستان، وفي خضم سعيها نحو بناء تحالف دولي، من اجل اقصاء حركة طالبان، وتدمير تنظيم القاعدة، الذي يتزعمه اسامة بن لادن، ضم الدول العربية الى جانبها، حتى لا يفسر البعض حملتها العسكرية، على انها معركة بين الاسلام والمسيحية، خصوصاً وان تصريح الرئيس الامريكي جورج بوش، حول «الحرب الصليبية» كان لا يزال يتردد بقوة. ولم تجد واشنطن من وسيلة فعالة، لجذب العرب والحصول على ولائهم وتعاونهم التام معها، سوى التلويح لهم بـ «جزرة فلسطين» والجزرة في مفهوم امريكا السياسي، هو تأييد قيام الدولة في اقرب وقت، ورفع الحرج عن العرب لعدم اغاثتهم اخوانهم الذين يتعرضون للذبح على يد السفاح شارون. ويبدو ان العرب لم يصدقوا انفسهم عندما لوح لهم بـ «الجزرة»، وكذلك التصريحات التي صدرت عن بوش، وأيضاً ما سمي في ذلك الوقت بـ «رؤية» باول حول الدولة الفلسطينية، فتسابقوا في الترحيب بالمواقف الامريكية الجديدة، إلى درجة ان البعض منهم صرح بأن حديث بوش عن الدولة الفلسطينية، ليس مرتبطاً بحرب افغانستان وانه ـ أي بوش ـ تعهد له في رسالة سبقت احداث سبتمبر بتأييد قيامها، ولم يلتفت العرب للتحذيرات التي صدرت حينها خاصة من جانب الامين العام للجامعة العربية عمرو موسى، الذي ابدى تخوفه من تعرض العالم العربي إلى عملية «نصب سياسي» من جانب الولايات المتحدة. ومع بدء الحرب وتساقط القنابل والصواريخ الامريكية فوق افغانستان، وانهيار قلاع طالبان بشكل مفاجيء اذهل الكثيرين، حتى واشنطن نفسها أخذت اللغة الامريكية تتغير، وتم سحب «الجزرة» مجدداً من التداول واصبحت الانتفاضة ارهاباً والفصائل الفلسطينية المقاومة «منظمات إرهابية»، بل وصل الامر إلى ان اصبح عرفات رئيساً غير مرغوب به امريكياً، حتى ولو لم يتم التصريح بذلك علنا اذ ان ممارسات شارون ضده وضد شعبه تثبت ذلك، وبالتالي يكون ما حذر منه عمرو موسى، قد تحقق على ارض الواقع، وتعرض العرب إلى عملية «نصب سياسي» منظمة وعلى درجة عالية من الدقة. هذا التغيير في المواقف الامريكية، تجاه القضية الفلسطينية، احرج الكثيرين في العالم العربي، خاصة من يصنفون على انهم ضمن قائمة الاصدقاء، والذين لم يجدوا ما يقولونه لشعوبهم لتبرير هذا التراجع، بل ان من تبرع سابقاً في الدفاع عن بوش وتحدث عن «رسالته قبل سبتمبر» صدم ولم يعد يتحدث!! الآن ومع رغبة واشنطن في توسيع نطاق حربها، لتشمل دولاً اخرى، يأتي على رأسها العراق وايران، بدأت الولايات المتحدة التلويح بـ «الجزرة» مجدداً، اذ أعلنت تمسكها بعرفات كزعيم منتخب، واعربت أيضاً عن تأييدها لقيام دولة فلسطينية، وذلك خلال لقاء بوش وشارون الأخير، وبالتالي ليس على الدول العربية، سوى مساعدتها والوقوف إلى جانبها في تحالفها المقبل ضد الدولتين. انها عملية نصب سياسي جديدة، يجب ان ينتبه لها العرب جيداً، حتى لا يصبحوا اضحوكة في هذا العالم، وحتى لا يتحولوا كذلك إلى لعبة في ايدي الولايات المتحدة، تستخدمها متى تشاء وتقذف بها في الهواء عندما تنتهي مهمتها. خالد سيد أحمد