بينما تبتعد الاضواء عن الحملة في افغانستان لنذهب حيثما يمضي القتال ضد الارهاب عقب ذلك، تغدو الفلبين جزءاً مهماً من معالم الصورة. قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر، بوقت طويل خاضت الفلبين حرباً ضد الارهاب على اراضيها وكان لها اليد العليا في الامر، ونجحت في عزل من تصدت لهم في جزر محدودة صغيرة لقد شعرنا بوطأة الارهاب وألمه منذ بداية الامر، وعرفنا انه يجب ألا ينتشر الى باقي ارجاء العالم ولذلك كنا أول دولة في اسيا تقدم دعمها للتحالف الدولي ضد الارهاب. على الرغم من اننا خضنا غمار حملة مطولة للقضاء على جماعة «أبو سياف» في جزيرة بعيدة في جنوب غرب الفلبين، فإن وصول مجموعة من المدربين الامريكيين الاختصاصيين في محاربة الارهابيين، اضافة الى عدة مئات من القوات الامريكية من اجل عمل تدريبات عسكرية مشتركة وتدريب قواتنا العسكرية، قد استقطب اهتماماً اعلامياً واثار حفيظة قلة من مواطنينا فقد ظهرت على السطح مرة اخرى شعارات ودعوات مماثلة لتلك التي كانت تروج بشأن اغلاق القواعد الامريكية في الفلبين وبشأن تحول الفلبين الى فيتنام اخرى، اذا ما تم ارسال قوات امريكية للبلاد.ومن واقع ايماني بمبدأ حتمية اقتلاع جذور الارهاب قمت باتخاذ تلك الخطوة التي تنطوي على خطورة سياسية، والتي تمثلت في ان تنطوي التدريبات العسكرية المشتركة السنوية مع الولايات المتحدة على برنامج تأهيلي يرفع من كفاءة الجنود الفلبينيين في محاربة الارهاب، الامر الذي سيساعدنا على المضي لاقصى درجة من القضاء على جماعة «أبو سياف». سترابط الولايات المتحدة عسكرياً في الفلبين بموجب اتفاقية تنص على قضاء قواتها في البلاد مدة ستة اشهر من اجل تقديم مساعدات استخبارية تتضمن تشغيل واستخدام معدات تنصت ومراقبة فائقة التطور، وعلى الرغم من ان الظروف من وجهة نظري تسمح بأن تدخل القوات الامريكية في المعركة بشكل قانوني فإننا قد أخذنا قراراً سياسياً بألا يتم هذا الامر. نحن نرى ان جماعة «أبو سياف» تنتمي الى ذلك النوع الذي صنفه التحالف الدولي بأنه من ضمن الاعداء ونملك دليلاً دامغاً على ان لهذه الجماعة صلات بجماعات ارهابية اجنبية، بما في ذلك تنظيم القاعدة على الاقل حتى عام 1995، عندما قمنا باجهاض مؤامرة لتفجير الخطوط الجوية الامريكية، الامر الذي ادى بدوره الى القبض على رمزي يوسف، الذي اتهم بعد ذلك بالمشاركة في حادثة التفجير الاولى لمركز التجارة العالمي. ومع العثور على كم كبير من الاسلحة والمتفجرات والقبض على مواطن اندونيسي له صلة بأعمال ارهابية اصبحنا على علم بأن هناك خلايا ارهابية في جميع ارجاء منطقتنا. لا يكمن الحل في مكافحة الارهاب في وسائل الاستخبارات المتطورة والأسلحة الحديثة فقط ولكن أيضاً في معالجة الظروف التي ينمو من خلالها الارهاب مثل اليأس، والعزلة وفقدان الأمل النابع من الفقر وعدم التحمل، وكلها امور تجعل الشخص فريسة سهلة لأبواق الارهاب. نحن نقوم بمواجهة الارهاب والآن علينا ان نواجه الفقر من اجل التخلص من الارهاب، علينا ايضاً التخلص من الفقر واذا لم نفعل ذلك فإن الارض التي ينشأ منها الكره والبغضاء والسخط سوف تبدأ مرة اخرى في مهاجمة جيل آخر. وفي ثنايا ذلك المشهد المفرح لنساء طالبان وهن في قمة السعادة بعد تحررهن من وحشية طالبان، نشاهد بوادر كفاحات في الطريق لتجعل من افغانستان دولة قادرة على الحياة والنمو وتملك اقتصاداً يعمل بشكل صحيح.اذا طبقنا موقف افغانستان على طمس المجتمعات الانسانية التي تمر بظروف مشابهة سيكون بوسعنا تخيل مدى وحجم التحدي الذي نواجهه، فطبقاً لاحصائيات البنك الدولي فإن نصف سكان العالم النامي ـ اي نحو ملياري نسمة ـ يعيشون في دول لم تشهد الا النذر اليسير من النمو خلال العقدين الماضيين وحتى في الدول النامية التي تسير بشكل جيد هناك مئات الملايين من الاشخاص لم يستفيدوا الا بشكل هامشي من التقدم الذي يحدث في معدلات النمو ونتيجة لذلك هناك مليار شخصاً اي 20% من سكان العالم، يعيشون على اقل من دولار أمريكي يومياً. ان نسبة الـ 20% تلك هي التي تنتشر بين نداءات الارهابيين بنجاح مذهل ولهذا السبب ينتابني القلق وأخشى ألا يتبع العمل العسكري في أفغانستان بكفاح ونضال أوسع لمكافحة الفقر. وحتى يتسنى نجاح اي مبادرة جديدة لمعالجة الفقر، يجب على الدول النامية والمتقدمة على حد سواء ان تضطلع بمسئوليات جديدة تتفق مع الظروف الجديدة الحالية، فالدول الفقيرة يجب عليها ان تتعامل مع التحدي المتمثل في تطبيق معايير الشفافية والمصداقية وبناء اقتصادات سوق حيث يتسنى لها ان تصبح شريكة حقيقية في الاستثمار والتجارة. في الفلبين نقوم بهذا الامر حيث تعتمد رؤيتنا للتنمية الاقتصادية على خطة اصلاحية تهدف الى التخلص من حالات الفقر المدقع خلال عشر سنوات، تعتمد هذه الخطة على أربعة عناصر: فلسفة اقتصادية للمشروعات الحرة متماشية مع القرن الواحد والعشرين، قطاع زراعي متطور يقوم على المساواة الاجتماعية، دعم الفقراء والفئات المهمشة في خطة النمو الاقتصادي (من خلال برامج قروض صغيرة لاعانة 150 ألف عائلة سنوياً وانتشالها من الفقر) التخلص من الفساد الحكومي الذي يعد بلا شك شرط النجاح في جميع المجالات.تلك التحديات ليست غريبة على الفلبين، فمن واقع منصبي كزعيمة دولة نامية قطعت على نفسها التزاماً نحو الديمقراطية والأسواق يملؤني التصميم على تنفيذ الاصلاحات الحيوية التي بدونها لن تحقق المساعدات الدولية الا القليل، ان الرد على العولمة يتمثل في الارتباط بشكل منتج ومثمر مع الاقتصاد العالمي وليس الانسحاب منه وفي المقابل، يجب على الدول المتقدمة الاعتراف بواجباتها وتفتح اسواقها وتنقل الموارد وتصلح المؤسسات الدولية، ان واقع الامر يشير الى ان طبقة ادارة الدول الغنية لاقتصاداتها هي التي تحدد مدى استقرار النظام المالي العالمي ومدى توافر موارد التنمية في الدول الفقيرة. فنوع جديد من الحرب يتطلب نوعاً جديداً من السلام، والسمات الرئيسية التي تشكل اي تحالف عالمي جديد للتخفيف من الفقر يجب ان تنبع من الاسواق وتحل مشكلة انسانية حقيقية وتطلب من الدول التي تستفيد ان تتحلى بالمصداقية، فلا يمكن للحل ان يكون مثلما كان يتم في الماضي من توزيع مساعدات مالية من ملبس ومأكل على الفقراء، فالأمر يجب ان يكون بمثابة مساعدة على الاعتماد على النفس. هناك أسباب تستدعي ان نفرح ونبتهج بسبب ما تحققه الحرب ضد الارهاب من تقدم ملحوظ ولكن الانتصار في هذا الكفاح لا يعتمد فقط على الفوز بمعارك هذه الحرب حيث يجب ايضاً الفوز بالسلام فإن كان للعولمة معنى فهو انه سواء في السلم او الحرب علينا ان نظل مترابطين. خدمة «لوس انجلوس تايمز» خاص لـ «البيان»