أعلن الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، خلال مقابلة ساخنة مع مراسلة «بي.بي.سي» ليز دوسيت ان الضغوط التي يمارسها ارييل شارون عليه تجعله يكبر، لكنه انفعل غاضبا وأنهى المقابلة عندما حاولت المراسلة سؤاله عن اتضاح ان الناشط الفلسطيني رائد قرني ليس قيد الاعتقال كما أعلن وانما هو مطلق السراح، وقال لها عرفات رداً على محاولتها تهدئته: «ستزورينني هنا في عاصمتي القدس»، وفيما يلي نص التقرير الذي كتبته المراسلة عن المقابلة. لو سئل عرفات أن يختار أمنية تتحقق له في حياته فمن المؤكد أنها ستكون دولة فلسطينية عاصمتها القدس. كان لعرفات ذات يوم ما يذكره بالقدس وكان عبارة عن سيارة فلوكس فاجن من طراز الخنفساء يشبه لونها الأزرق التركوازي لون سماء القدس الصافية. عندما كان عرفات يصف لي سيارته تلك، تجول ببصره في غرفة المكتب التي نجلس فيها بحثا عن لون مقارب حتى وقعت عيناه على منظر يغطي أحد الحوائط لمدينة القدس وسماؤها الزرقاء تحتضن قبة الصخرة الذهبية. كان عرفات يتحدث عن سيارة واحدة من أسطول يضم سبع سيارات امتلكها عندما كان مهندسا شابا وناجحا يعيش في الكويت، أما الآن فيبلغ الزعيم الفلسطيني من العمر اثنين وسبعين عاما ويعيش على نظام غذائي صارم. حقائق رهن أصابعه على مائدة العشاء سألت نفسي عن الأسئلة التي يمكن طرحها على الزعيم الفلسطيني، هل يكون من الوقاحة إذا سألته ما إذا كان يرتدي قميصا واقيا من الرصاص، لا شك أن المحادثة أمر خطر في موقف كهذا. وقد سألته عن أشجار الزيتون التي تعتبر مثل عرفات رمزا للمقاومة الفلسطينية، فقال إن خمسين في المئة من هذه الأشجار قد اقتلعه الإسرائيليون بدعوى الحفاظ على الأمن. وسمعت صوت أحد مساعديه يقول «إننا نسميها أشجارا رومانية لأنها معمرة على هذه الأرض لأكثر من ثلاثمئة عام». عند ذلك حملق عرفات في مساعد وقال «ليس ثلاثمئة عام بل ألفي عام». لقد أدركت في تلك الليلة أن عرفات زعيم يحفظ الأرقام والحقائق في ذهنه ولا يسعد بقبول الحماقات. لكن عرفات يحب الحديث عن المعاناة، ليس معاناته الشخصية لكن معاناة الشعب الفلسطيني. كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل عندما بدا أن مشاعر عرفات وسيطرته على اللغة الإنجليزية آخذة في التدفق. سألته عن خطط أرييل شارون لعزله وتنصيب زعامات جديدة بديلة له، فانفجر ضاحكا وقال «لو أن السيد شارون يعتقد أن لديه القدرة على طرد عرفات، فهل لديه فكرة عن قيمة الرجل الذي يعنيه؟ إنه يكبر تحت الضغوط». وبدأ عرفات يتذكر أيامه في بيروت في عام اثنين وثمانين عندما ظل تحت حصار الدبابات والسفن والطائرات الإسرائيلية طيلة ثمانية وثمانين يوما. وتذكر الأيام التي كان فيها لائذا بالفرار يتسلل من بلدة فلسطينية إلى أخرى. لكن الرجل الجالس أمامي هو عرفات آخر، عرفات المسن الذي يترأس السلطة الفلسطينية ويتعرض لضغوط من إسرائيل وبقية دول العالم لوقف العنف. سألته «هل ستلقي القبض على الأشخاص الثلاثة والثلاثين الذين وردت أسماؤهم في القائمة التي تلقيتها من وزير الخارجية الأمريكية؟»، فما كان منه سوى أن رد باقتضاب «اسألي أجهزتي الامنية ». وسألته عما إذا كان يخشى حربا أهلية فلسطينية، فتساءل عما إذا كنت أخضعه لاستجواب. كانت حرارة المقابلة ترتفع مع كل سؤال، ولاحظت أن مساعدي الزعيم الفلسطيني يحملقون باتجاهي، وبعد لحظات بدا وكأني قد ضغطت الزر الأحمر. كان سؤالي عن الناشط الفلسطيني رائد قرني الذي تردد أنه رهن الاعتقال ثم اتضح بعد ذلك أنه مطلق السراح. عندها انفجر عرفات قائلا «هذا ليس عدلا، لماذا أتيت إلى هنا بهذه الأسئلة السيئة؟». كان ردي احتجاجيا وقلت إن هذا السؤال هو الذي يطرحه كل مبعوث غربي، لكنه قال في نوبة غضبه وهو يلوح بإصبعه في الفراغ بيني وبينه «انتهت المقابلة». سألته وأنا أبدي إصرارا هادئا، ماذا عن القدس؟ ورد صارخا «ستزورينني هناك في عاصمتي». أعتقد أن السبب الجزئي لتصاعد الغضب خلال المقابلة، كان رغبة عرفات في الخروج من مأزق السؤال، إضافة إلى أنه يعتقد مثل جميع الفلسطينيين أن العنف ليس هو القضية وأن الغرب قد تبنى منطق إسرائيل ولم ير فيما يحدث ما يجب أن يراه وهو أنه مقاومة عادلة للاحتلال الإسرائيلي. انتهت المقابلة ورأيت خلالها لمحة من شخصية مقاتل، وأنا أغادر طبع عرفات قبلتين على وجنتي ووقع لي بعض الصور. بي.بي.سي