للرئيس المصري خبرة طويلة في التعامل الفطن مع اسرائيل وهو دائما يتحرك ونصب عينيه نصائح مستشاريه المتابعين لتفاصيل المشهد الاسرائيلي ويدركون ابعاد الخريطة المعرفية للعدو بشكل كامل «على رأسهم بالطبع الدكتور أسامة الباز». واذا نجح الرئيس كقائد للقوات الجوية في حرب 73 في اختراق الجبهة الاسرائيلية واستغلال الثغرات في صفوف قوات الاحتلال التي لم تكن تتوقع قدرة مصر على الهجوم مجددا لتحرير الأرض بعد النكسة، فقد نجح أيضا في استغلال التناقضات والتباينات بين شامير وبيريز لكي يؤكد عودة اخر شبر من طابا للسيادة المصرية وكان ذلك بعد أن وافق الفريق كمال حسن على والدكتور بطرس غالي على مشاركة تحكيم غير ملزم حيث شدد على رفضه «عند عودتهم من لقاء لهما بشامير»على اللجوء الى محكمة ذات قرارات ملزمة وليست توصيات، وهي اللحظات التي اعترف اسحق شامير في مذكراته «خلاصة الأمر» بأنها كانت لحظة أدرك فيها ان اسرائيل ستفقد طابا لكنه اضطر للموافقة حفاظا على الحكومة الائتلافية مع بيريز. رسام «هآرتس» عبر عن الموقف آنذاك بتصوير الرئيس مبارك وهو يخوض سباقاً نحو طابا من فوق ظهر لنش سريع كتب عليه «التحكيم» بينما كان شامير بقامته القصيرة يحاول دون جدوى اللحاق به سباحة. وكان مبارك كما كشفت مؤخرا وثائق اسرائيلية استطاع احباط الانسحاب من سيناء أو حتى زيارة اسرائيل بعد رحيل الرئيس السادات، ولم يستجب لأي ضغوط أمريكية في هذا المجال. أيضا كان لحنكة وثقل مبارك دور اساسي في منع المواجهة العسكرية بين سوريا وتركيا المتحالفة صراحة مع اسرائيل حينما استقبل عسكريين اتراك بارزين وأخبرهم صراحة بأنه في حالة حدوث مواجهة سيطبق المثل الشعبي المصري القائل: «أنا وأخي على ابن عمي». الأسابيع الماضية شهدت تحركا مصريا ملحوظا نحو القوى المعتدلة في اسرائيل لتنشيط فعاليتها التي خبت تماما منذ سقوط باراك في الانتخابات فزار زعيم المعارضة «يوسي» ساريد زعيم حزب ميريتس اليساري» القاهرة ومعه وزير العدل السابق وأحد مهندسي أوسلو يوسي بيلين في محاولة لحصار شارون وممارسة الضغط عليه من الداخل، أيضا استقبل زعيم حزب العمل المنتخب بينامين بن اليعازر ليتصاعد الحديث عن الانسحاب من حكومة شارون واجراء انتخابات جديدة وليخرج اليعازر ليصرح على الفور بتصريحات يمكن اعتبارها خطوة على الطريق في ظل الجمود التام طوال العام الماضي والشهور التي سبقته خاصة اشارته ـ وهو العضو في حكومة شارون ـ لسيره على خطى رابين باراك. جهود مبارك لاستغلال التباين الطفيف في المواقف الاسرائيلية دفعت حتى عددا من الاقلام الاسرائيلية المؤثرة للاعتراف بجهوده لاحلال السلام والقاء كرة تحمل مسئولية الفشل لدى ملعب شارون بعد حملات شرسة للهجوم على مصر أو النيل من مبارك والتحريض لدى أمريكا. ونحن نمر بمرحلة مفصلية من تاريخ الأمة نحتاج لحكمة الرئيس مبارك وخبرته ولكن في الوقت نفسه على الاسرائيليين أن يستجيبوا ليده الممدوة بالسلام وأن يتذكروا انه بالاضافة لخبرته السياسية فانه رجل عسكري من الطراز الأول. أحمد فؤاد