العدل الإسرائيلية العليا تعطي الضوء الأخضر للاغتيالات

ذلك ما ورد في مقال نشرته صحيفة «هآرتس» العبرية لمراسلها المختص في حقوق الإنسان حديمون ليفي تعليقاً على تنصل محكمة العدل الإسرائيلية العليا من قضية الاغتيالات ضد الفلسطينيين، وهو ما أطلق يد ارييل شارون وجيشه في هذه السياسة وكل ذلك يتم بدافع ان القانون الدولي ينطبق على كل دول الأرض باستثناء الدولة العبرية. يقول حديمون ليفي ما نصه: ابن قاضي محكمة العدل العليا ميشال حشين يخدم في المناطق على ما يبدو. هذا ما قاله القاضي نفسه على أية حال خلال المداولة التي جرت في المحكمة حول الالتماس الذي قدم لمحكمة العدل العليا ضد الاغتيالات في الاسبوع الماضي. «ابني دخل لهذه المنطقة وأنا لا اريد ان أحدق حياته بالخطر» قال القاضي في معرض رده على ممثلة مقدمي الدعوى التي سألته عن سبب عدم اعتقال اسرائيل للمطلوبين بدلا من تصفيتهم. هذه ليست المرة الاولى التي يزج فيها القاضي حشين بأبناء عائلته في قضايا قضائية: قبل اكثر من عامين وخلال التداول في التماس عشيرة الجهالين الذين طردوا من اراضيهم في الخليل لافساح المجال امام توسيع مستوطنة معاليه ادوميم قال القاضي ان شقيقه يسكن هناك. ولكن ادخال أبناء عائلات القضاة في اعتباراتهم القضائية لم يكن البشرى الاكثر خطورة التي تصدر عن مداولات محكمة العدل العليا في قضية التصفيات. الامر الاكثر خطورة كان قرار محكمة العدل العليا بعدم التدخل في هذه القضية. محكمة العدل العليا رفضت التماس رئيس كتلة حداش في الكنيست محمد بركة وسهام ثابت أرملة الدكتور ثابت ثابت الذي قامت اسرائيل بتصفيته، في اصدار أمر بايقاف الاغتيالات. القضاة الياهو ماتسا وأدموند ليفي وحشين قرروا ان محكمة العدل العليا لم تعتد التدخل في المسائل القتالية. هذه بشرى سيئة لأنصار سيادة القانون والقضاء في اسرائيل. جيش الدفاع والأذرع الامنية يستطيعون من الان فصاعدا ان يفعلوا كل ما يجول بخاطرهم - القتل، التدمير، القصف - فمحكمة العدل العليا لن تتدخل. وماذا سيفعل الآن من يعتقد ان اسرائيل تقوم بارتكاب جرائم حرب؟ لمن سيتوجه؟ من الذي يستطيع ان يحول باسم القانون دون تنفيذ أوامر لاقانونية صارخة، من الشاكلة التي يقوم انسان ذو رصيد امني بارز مثل عامي ايلون بالتحذير منها الان ويعبر عن أسفه لان نسبة الرافضين ليست اكبر من الموجود؟. وها هي محكمة العدل العليا تصرح بأنها لن تتدخل في القضايا القتالية. بعد هذا القرار لم تبق الا وسيلة واحدة لمن يسعى لايقاف ما يبدو في نظره كجريمة حرب، ألا وهي التوجه لمؤسسات قضائية في دول اخرى مثل المحكمة البلجيكية او المحاكم الدولية مثل محكمة لاهاي. سيكون من الصعب القول ان مناصري حقوق الانسان في اسرائيل يقومون «بالوشاية» لمؤسسات قانونية اجنبية. ففي دولة اسرائيل لا يوجد من يتوجهون اليه بعد قرار محكمة العدل العليا بصدد الاغتيالات. هناك حاجة لذريعة من أجل التدخل «قال القاضي ماتسا خلال المداولات. قتل 48 مطلوبا حتى الان ومن دون محاكمة و26 غيرهم كانوا بالصدفة في مكان الاغتيال (حسب معطيات المجموعة الفلسطينية لحقوق الانسان، فجيش الدفاع لا يوفر معطيات حول حجم الظاهرة) ليس «بالذريعة» الكافية في نظر السلطة القضائية العليا في اسرائيل من اجل البحث في قضية اشكالية الطابع بمثل هذا المستوى. حكومات متحضرة كثيرة ترى في التصفيات جريمة حرب، بينما لا يوجد استعداد لدى محكمة العدل العليا في اسرائيل للتعبير عن رأيها في هذه المسألة. بذلك تقوم المحكمة العليا باضفاء الشرعية على هذه الآفة وتسجل نقطة انعطاف اخرى في طريق التدهور الخطير في وضع الحفاظ على القانون والقضاء في اسرائيل. نصف حلم اسحق رابين حول دولة «من دون محكمة عدل عليا ومن دون بتسيلم» يتجسد شيئا فشيئا. هذه ليست المرة الاولى التي ترفض فيها محكمة العدل العليا التدخل لمنع تنفيذ جرائم حرب فظيعة. الامر تطلب خمس سنوات للوصول الى الاستنتاج بأن تعذيب المعتقلين في اقبية «الشباك» ليس قانونيا، هذه السنوات التي رفضت فيها هذه المحكمة التداول في هذه القضية مرة تلو الاخرى. وفي صبيحة يوم صاف قررت المحكمة العليا ان التعذيب غير قانوني من دون ان تكلف نفسها عناء توضيح السبب الذي دفعها لذلك فجأة بعد ان تم تعذيب آلاف الفلسطينيين. الآن يبدو هذا القرار المتأخر ايضا غريبا: لماذا كانت التعذيبات مسألة يمكن أخذ حكم فيها بينما لا يمكن أخذ قرار بصدد التصفيات؟ أوليست التعذيبات هي ايضا جزء من مكافحة الارهاب؟. علم أسود يرتفع الآن فوق محكمة العدل العليا. دولة تصفي عشرات الاشخاص بدون محاكمة بمن فيهم ليس فقط من يكون في طريقه الى تنفيذ عملية، بل كل من يعد في نظر محافلها الامنية ابن موت، ليست دولة قانون. ومحكمة عليا لا تقول قولها في هذا الموضوع تخون وظيفتها. مصطفى ياسين، الذي قتل في مدخل منزله في أغسطس الماضي على أيدي قوات حرس الحدود لم يكن ابن موت. فهو لم يكن مسلحا ولم يكن يرتدي سوى بنطال قصير. والى جانبه وقفت زوجته ورضيعه. وحتى اليوم لم يوضح اذا لم يكن قد ارتكب خطأ في التشخيص في حالته. الطالب أنور حمران الذي صفي في مدخل جامعته في نابلس، ودفاتره في يده، لم يكن حسب الشهادات في طريقه الى تنفيذ عملية. ودراسة قانونية لهذه الاعمال كان بوسعها ان تتم فقط في المحكمة العليا. واذ هي تبعدها عنها، فان المحكمة تترك ساحة الكفاح ضد الارهاب لقوات الامن، دون ان تضع أي كابح قانوني على اعمالهم. الجيش الاسرائيلي لم يعد تقريبا يحقق في مثل هذه الحالات، اما القانون الدولي فينظر اليه عندنا كقانون ينطبق على كل العالم باستثناء اسرائيل، والان المحكمة العليا تهرب من أداء مهمتها وتقول ايضا لمحافل الأمن: المهم ان يشعر ابن القاضي حشين بالأمان.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات