لماذا تغافل الكونجرس عن ضبط التمويل المشبوه ،بقلم: د. محمد وقيع الله

عندما التقى رئيس مجلس النواب الأمريكي دينيس هاستيرت في الاسبوع الماضي بالرئيس بوش، ناقش معه مسودة قانون التمويل الانتخابي الجديد الذي من المنتظر ان يناقشه الكونجرس ويقره، وقد افضى رئيس مجلس النواب الى بوش بأن المواد المضمنة في تلك المسودة ، ليست في صالح الحزب الجمهوري وانها قد تؤدي الى ان يفقد الحزب مقاليد السلطة، وقد طلب هاستيرت من بوش ان يضغط على نواب الحزب في مجلس النواب ليطالبوا بتعديلات اساسية على مواد تلك المسودة. ولا شك ان رئيس البرلمان قد اشار الى تلك المواد التي تمنع الاحزاب من استلام التبرعات «الناعمة» وتبرعات الشركات والاتحادات المهنية والمصلحية وتلك التي يجود بها بعض الافراد الاغنياء، ولابد انه اشار كذلك الى تلك المواد التي تحدد اساليب التصرف في الاموال التي تستلمها الاحزاب سواء اكان في مقراتها القومية او لدى فروعها بالولايات. ومن المواد التي سيتضرر منها الجمهوريون كثيرا تلك التي تمنع الاتحادات المهنية والمصلحية من اذاعة الدعايات التلفازية لصالح المرشحين السياسيين، خلال الستين يوما الاخيرة للانتخابات النهائية، وخلال الثلاثين يوما الاخيرة خلال الانتخابات التمهيدية، لذلك فان الجمهوريين هم في اشد الحاجة لتلك الاعلانات، هذا بينما لا يحتاجها الديمقراطيون بنفس القدر، لأن النقابات المؤيدة لهم تستطيع ان تخدمهم بشكل فعال عن طريق الاعلانات مدفوعة الاجر. ولا يعني هذا بالطبع ان الديمقراطيين لن يتضرروا من صدور أي قانون جديد يحدد حجم التبرعات، ويشدد الرقابة على استلامها والتصرف فيها. فقد كشفت آخر التحقيقات عن حجم المبالغ الهائلة التي استلمها نواب ومرشحون ديمقراطيون من شركة «انرون» وهي المبالغ التي يتسابقون حاليا على ارجاعها لدرء الفضيحة عنهم، وبعض هؤلاء اعلنوا انهم لن يتمكنوا من ارجاع تلك المبالغ كاملة اما لأنها اضخم من ان يتمكنوا من استعادتها وارجاعها لـ «انرون» او لانهم عندما ستلموها قاموا بصرفها في اغراض اخرى اوسع من اغراضهم الانتخابية الذاتية. اوضح الامثلة على ذلك هي حالة جيري ديفير حاكم ولاية كاليفورنيا، الذي اتضح انه استلم مبلغ 119.500 دولار من «انرون»، ولكنه يجادل الآن بأنه انما صرف ذلك المبلغ على المؤتمر القومي للحزب الديمقراطي، حيث اعان ذلك المبلغ على اقناع قادة الحزب يعقد المؤتمر في كاليفورنيا، وهو امر يعد في حساب الكسب الذاتي لديفر حيث انه اسهم في تدعيم موقفه بذلك الحشد، ولكنه يزعم الآن ان المبلغ صرف على الحزب بأسره، ولم يصرف على حملته الانتخابية التي خاضها لنيل منصب حاكم تلك الولاية، وقد ذكر ديفز انه لا ينوي على الاطلاق ارجاع ذلك المبلغ الضخم لـ «انرون» وان المبلغ الذي يمكن ان يرجعه لا يتعدى خمسمئة دولار تبرعت بها «انرون» مباشرة لصالح حملته الانتخابية. نحو حل وسط لكن مهما يكن فان الديمقراطيين هم الذين يقودون الحملة الحالية في مجلس النواب لاقرار مشروع القانون الجديد الذي يمنع تسرب «الاموال الناعمة» من الشركات الى المرشحين او الاحزاب التي يمثلونها، ويواجه ذلك المشروع بمعارضة شرسة من الجمهوريين الذين يملكون الاغلبية المطلقة بمجلس النواب، ويحاول البعض ان يصل بالمشروع الى حد التوافق المقبول، وذلك با رجاء موعد سريانه الى العام المقبل، وذلك مما يعني ان أثره لن يسري على انتخابات الكونجرس الجزئية التي ستجري في نوفمبر المقبل، وهي الانتخابات التي جمعت لها سلفا اقدار طائلة من الاموال يطالها ذلك القانون. ومن طريف ما جرى في سياق تلك المداولات الخلفية ان النائب الجمهوري ديفيز الذي يعارض اقرار المشروع توعد النواب الديمقراطيين بانهم سيكونون المتضررين اولا واخيرا من اقراره لانهم الاحوج للمال، اما الجمهوريون فهم في اشخاصهم سليلو الطبقات البرجوازية العليا، التي تسيطر على مصادر الثروة في المجتمع، وبالتالي فانهم سيتمكنون بشكل او بآخر من جلب الاعتمادات المالية لتسيير حملاتهم، بخلاف المرشحين الديمقراطيين الذين يعوزهم ذلك الامتياز الطبقي الرفيع.. وهذا التهديد وان بدا طريفا للمراقبين الا انه قد يفعل فعله في اثناء الديمقراطيين عن الاصرار على امضاء ذلك القانون، وحتى الآن فانه من غير المؤكد ان كل الاعضاء الـ 218 الذين تقدموا بمشروع القانون سيصوتون لصالحه، لأن بعضهم صرح بأنهم يريدون فقط لفت الانتباه الى تلك المسألة ومراجعتها وبحثها من جديد، ولم يتعهدوا بالتصويت لصالح المشروع على علاته. هكذا تبدو ضغوط المشروع في ان ينال الاجازة الكاملة والعاجلة ضعيفة الى حد كبير، وبينما اكد النائب ميهان الذي سيسمى مشروع القانون باسمه، ان حملة ضارية ستشب في ساحة الكونجرس في شأن المشروع فان النائب الجمهوري ثوم ليفي «ثالث اقوى النواب الجمهوريين» اكد انه سيبذل كل ما بوسعه لكي يلحق اشنع هزيمة بذلك المشروع وأعلن انه سيقوم بمهمة تقسيم العمل وسط زملائه لاحباط ذلك المشروع، واما رئيس مجلس النواب دينيس هاستريت فقد اعلن عن فتح باب النقاش حول الموضوع لمدة يومين على منابر مجلس النواب متوقعا اندلاع جدالات وسجالات شرسة حول الموضوع الذي يمكن ان يؤدي الى خسارة الجمهوريين لاغلبيتهم الضئيلة في مجلس النواب كما خسروها في مجلس الشيوخ وهو امر سيتضرر منه هاستريت شخصيا بفقدانه لرئاسة مجلس النواب. ان عنف المعركة بمجلس النواب ستكون بحجم تصاعد المخالفات الاخيرة، سواء اكانت المخالفات الجريئة لشركة «انرون»، او المخالفات الاجمالية للشركات التي تصاعدت بمجمل تبرعاتها المشبوهة من مبلغ 86 مليون دولار في 1992 لتصل الى 500 مليون دولار في انتخابات عام 2000، وقد تصاعدت تلك المخالفات في غفلة المشرعين وتغافلهم عن الموضوع لمدة قاربت الثلاثين عاما. التغافل الطويل لقد كانت اخر مرة اجريت فيها تعديلات على موضوع التبرعات الانتخابية في عام 1971 حيث عدل قانون المساهمات لانتخابات لعام 1925 الذي كان يضع حدا اقصى بمبلغ 25.000 دولار للحملة الانتخابية لأي مرشح لمجلس الشيوخ و15.000 لاي مرشح لمجلس النواب، وقد كانت تلك المبالغ غير واقعية، وبالغة الضآلة لذا تواطأ المرشحون كما تواطأت السلطات على تجاوزها وتخطيها ولكن كان لابد من ضبط تلك التجاوزات عندما طغت وترافقت مع ازمات الفساد السياسي الهائل التي شهدتها تلك الفترة. جاء القانون الانتخابي لعام 1971 ليلزم جميع المرشحين لمواقع فيدرالية بالتبليغ فورا وتفصيليا عن جميع المبالغ التي يستلمونها وعن بنود الصرف التي انفقوها فيها، كما حدد ذلك القانون المبلغ الذي لا يمكن ان يتخطاه اي مرشح في صرفه على أجهزة الاعلام. وبعد عامين ونصف اصدر الكونجرس قانونا اخر حدد سقف الصرف على الحملات الانتخابية الرئاسية، سواء في مرحلة التصفيات الاولى او النهائية، وقد منح ذلك القانون تغطيات مالية فيدرالية كاملة لتكاليف التصفيات الاولى للمرشحين، وهي في العادة تكاليف محدودة مقارنة مع تكاليف التصفيات النهائية، وفي حالة رفض المرشح لاستلام تلك التغطيات الحكومية، فانه يعفى من السقف المالي المفروض لحملته الانتخابية، وقد اسس هيئة فيدرالية مصغرة مكونة من ستة اشخاص يعينهم الرئيس للاشراف على استلام وصرف تلك الاموال. ووضع ذلك القانون حدا اقصى للمبلغ الذي يمكن ان يتبرع به اي مواطن «سنويا» لصالح اي مرشح وهو الف دولار فقط، وعشرين الف دولار للجنة القومية للحزب، وخمسة الاف دولار لاي لجنة سياسية، ولا اكثر من خمسة وعشرين الف دولار لجميع تلك الاغراض، وقد جاء في تعليل ذلك البند من القانون انه استهدف منع تغول الشركات على الارادة السياسية للامة واكتسابها نفوذا سياسيا تستغله لمضاعفة نفوذها الاقتصادي. سمح القانون لأي مرشح رئاسي ان يستجلب تبرعاته من عشرين ولاية على الاقل في حدود خمسة الاف دولار في المجموع، وبعد ذلك يستحق ان تغطي الحكومة الفيدرالية 50% من تكاليف حملته الانتخابية، وفق الحد الاقصى المسموح، ولكن هذا الحد الاقصى المسموح به لا يمثل في العادة الا جزءا صغيرا من جملة الانفاق الفعلي، ولذلك جرت العادة ان يلتف المرشحون حول القانون بالاستمداد مما يسمى في الثقافة السياسية الامريكية بالتبرعات او الاموال الناعمة مثل تلك التي اسرفت «انرون» في اغداقها على المرشحين. وهكذا مرة ثالثة برهن قانون التبرعات الانتخابية على عدم واقعيته، وعدم تلبيته للحاجة الملحة للانفاق العالي الذي تتطلبه تلك الحملات، الذي بلغ عدة بلايين من الدولارات في الحملة الانتخابية الرئاسية الاخيرة واذا كان البعض قد اشتكى مرارا من ضخامة ذلك الانفاق، الا ان الساخرين من الجمهوريين لا يسأمون من ترديد حجتهم بأن الصرف على الانتخابات وعلى الديمقراطيين، والاحزاب لا يزال اقل من عشر ما يصرفه الامريكيون سنويا على شرائح «البيتزا» واقل من جملة ما يصرفونه على مشروب كوكاكولا!! وهو بالتالي انفاق محدود ولا ينبغي ان يثير أي انزعاج لدى الشعب الامريكي. وان حجة الجمهوريين حجة زائفة ولا شك ان الانفاق على البيتزا والمشروبات الغازية ليس له مردود افسادي على النظام العام، اما الانفاق على المرشحين والاحزاب من قبيل الشركات والافراد الاثرياء فقد ثبت بما لا شك فيه انه افسد ويفسد ذمم وسلوكيات الكثير من السياسيين واصحاب المناصب العامة، وقد جاءت كارثة «اترون» بمثابة اثبات جديد، وناقوس قرع في رؤوس رجال الكونجرس، ودفع بهم الى تدبر الامر من جديد، بقصد اصدار تشريع بضبط موارد ومصادر الانفاق الانتخابي، وهكذا اجبر الكونجرس اخيرا على بحث شأن ظل يتغافله كثيرا، واذا كان الكونجرس مشغولا طوال هذا الوقت عن ضبط نفسه بضبط الآخرين! ـ استاذ العلاقات الدولية ـ الولايات المتحدة

طباعة Email
تعليقات

تعليقات