واشنطن تسعى إلى ترقيع ثقوبها بتصدير الأزمات إلى الخارج ، بقلم: رضي الموسوي

بدون مقدمات معلنة انهارت شركة انرون النفطية العملاقة التي تدر دخلا سنويا يصل الى مئة مليار دولار، وهو دخل يعادل دخل العديد من دول العالم الثالث. انهارت «انرون» بشكل دراماتيكي مفاجئ يشبه انهيار برجي التجارة العالمية في نيويورك اثر الهجمات التي تعرض لها في الحادي عشر من سبتمبر الماضي، وكأن الحالتين تريدان ايصال رسالة مفادها ان الاشياء أو حتى الدول يمكن ان تنهار بطرق سينمائية مثيرة ومدهشة، مثلما تبخر نظام حركة طالبان في افغانستان، وكما انهارت دولة كبرى في امريكا اللاتينية هي الارجنتين. ثمة معطيات يجب التأكيد عليها عندما يجري الحديث عن موضوع مثل انهيار شركة من اكبر سبع شركات في الولايات المتحدة الامريكية، كانت تقود سوق الاوراق المالية «البورصة» وتفرخ المزيد من الشركات المتابعة لتعطي دليلا على صحتها وعافيتها التي تهالكت في غمضة عين. فبعد الانهيار المدوي للشركة العملاقة تكشفت حقائق مذهلة تدلل على ان المجتمع الامريكي ليس مكونا من مجموعة من الملائكة، بل ان الشياطين يمكن ان يصلوا الى سدة القرار، وان الاشرار يمكن لهم التلاعب بمزاج القرار الامريكي في أعلى مستوياته. ففي دراسة انجزت بتكليف من شبكة الـ «سي.ان.ان» الاخبارية افادت بأن مديري «انرون» التنفيذيين باعوا ما قيمته 1.3 مليار دولار على شكل اسهم في السنوات الأخيرة، وقد حصل رئيس الشركة على ما مجموعه 119 مليون دولار امريكي. وفي دراسة اخرى اجراها صحفيون وخبراء في العلوم السياسية بالولايات المتحدة، حول تمويل مصادر وتمويل الحملات الانتخابية لاعضاء الكونجرس الحاليين، افادت ان 212 عضوا من اصل 248 يشغلون مقاعد في اللجان الاحدى عشر التي تحقق في قضية «انرون» تلقوا تبرعات مالية من هذه الشركة، وكذلك من شركة «آرثر اندرسون» المحاسبية التي تولت تدقيق حسابات «انرون». أي ان الفضيحة قد وصلت الى مستويات النخاع الأمريكي، يضاف لذلك ما تسرب من ان التبرعات المالية لشركة انرون وهبت اغلبها لصالح الحزب الجمهوري، وان نصف تكاليف الحملة الرئاسية والتشريعية عام 2000م قد جاءت من ذات الشركة، وبذلك يعتبر الرئيس بوش الابن اكبر المستفيدين من هذه التبرعات «المليونية». من هنا يمكن فهم التعهد الذي اطلقته ادارة الرئيس الامريكي. بحجب الوثائق المتعلقة بخطتها لتطوير قطاع الطاقة عن المحققين التابعين للكونجرس الذين اوكلت لهم مهمة النظر في فضيحة «انرون»، كما يمكن من ذلك ايضا معرفة سبب رفض نائب الرئيس ديك تشيني، الذي ترأس اللجنة الوطنية لصيانة الخطة في العام الماضي، تقديم أي وثيقة بما فيها الوثائق التي تدور حول الدور المناط لشركة «انرون» في تحديد السياسات المنصوص عليها في الخطة، حيث برز تشيني ذلك بأنه لو فعل لأحجمت شركات القطاع الخاص عن التعاطي مع الادارة. ومن الطبيعي انه وفق اللعبة الديمقراطية والقضائية ان يقدم المحققون على اطلاق تهديدات ضد الادارة الامريكية اذا امتنعت والادعاء عليها امام المحاكم المختصة. لقد انهارت شركة «انرون» وتضاءلت الثقة في شركات التدقيق التي غطت على التلاعبات المالية واخفت وثائق واتلفت اخرى لتغطية حقائق الفضيحة، مما ادى الى انهاء الحياة العملية لرئيسها ومديرها التنفيذي «كين لاي» الذي استقال، ونائب الرئيس السابق «كليف باكستر الذي انتحر». كل ذلك حصل لكن السؤال يبقى قائما ولا يمكن التستر عليه او التجاوز عنه: لماذا حصل كل ذلك في اكبر الديمقراطيات في العالم؟ وكيف تغلغلت شركة واحدة في اضلاع الادارة الامريكية والكونجرس؟ وهل كانت عملياتها بهذا الحجم من التعقيد بحيث تقفز «انرون» الى الرقم «7» على لائحة «فورتشن» الخمسمئة خلال خمسة عشر عاما؟ وهل الفساد في العالم المتقدم يقوم على عناصر اخرى غير تلك التي يقوم عليها في العالم الثالث؟ اسئلة كثيرة تحتاج الى المزيد من البحث والتدقيق التي بدأت هناك، في الولايات المتحدة الامريكية، والتي تتهيأ لفضيحة اخرى ولو انها اصغر من فضيحة «انرون»، حيث اشارت الانباء الى ان رئيس شركة «ياهوانكوربوريشين» للانترنت قد باع 500 الف سهم بعد ان اعلن انه سيترك منصبه. بيد ان الاسئلة الاكثر الحاحا تلك المتعلقة بالعالم الخارجي على طريقة: هل يمكن التكهن بأن ادارة البيت الابيض التي توجه لها سهام الاتهام في فضيحة «انرون» سوف تقدم على تصدير ازمتها للخارج؟ وما هو هذا الخارج المحتمل ضربه بعد ان كادت الحرب في افغانستان تضع اوزارها؟ التسخين الذين تجريه الولايات المتحدة ضد دول عربية واسلامية تؤكد على ان غيوما «تتلبد في السماء» وان ضربة ستوجه للعراق بشكل قاصم، حيث ان القرار قد اتخذ في اعلى المستويات الامريكية، وقد أعلمت الدول الغربية بهذا القرار، اضافة الى بعض الدول الحليفة في المنطقة، في حين ان عملية التنفيذ تنتظر التوقيت الامريكي الملائم داخليا. وفي اغلب الأحيان سوف تتكرر سيناريوهات فضيحة «مونيكا جيت» عندما كانت الطائرات الامريكية تقصف العراق بالتزامن مع فتح المزيد من ملفات تلك القضية ضد الرئيس السابق بيل كلينتون. ان الحال التي وصلت اليها الاوضاع بعد الحادي عشر من سبتمبر تؤكد على ان الاجندة الامريكية طويلة وسوف تختلط فيها الكثير من الاوراق، ولن تكون فضيحة «انرون» بعيدة عن الاجندة حتى وان جاءت متأخرة، بل قد تكون الآن قد قفزت الى سلم أولويات الادارة الامريكية، وعليه فان توتير الاجواء في المنطقة سوف يحمل ابعادا متعددة الاوجه، اذ يأتي في مقدمتها خلق حالة رعب في اوساط الانظمة التي اطلق عليها الرئيس الامريكي «محور الشر» ثم اشاعة هذا الخوف الى المحيط الخارجي القريب من اجواء هذا المحور لتتم بعد ذلك ضربة احدى الدول المرشحة وقد تكون العراق حسب بعض التسريبات، وسوف يطلب من دول الخليج النفطية تسديد فاتورة الحرب القادمة بعد ان اصبح من المؤكد انها سوف تدفع مبالغ كبيرة لاعادة اعمار افغانستان. وقد عبدت الدول الصناعية الطريق لهذا الابتزاز الجديد من خلال البيان الختامي الصادر عن مؤتمر مجموعة الدول هذه قبل ايام عندما اكدت على انها «ستواصل العمل مع الدول المانحة الاخرى لتسوية موضوع اعادة تكوين صناديق جمعية التنمية الدولية ـ فرع البنك الدولي، لمساعدة الدول المنكوبة». بعد الحادي عشر من سبتمبر، على العالم ان يتوقع المزيد من الاستهتار الامريكي لجهة فرض اولوياته على كل العواصم بما فيها اكثر الاصدقاء والحلفاء، وليس امام هذا العالم من مخارج سوى التفكير الجدي في خلق تحالفات خارج المظلة الامريكية التي يريد البيت الابيض ترقيع ثقوبها الداخلية وفضائحها بمزيد من التدخل في الشئون الداخلية للدول الاخرى وخاصة تلك التي تعاني من أنظمة فاسدة يسهل اختراقها وابتزازها. ـ كاتب بحريني

طباعة Email
تعليقات

تعليقات