الملف السياسي: لم يعد الفساد ظاهرة قاصرة على دول العالم الثالث كما يعتقد البعض فخلال العشرين سنة الأخيرة قلما نجد ادارة أمريكية غير متورطة من قريب أو بعيد في فضيحة سياسية أو مالية أو جنسية أو حتى عسكرية!! وكأن قدر من يتربع على عرش السلطة في البيت الأبيض أن تطاله إحدى هذه الفضائح أو أكثر!! وما زالت حاضرة في الذاكرة فضائح وترجيت وايران ـ كونترا ومونيكا جيت حتى وصلنا الى أحدثها إنرون ـ جيت. وإذا كانت بعض الآراء ترى أن الفساد بكافة صوره قد استشرى في نسيج المجتمع الأمريكي فإنه يرجع ذلك الى أنه مجتمع معقد بحكم تكوينه التعددي وتشابك علاقاته الأمر الذي يجعل الظاهر منه أقل بكثير مما هو في الباطن!! على أي حال يظل مكمن الخطورة فيما يمكن أن نسميه بالعلاقات التي تحيط بها الشبهة بين بؤر الفساد والنخبة السياسية في المجتمع الأمريكي!! ولاشك أن البحث في هذه الجزئية يجعلنا نلقي الضوء على فضيحة شركة إنرون للغاز الطبيعي التي تحولت من التجارة والاستثمار في مجال الطاقة الى ادارة الأموال وابرام الصفقات حتى انهارت بشكل سريع في أواخر العام 2001 وأصدرت محكمة في نيويورك حكما يعلن إشهار إفلاسها بعد أن وصلت ديونها الظاهرة الى 3.9 مليارات دولار. وما يعنينا في هذا المقام هو ذلك التساؤل عن وجود علاقة مباشرة أو غير مباشرة بين الادارة الأمريكية الحالية وشركة إنرون؟! لاشك أن «ديك تشيني» نائب الرئيس الأمريكي لديه الكثير من الأسرار التي يرفض الافصاح عنها حول هذه العلاقة للجان التحقيق التي شكلها الكونجرس مما يعني®. أن القضية حتما ستكون واقعا مرا للادارة الحالية في البيت الأبيض عندما تنظر أمام المحاكم الأمريكية®. وقد أشرنا الى تشيني بالذات لأنه هو نائب الرئيس وكان يرأس شركة عالمية للطاقة تسمى «هاليبرتون» لها فروع إقليمية في جميع أنحاء العالم قبل توليه منصبه الحالي. وبحكم تشابك العلاقات فإن الدلائل تشير الى احتمال مؤكد أن تكون هناك علاقة من «نوع ما» بين هذه الشركة وشركة إنرون المنهارة لتشابه نشاط كل منهما وحتى تتضح الصورة نعود الى نقطة البداية®. خلال 15عاما أصبحت شركة إنرون الشركة رقم 7 في حجم الأعمال على مستوى لائحة الشركات العملاقة في الولايات المتحدة ويبلغ عددها نحو 500 شركة، وخلال فترة ازدهار إنرون أثارت اعجاب دوائر التجارة والمال والأعمال وبلغ عدد العاملين فيها 20 ألف موظف وارتفع حجم تعاملاتها حتى العام 2000 الى أكثر من مائة مليار دولار خاصة بعد أن حولت كل أعمالها الى أعمال تجارية مالية ليتعدى نشاطها التجارة في الغاز الطبيعي الى مجالات المياه والفحم والألياف الضوئية والصحافة المكتوبة والسمسرة!! وحتى بداية العام 2001 تراوح سعر سهم إنرون في وول ستريت بين 83 دولاراً و90 دولاراً ولكن الواقع كان مختلفا والحقائق كانت تشير الى أن كل شيء في هذه الشركة كان يقود الى الانهيار وتمثل ذلك فيما يلي: 1ـ تولى قيادتها مديرون تنفيذيون فاسدون. 2ـ طرحت ادارتها خططا طموحة غير قابلة للتنفيذ. 3ـ جرى عقد الكثير من الصفقات في الكواليس دون مراجعة محاسبية بالمخالفة مع القانون. 4ـ صرف عمولات ضخمة بلغت ملايين الدولارات للتغطية على حالة الشركة خاصة شركة «آرثر أندرسون» لمراجعة الحسابات. 5ـ حقق عدد من مديريها أرباحا طائلة عن طريق الاستثمار في صفقات غير مثبتة على الورق وحسب جهات التحقيق لعبت هذه الصفقات دورا كبيرا في تدمير الشركة. 6ـ منح حملة الأسهم أنرون قروضا غير مضمونة أدت الى خسارتهم عشرات المليارات من الدولارات كما أدى الى فقد عدد كبير من موظفي الشركة لأعمالهم وخسروا مدخراتهم التقاعدية التي كانوا يحتفظون بها في شكل أسهم الشركة. نتيجة لكل ما تقدم تعرضت الشركة لأكبر عملية افلاس شركة في التاريخ الأمريكي. ونلاحظ أنه في الوقت الذي كانت تخسر فيه الشركة بالمليارات كان مديروها يحققون أرباحا بالملايين معنى ذلك أن كل من تعامل مع إنرون وقع في عملية «نصب» منظمة!! وكشفت التحقيقات أن شركة أندرسون للحسابات المشار اليها أخفت وثائق تثبت علاقة الشركة المنهارة بجهات أخرى قيل إن من «المصلحة» عدم الكشف عنها!!! والسؤال: هل هذه الجهات هي أسماء في الادارة الأمريكية على رأسها الرئيس جورج دبليو بوش؟! ليس سرا القول أن الرئيس الأمريكي لم يكن فوق مستوى الشبهات فهو على علاقة منذ فترة طويلة بـ «كين لاي» رئيس مجلس ادارة شركة إنرون الحالي وحسب التقارير المثبتة كان من أكبر المتبرعين «الأفراد» لحملتي بوش الانتخابيتين لولاية تكساس وقدم (146) مليون دولار لحملة عام 1994 فقط وكان أكبر الداعمين للحملة الرئاسية العام الماضي ودعم كين حملات بوش الأب الرئاسية في عامي 1998ـ 1992م. وذكر تقرير لمجلة نيوزويك أن كين لاي يمتلك شبكة علاقات واسعة في الكونجرس وخاصة السيناتور اليهودي ليبرمان المرشح المحتمل للرئاسة في الحزب الجمهوري في عام 2004!! وأضاف التقرير أن ليبرلمان حصل في أوائل التسعينيات على مائتي ألف دولار من شركة إنرون!! كما أن فيل جرام الرئيس السابق للجان المصارف في مجلس الشيوخ صديق مقرب من مديري الشركة وثاني أكثر المستفيدين منها بعد كين لاي وتعمل زوجة جرام عضوا في مجلس إدارة إنرون!! وقال تقرير نيوزويك إن علاقة إنرون بالادارة الأمريكية الحالية تعدت بوش الى ديك تشيني نائب الرئيس وكارل روف المستشار السياسي للرئيس والذي سعى الى تعيين كبير مخططي الحزب الجمهوري في منصب رئيسي بالشركة عام 1997!! بهذا الشكل أصبح الرئيس بوش في مأزق حقيقي ولا أعتقد أنه يستطيع أن يبرأ نفسه من علاقته بإنرون أو رئيسها كين لاي. ويصبح من الأفضل أن يعترف بوش بحقيقة علاقته بالشركة المنهارة كما اعترف سلفه بيل كلينتون بعلاقته اللاأخلاقية بالمتدربة مونيكا لونيسكي®. خاصة أن الأمريكيين يرون في إنهيار هذه الشركة أنه نتيجة لتخلي بوش عن إدارة إنرون بعدما تردد أن مسئولين تنفيذيين أجروا إتصالات مع البيت الأبيض لانقاذ الشركة ولكن بوش رفض تقديم أي مساعدة!! فهل هذا معناه أن بوش غير متورط في عمليات مشبوهة مع الشركة أم أنه يحاول التهرب من تورط «ما» وقع فيه بالفعل؟! الإجابة على هذا التساؤل ستكشف عنه التحقيقات القضائية المتوقعة. ويبقى القول ان شركة إنرون اعتمدت لتحقيق النجاح على عاملي المخاطرة والجرأة وهما نفس العاملين اللذين قاداها الى الإنهيار والسقوط حتى الإفلاس التام بعبارة أخرى أن رئيسها كين لاي تصور أن اقترابه من الأوساط السياسية سيمكنه من تخطي أي عقبات قد تعترض طريقه وبواسطة الخلط بين أوراق المال والسياسة ستكسب الشركة وتحقق أرباحا حتى ولو باعت الهواء لأصحاب المال والأعمال. ولكن علامة الاستفهام التي تظل بارزة في دراسة سلوكيات المجتمع الأمريكي هي لماذا تسقط النخبة السياسية دائما في مستنقع الفساد®. حتى يقول القضاء الأمريكي كلمته في علاقة بوش وغيره «بإنرون جيت» من حقنا أن نتساءل ونجتهد في الإجابة!! ـ كاتب مصري