إنرون ومشكلة «الرجل النظيف»، بقلم: ممدوح الشيخ

الملف السياسي: تستمد فضيحة إنرون أهميتها من عدة اعتبارات أولها أنها أكبر حالة إفلاس في تاريخ الولايات المتحدة، فهي واحدة من أكبر عشر شركات في الولايات المتحدة وتأتي في المرتبة السابعة، وقدر حجم أعمالها في العام الماضي، بنحو مئة مليار دولار أمريكي. والتأثير الذي يتوقع أن يحدثه إفلاسها ضخم ومتعدد الجوانب، فالشركة التي يعني إفلاسها بطالة الآلاف من العمال (حوالي خمسة آلاف)، يعني إفلاسها أيضا أضرارا متفاوتة لآلاف أخرى من المتقاعدين والموظفين بها، وكذلك حملة أسهمها. وتشبه عملية التحقيق في الأبعاد السياسية لانهيار إنرون عملية تمزيق أخطبوط ضخم، فعلى المستوى السياسي تشكل إنرون واحدة من أهم المتبرعين للساسة الأمريكيين إذ قدمت منذ عام 1998 حوالي 8،5 ملايين دولار من التبرعات حصل الجمهوريون منها على 73% وحصل الديمقراطيون على 27% ومن بين أعضاء الكونجرس بمجلسيه تلقى تبرعاتها 50% من أعضاء مجلس النواب و75 % من أعضاء مجلس الشيوخ، وهو ما صنع لها نفوذا سياسيا بلغ حداً أن اللجان البرلمانية التي تحقق في فضيحة انهيارها، ويبلغ عددها إحدى عشرة لجنة تضم في عضويتها 248 عضوا، من بينهم 212 عضوا تلقوا تبرعات منها!! ويأتي الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش على رأس المنتفعين من إنرون التي منحته أكثر من ستمئة ألف دولار منذ بدأ حياته السياسية. مشكلة الرجل النظيف وتعتبر فضيحة إنرون الفضيحة الثانية الكبرى التي ترتبط برئيس أمريكي خلال سنوات قليلة، ورغم أن الفضيحة السابقة ( مونيكا جيت ) لم تكن فضيحة مالية إلا أن كليهما تعبير عن ظاهرة واحدة تتسم بها الممارسة السياسية في الغرب هي «البحث عن الرجل النظيف» ، والظاهرة منتشرة على جانبي الأطلنطي بدرجات متفاوتة وشواهدها أكثر من أن تحصى، بدءا من حياة ميتران الخاصة، وتجاوزات هيلموت كول المالية المتصلة بالتبرعات التي كان يتلقاها حزبه، وحكايات جاك شيراك وما يوجه له من اتهامات في ذمته المالية، وقصص بيرلسكوني القادم من عالم المال طازجا (أو طائشا) ليشتري كل شئ في عالم السياسة بالمال وحكاية كلينتون مع المتبرع الإندونيسي و...... ورغم أن القوانين في الدول الغربية لا تتساهل مع الفساد فإن آليات الممارسة السياسية في الغرب تؤدي بشكل بنيوي إلى ولادة مثل هذه الظواهر واستشرائها، فالدور الذي تلعبه أجهزة الإعلام في العملية السياسية جعل خوض الانتخابات (أي انتخابات) تحتاج إلى أموال طائلة والعوائد القانونية للمناصب الرسمية لا تكفي لتمويل هذه العملية. على الجانب الآخر أدى تحول الرسالة السياسية إلى رسالة إعلامية في المقام الأول إلى نتيجة أخطر هي تحول السياسي من شخص حقيقي من لحم ودم إلى «صورة» تصنعها أجهزة الإعلام ويتحكم فيها محترفوها وفقا لاعتبارات مهنية محضة لا مكان فيها لأية اعتبارات أخلاقية. الساسة ومهرجو السيرك وبالتدريج ذهب السياسيون أصحاب الأفكار والقدرات الكبيرة وحل محلهم سياسيون أقرب إلى «مهرجي السيرك» صورة الواحد منهم ملساء مسطحة لا عمق فيها ولا أبعاد لها، وحلت الكفاءة في الاستيلاء على أموال المتبرعين وأصوات الناخبين محل القدرة على الإقناع. ولعبت طبيعة الناخبين دورا كبيرا في تغول الظاهرة فالناخب هو في النهاية مواطن أمريكي يشغله الاستهلاك ولا يعرف عن مجريات السياسة في بلاده إلا أقل القليل، وعندما يسود منطق «التسويق» يصبح السياسي سلعة تبحث عن الرواج بغض النظر عن الوسيلة، وكفاءة تغليف السلعة من العوامل المهمة لجذب المستهلك ( الناخب ) لها. وهكذا يؤدي تغليب منطق الكفاءة وحده إلى وصول أصحاب الأموال إلى غرف صناعة القرار ليحكموا من وراء الستار وتبرعاتهم قادرة على شراء الستار المناسب. وإذا كانت صلة بوش بإفلاس إنرون تثير شهية هواة الفضائح فإن ظاهرة فساد السياسيين في الولايات المتحدة تضع القضية كلها في سياق مختلف، ولنقرأ الإحصاء التالي عن مؤسسة أمريكية ينتمي إليها 435 عضوا ويرجع إلى عام 1998 : ـ 29 اتهموا بالاعتداء على زوجاتهم. ـ 7 اعتقلوا بتهمة النصب والاحتيال. ـ 19 اتهموا بتحرير شيكات بدون رصيد. ـ 117 اتهم كل واحد منهم بالمسئولية عن إفلاس شركتين على الأقل. ـ 3 اعتقلوا بتهمة الاعتداء على أشخاص آخرين. ـ 71 لا يستطيعون الحصول على بطاقات ائتمانية (كريدت كارد) بسبب سوء سجلهم المالي. ـ 8 اعتقلوا في محلات تجارية بتهمة السرقة. ـ 21 يدافعون عن أنفسهم في قضايا متنوعة مرفوعة عليهم. أما المؤسسة فهي الكونجرس الأمريكي الذي يضم 435 عضوا!! وقد أجري هذا الإحصاء في الوقت الذي كان فيه الكونجرس يبحث عزل كلينتون بسبب فضيحة مونيكا. وتكتمل الصورة عندما نعلم أن نيوت جنجريتش رئيس مجلس النواب الذي حاول عدة مرات عزل كلينتون لحقت به هو الآخر فضيحة جنسية مدوية. ثورة المخدوعين مع كل فضيحة سياسية أو مالية تمس مسئولا أمريكيا يشعر المواطنون أنهم خدعوا وعندئذ تظهر المقولات الأخلاقية المبدئية وتشيع، وتكرار هذه الفضائح لم يؤد حتى الآن إلى أن يتسامح معها الرأي العام الأمريكي. وإذا كان الرئيس الأمريكي توماس جيفرسون قد عبر عن ضيقه بنظرة الأمريكيين للسلوك الشخصي لرئيسهم فقال : «إنهم يريدون خصيا في البيت الأبيض» فإن ما تحدثه الفضائح المالية أثر مشابه، ورغم أن أموال التبرعات تشكل عصب العملية السياسية في الولايات المتحدة الأمريكية، فإن اتجاهات لتقييدها تتزايد باستمرار وأصبح هناك اتجاه قوي يدعو لإصلاح نظام تمويل الحملات الانتخابية. وقد بلور هذا التيار مشروع قانون يدعمه 218 عضوا بمجلس النواب الأمريكي يستهدف منع الشركات الكبرى من إفساد الحياة السياسية. والمبادرة ليست الأولى من نوعها، فمجلس الشيوخ سبق له أن وافق على مشروع قانون يمنع استخدام التبرعات التي يطلق عليها الأموال الناعمة، لكن النواب الجمهوريين الأكثر استفادة من هذه التبرعات عرقلوا مبادرة مماثلة. والإجراء الذي اتخذه الكونجرس، لأول مرة في تاريخ الولايات المتحدة، باللجوء للقضاء لإجبار البيت الأبيض على الكشف عن وثائق تتصل بالشركة وعلاقتها بخطة الطاقة، هو بكل المقاييس علامة فارقة في تاريخ السياسة الأمريكية، فللمرة الثانية في سنوات معدودة يكون للقضاء القول الفصل في مسألة حساسة كهذه بعد حسمه معركة الرئاسة بين بوش وآل جور، فكل فضيحة تنبه إلى ثغرة في النظام السياسي وغالبا تسن القوانين لسدها، وتلك ميزة كبرى تميز النظام الأمريكي لكن البنية مازالت تؤدي إلى استشراء الظاهرة، والثغرة التي أحدثتها فضيحة إنرون كبيرة بكل المقاييس. ـ كاتب مصري

طباعة Email
تعليقات

تعليقات