«لولا الشعبية التي حظي بها الرئيس جورج بوش الإبن، بعد حسن تدبيره لأزمة الحادي عشر من سبتمبر التي هزتنا جميعا، لكان اليوم على حافة الإفلاس، كما حدث لشركة إنرون التي دعمته بقوة، حتى أصبح على رأس الولايات المتحدة الأمريكية»، هكذا علق أحد المحللين السياسيين بمركز الدراسات حول اقتصاد العولمة بواشنطن، بعد إعلان شركة إنرون عن إفلاسها في ديسمبر من السنة الماضية، وهو الرأي نفسه الذي عبر عنه الكثيرون في وول ستريت بعد بدء التحقيقات في الفضائح المالية التي كشف عنها انهيار عملاق الطاقة في الولايات المتحدة الأمريكية. فشركة إنرون في شخص مؤسسها ومديرها العام، لم تتوان في تقديم دعمها الكامل لعائلة بوش وتمويل الحملات الانتخابية لجورج بوش الأب والإبن. وفي سنة 1988 وقبل تأسيس إنرون بسنوات قام كينيث لاي مؤسس الشركة بجمع الأموال اللازمة لتمويل حملة بوش الأكبر الانتخابية. وتبرع بعد ذلك بـ 122 ألفاً و500 دولار لصالح دعم ترشيح بوش الإبن لمنصب عامل على ولاية تكساس. ومنذ سنة 1993 إلى حين تنصيب جورج دبليو بوش رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية، وصلت مساهمة كينيث في الحملة الانتخابية الجمهورية إلى مليوني دولار. راهنت إنرون منذ البداية على غطاء سياسي جيد لتسلق الهرم الاقتصادي العالمي وليس الأمريكي فقط بسرعة صاروخية، وضخت ملايين الدولارات داخل النظام السياسي الأمريكي وكسبت تأييد الكونجرس والبيت الأبيض والهيئات التشريعية، لتصل نفقات الترويج التي تصرفها إنرون إلى ملياري دولار سنويا شملت عددا من كبار الاستشاريين من بينهم عمدة مونتانا السابق وزعيم الأغلبية توم ديلاي. وحسب الـ «واشنطن بوست» التي أذاعت هذه الأرقام فإن قيمة تبرعات إنرون من هدايا الأحزاب والمنظمات السياسية قفزت بصورة حادة من 136 ألف دولار خلال عام 1993 إلى 687 ألف دولار سنة 1996 وأصبحت 107 ملايين دولار سنة 2000. والأكيد أن مسيري إنرون كانوا يتقنون اللعبة السياسية أكثر من اللعبة الاقتصادية، ويتركون بصماتهم على كل شخصية بارزة أو نافذة يمكن أن تكون هي ذاتها استثمارا في المستقبل أو واسطة لتحقيق أهداف الشركة. وبالتالي فعلاقات إنرون الوطيدة لم تكن تقتصر على الحزب الجمهوري، بل كانت تمتد إلى أعضاء الحزب الديمقراطي. وتذكر التقارير الصحفية أن رئيس الشركة كينيث لاي، مارس غير مرة، رياضة الجولف برفقة الرئيس السابق بيل كلينتون، كما أن شركة إنرون مولت لجان تنظيم الحملات الانتخابية للحزب الديمقراطي بملايين الدولارات، وسبق أن تخلت الشركة خلال انتخابات مجلس الشيوخ عن تأييدها للسناتور الجمهوري ألفونس داماتو لفائدة الديمقراطي شومر الذي أيد أهداف إنرون في تحرير أسواق بيع الكهرباء بالجملة وقدمت له مساعدات بقدر 7 ألاف و500 دولار لتمويل حملته الانتخابية. نتائج الاستقطاب السياسي الذي مارسته الشركة العملاقة كانت باهرة حتى حدود سنة 2000، فقد استطاع أكبر مسئوليها التغلغل داخل الإدارة الأمريكية وأصبح كارل روف الذي يحوز لوحده أكثر من 100 ألف دولار من مدخرات إنرون حسب يو.إس.أي توداي، مستشارا سياسيا للرئيس بوش، بينما تقلد ماكس يزاجيوري الرئيس السابق لإنرون منصب السكرتير العام لوكالة الطاقة الأمريكية أما توماس مايت الذي غادر انرون خلال شهر مايو المنصرم فقد أصبح مستشارا في الشئون الحربية لدى جرج بوش. إلى جانب عدد كبير من الموظفين والمستشارين السابقين بإنرون الذين ضمنوا مناصب مهمة بالبيت الأبيض. وقد أظهرت التحقيقات الأولية أن خمسة وثلاثين عضوا بالإدارة الأمريكية الحالية يتوفرون على أسهم لشركة إنرون، بينما حصل 190 برلمانيا من بينهم 71 عضوا في مجلس الشيوخ على تبرعات من إنرون. ولعل أهم ما حققته إنرون جراء تعبئتها السياسية، هي مناقشة الكونجرس الأمريكي واللجنة الفيدرالية لتشريعات الطاقة لتحرير أسواق الكهرباء وهي الغاية التي كانت تسعى إليها إنرون بتمويلها للحملات الانتخابية للحزبين الديمقراطي والجمهوري. كينيث لاي الحاصل على الدكتوراه في الاقتصاد والمسئول السابق بوزارة الداخلية، كان بالنسبة للرئيس الأمريكي قبل بضعة أشهر فقط، الرجل الذي استطاع أن يحقق المعجزات وكان يلقبه بسكينيث البطلس، الذي أسس شركة القرن الواحد والعشرين واستطاع أن يزاوج مابين العمل في مجال الطاقة بكل تشعباته ومجال الأسواق المالية والمعلوميات. أما المجلات المختصة ورجالات البورصة فيلقبونه بـ «سفير عمليات التحرير» الخاصة بالطاقة. وقد استطاع كينيث ان يجتمع بنائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني لمناقشة السياسة الطاقية لأمريكا. واعترف البيت الأبيض مؤخرا بأن مدير شركة إنرون أجرى عدة اتصالات بوزراء الخزانة والتجارة ومسئولي الميزانية خلال شهري أكتوبر ونوفمبر حين كانت إنرون على حافة الافلاس. كل هذه المكاسب السياسية لم تستطع أن تقف في وجه انهيار أكبر شركة في مجال الطاقة بالولايات المتحدة الأمريكية وفي العالم بأسره، بعد ثبوت مساهمة عدد كبير من مديري ومستشاري الشركة في إفلاسها إن بشكل مباشر عبر الاختلاسات وتزوير الحسابات أو غير مباشر بسبب سوء التسيير وادخار أكبر عدد من أسهم الشركة. وأصبح عدد كبير من الذين استفادوا من هبات إنرون هدفا لتحقيقات اللجان الفدرالية ولجان الكونجرس ورقابة البورصة الأمريكية وعلى رأسهم ديك تشيني نائب الرئيس الأمريكي الذي باع أسهمه في شركة إنرون في بداية السنة، الأمر الذي فسره البعض بمعرفته المسبقة بحالة الإفلاس التي تقبل عليها الشركة. وكما جاء سابقا فإن الواجهة السياسية البراقة لإنرون لم تكن لتحجب سوء التسيير الاقتصادي الذي تعيشه الشركة منذ 1997. فعمل انرون كان خلاقا ولكنه كان أيضا يتطلب كثيرا من المجازفة بالإضافة إلى كونه ضعيف المردودية. عملية الاستثمارات عبر العالم التي اختارتها انرون لتوسيع نفوذها، اتضح أن نتائجها كارثية وتسببت في تراكم الديون، مما جعل المجموعة بحاجة ماسة ودائمة إلى السيولة. وللتستر على فشل نموذجها الاقتصادي، اختارت إنرون الهروب إلى الأمام، مخفية ديونها وخسائرها بمقتنيات جديدة وشراكات متعددة. حجر الأساس الذي اعتمدته إدارة الشركة، هو مؤشر البورصة، حيث حاولت رفع ثمن أسهمها قدر المستطاع لتتمكن من الاقتراض ومكافأة مسيريها بسخاء حتى يستمروا في إخفاء حقيقة الوضع المالي المتدهور للشركة. ومنذ سنة 1997 بدأت إنرون في تزوير حساباتها، فباعت المجموعة فوائدها، في شركة فرعية تسمى جيدي تابعة لـ «شيوكو أنفستنمت» التي يديرها مايكل كوبر أحد الأطر العاملة بإنرون، والذي قدم استقالته قبل إعلان الإفلاس. هذه الشراكة مولتها إنرون بطريقة ملتوية من أسهمها الخاصة. وبتنازلها لشيكو عن مساهمتها في شركة جيدي ، سحبت أنرون من ميزانيتها 700 مليون دولار من الديون من الشركة الفرعية التي كانت تابعة لها. هذا النظام الذي كانت تعممه إنرون على باقي الشركات، خول لها أن تؤسس خلال سنوات قليلة 4000 شركة شبه وهمية ، واحدة منها لخمسة موظفين تابعين للشركة. تأسيس هذه الشركات كان الغرض منه إخفاء الخسائر، والهروب من تأدية الضرائب على الشركات، حيث أن انرون لم تؤد الضريبة على شركاتها منذ أربع سنوات. خلال سنة 1999 حاولت إنرون إيجاد مخرج عبر الاندماج مع شركة فيبا الألمانية، غير أن المفاوضات السرية بين الشركتين فشلت، لأن مسئولي فيبا هالهم مستوى مديونية الشركة والممارسات المريبة لمحاسبيها. مجموعة انرون ستنهار مع تغير الظرفية الاقتصادية في بداية سنة 2001، ومع هبوط أسعار الطاقة، وانهيار أسعار الأسهم. الديون والخسائر كانت أكبر من أن تمتص أوتخفى، ومسئولون كثيرون تركوا القارب يغرق وقدموا استقالاتهم، على رأسهم كليفورد باكستر الذي قرر أن «يخصص وقتا أكبر لعائلته» غير أنه اختار فيما بعد أن ينهي حياته منتحرا يوم 25 يناير، وتوماس وايت وجيف سكيلين. الذين يتوجب عليهم الإدلاء بشهادتهم أمام اللجان المتعددة التي كونتها الحكومة الأمريكية لتفسير أكبر فضيحة مالية تعرفها الولايات المتحدة منذ عقود، خصوصا إذا علمنا أن رأسمال شركة انرون قد وصل إلى 101 مليار دولار سنة 2000. ـ باحثة مغربية