يتجاوز افلاس «انرون» الابعاد الاقتصادية المباشرة، والابعاد السياسية، ليؤشر الى ماهو اخطر، فماحدث يؤكد من جديد ان «الحلم الأمريكي» بات مهددا أكثر من أي وقت مضى، وان انهيار البرجين التوأم في نيويورك، لم يكن سوى البداية، وان ثمة انهيارات قادمة.. وفق آليات مختلفة تتناسب مع آلية الصعود الأمريكي - ربما على غرار لعبة «الدومينو» يمكن ان تحول الحلم - في النهاية - الى كابوس، مادام التداخل أو - التزاوج - بين الثورة والسلطة ينتج فسادا شرسا على هذا القدر من الضخامة والتغلغل، لا يكف عن نخر عظام النظام الأمريكي، وتعرية أسس الفلسفة التي تم تشييد هذا النظام على قاعدتها. يعكس ذلك - بحدة - الأزمة التي تعانيها العقيدة والثقافة الأمريكية في الصميم، بعدما أكدت الأحداث ان الصراع بين الرأسمالية والديمقراطية - بتناقضاتهما - بات يتخذ منحنى صاعداً يعد - في جوهره - نذيرا بأن الخطة الأمريكية التي يحياها العالم، لن تمتد لتشمل القرن الواحد والعشرين بأكمله وان عوامل النحر تواصل فعلها، بوتيرة اسرع، وبدرجة تتجاوز ما كان يتوقعه أكثر المتحمسين لتعرية عورات الامبراطورية الأمريكية. شاهد من أهلها وفق هذه الرؤية: تعدو واقعة افلاس «انرون» مثالا نموذجيا للتدليل على عنكبوتية ظاهرة الفساد في المجتمع الأمريكي، عبر التداخل بين ثلاث دوائر، تشمل الطبقة السياسية العليا، ومؤسسات المال والاعمال، والجهاز البيروقراطي، فتنتج في المحصلة النهائية هذا النوع من «الفساد الكبير»، فتشهد الولايات المتحدة أكبر عملية افلاس في تاريخها! الا ان كل المؤشرات تؤكد ان القضية ذات مغزى سياسي، قد يفوق ابعادها الاقتصادية الوخيمة، بسبب العلاقات الوثيقة التي تربط ادارة الشركة مع العديد من المسئولين السياسيين والتنفيذيين من جهة، واعضاء الكونجرس من جهة اخرى، وقادة الحزبين الرئيسيين، وان كان للعلاقة مع الجمهوريين خصوصيتها، لاسيما «آل بوش» بما يعكس مدى النفوذ الذي تتمتع به «انرون» داخل النظام السياسي برفعه، الى الدرجة التي جعلت السناتور ارنست هولينجز رئيس لجنة التجارة بمجلس الشيوخ يقول «ان لدينا حكومة تتزعمها انرون»! بينما أكد السناتور بايرون دورجان رئيس اللجنة التي أعدت التقرير البرلماني حول افلاس «انرون» ان مانراه هنا هو تراث من الفساد»! ويكفي في هذا السياق الاشارة الى ان «انرون» تبنت «بوش الابن» منذ بدأ رحلة صعوده السياسي كحاكم لولاية تكساس، وحتى وصوله، واركان ادارته الى سدة الرئاسة في البيت الأبيض! في الاطار ذاته تأتي شهادة بول كروجمان في تحليل نشرته «نيويورك تايمز» الذي يؤكد ان كارثة انهيار «انرون» تكفلت بقول الكثير عن جوهر الولايات المتحدة، فقد كانت الى عهد قريب النموذج الرائد لنجاح النظرية الرأسمالية، وعندما يتهادى النموذج فعلى الاخرين ان يتأملوا المشهد بعمق شديد، لأن مظاهر التألق والازدهار قد تكون خادعة، كما ان الشركات الكبرى ليست بعيدة عن الاحتيال والنصب! اما الدرس الأهم - بحسب كردجمان - فيمكن بلورته في أن ترك الأمور على اعنتها، وان كان متسقا مع النظرية الرأسمالية، فأنه يؤدي حتما الى كوارث مرعبة، وينسحب الامر - ايضا - على مايرتبط بعلاقة الساسة بالمؤسسات المالية والاقتصادية. ثم ان انهيار «انرون» - احد ابرز رموز الرأسمالية المعولم - لن يضر بالأسواق المالية والشركات فقط - لكنه - طبقا للمحللين والخبراء الاقتصاديين - سوف يعطل انتعاش الاقتصاد، ويهز ثقة المستهلك، والأخطر انه يوجه ضربة اخرى قاسمة لحلم الرخاء الذي اصبح مزعزعا بالفعل. مسألة اعادة نظر هكذا، فإن افلاس «انرون» بخلاف فضيحة «ووتر جيت» مثلا - يفتح أبواباً يصعب اغلاقها لوضع العقيدة التي تحكم النظام الأمريكي - بأسسها الفلسفية والاجتماعية - على مائدة المناقشة، بل والتشريح، بهدف مراجعتها، واعادة النظر بصدد كونها جديرة بالاستمرار، ام ان انقاذ «الحلم الأمريكي» - بعد ان تلقى ضربة في الصميم - يحتم البحث عن اسس جديدة، أو على الاقل معدلة، لابعاد شبح الافول عن رأس أكبر امبراطورية شهدها التاريخ. والى حد بعيد، فإن ارتفاع أصوات في الولايات المتحدة للمطالبة بالعودة الى نظام تحكم مركزي في أسواق الكهرباء، وفرض قواعد جديدة في أسواق الطاقة - عموما - مؤشر لا تخطئه عين على ان عملية المراجعة في أمور كانت اقرب الى المقدسات أصبحت غير بعيدة عن دائرة النظر. ثم ان سلوك ادارة بوش فيما يتعلق برفض الدعوة للافراج عن وثائق الاتصالات بين فريق العمل المكلف بوضع سياسة الطاقة بالبيت الأبيض - برئاسة نائب الرئيس ديك تشيني - مع شركة انرون، يعني ان مبدأ الشفافية يتعرض للانتهاك من جانب اعلى سلطة سياسية في الولايات المتحدة، واذا كان بوش يحتج بأنه غير ملزم قانونا بتلبية طلب الافراج عن الوثائق، فان الالتزام المعنوي بمبدأ الشفافية كان يفرض عدم الدخول في جدل من هذا النوع الذي يفصح - بالتالي - تهافت احد المبادئ الاصلية للديمقراطية في الممارسة العملية. وربما كان تخوف ادارة بوش من أن الأمر قد يكشف سلسلة من الفضائح المتوالية وراء موقفها الرافض، الا ان مثل هذا السلوك سوف يصعد - بالتأكيد - شكوك الرأى العام بشأن الدوافع الحقيقية لادارة بوش، ويعني أن لدى الاخير الكثير مما يحرص على اخفائه حول الفضيحة، وبالتالي فان شكوك الرأى العام سوف تمثل مع تصاعد الاحداث ضغطا مؤثرا، لابد ان يستثمره اصحاب المصلحة في كشف كل ابعاد فضيحة «انرون». تهمة انتهاك الدستور وكان من الطبيعي ان يقود هذا الجدل البيت الأبيض للدخول في معركة قضائية بعد ان وصف قاضي التحقيق ايميت سوليفان موقف ادارة بوش - تجاه الكونجرس والسلطات القضائية - بأنه «انتهاك للدستور الأمريكي»! من ثم فإن الوصول الى هذا المنعطف يشكك في أحد الأسس التي قام عليها النظام الأمريكي، والمتمثل في مبدأ الفصل بين السلطات، والتوازن فيما بينها، ويزيد الطين بلة ان يأخذ الأمر مداه الى منتهاه، في حالة اتخاذ مكتب المحاسبة العامة «ذراع التحقيق التابع للكونجرس» قراراً بمقاضاة البيت الأبيض من جراء سلوكه، لتكون السابقة الأولى من نوعها في التاريخ الأمريكي التي يتعرض فيها لمهانة بهذا القدر! ان تجليات «انرون» يمكن ان تقود النظام الأمريكي برمته الى منزلق خطير - تتضاءل الى جواره ذكرى - ووتر جيت» - عبر متوالية طويلة ومعقدة من الوقائع التي تهز القواعد الراسخة التي يقوم عليها ذلك النظام الفريد، وبفضلها كان يتم الترويج للنموذج الأمريكي باعتباره الجدير بالاحتذاء من الجميع! واذا كان بوش يتصرف - كرئيس دولة عالمثالثية - ملوحا بأن المصلحة العليا للوطن في ظل حالة الحرب التي تواجهها الولايات المتحدة، ضد الارهاب، تقتضي نبذ أي خلافات تهدد وحدة المجتمع الأمريكي، فان مثل هذا الرهان من جانب البيت الأبيض لا يمكن ان يقف على قدمية، ويتقدم حتى النهاية، لان حمى مناخ الحرب السائدة، لابد ان تنكسر، وتخف وطأتها، خاصة وان الاستعداد للانتخابات النصفية للكونجرس قد بدأ بالفعل. بل ان هناك من يحاول استثمار افلاس «انرون» وتوابعها الفضائحية من اللحظة الراهنة، في معركة الرئاسة القادمة عام 2004، فقد بدأ السناتور الديمقراطي جون كيري في مهاجمة خطة بوش ـ تشيني للطاقة على خلفية ان الخطة اثارت انتقادات انصار البيئة، والمحافظين، وان نحو 17 بندا على الاقل من تلك الخطة تم ادراجها بايعاز من مسئولي «انرون» خلال مباحثاتهم - محل الجدل - في الغرف المغلقة مع بوش وتشيني! ويسعى كيري - بالفعل - الى طرح خطة بديلة تعتمد على دعم مشروعات الطاقة الوطنية في اطار محاولة تأمين تأييد الناخبين من الآن. وأخيرا.. تتقاطع مع تلك التداعيات مسألتين: الأولى تلك المظاهرات المناهضة للعولمة التي رفعت الى جانب شعارات الاحتجاج ضد المنتدى الاقتصادي الذي عقد مؤخرا في نيويورك - بدلا من دافوس - لافتات التنديد بالفساد السياسي والمالي الذي جسدته «انرون». وتتمثل المسألة الثانية في ان اصداء الفضيحة على الجانب الاخر من الاطلنطي في بريطانيا، قد تعود ثانية لتلقى المزيد من الزيت على النار في الولايات المتحدة، اذ ان ثمة احتمالات حول تورط رئيس الوزراء البريطاني توني بلير في علاقة مشبوهة مع «انرون» الامر الذي يفتح المجال واسعاً امام تداعيات دولية للفساد الأمريكي، وبما يعني اضافة عناصر ضغط جديدة على ادارة بوش، تتناسب مع وزن الرأسمال المعولم في صياغة سياسات الدول العظمى، انتصارا لليبرالية المتوحشة، وطرحا من رصيد القيم الديمقراطية. إن الوحش - احيانا - يستدير على ذاته ليدمرها! ـ كاتب مصري