الملف السياسي: مع ضجيج الحرب الامريكية ضد الارهاب وأجواء الحديث عن جولات الحرب المقبلة في الخارطة الكونية وتقسيم العالم الى محاور خير وشر واطلاق التهديدات هنا وهناك برزت الى سطح الاحداث، أخبار الانهيار الكبير لشركة إنرون التي تعد واحدة من أكبر سبع شركات على مستوى الولايات المتحدة مما يعكس حجم الآثار الاقتصادية والسياسية التي سيخلفها هذا السقوط المريع لشركة إنرون. ويشير بعض المراقبين الاقتصاديين والسياسيين الى ان حقائق كثيرة وفضائح بدأت تتكشف عن ممارسات شركة إنرون وأدوارها في دعم الحملات الانتخابية للرئيس بوش وأعضاء الكونجرس والنخبة السياسية في مشهد يعكس حجم الفساد والادوار المشبوهة والخفية التي تمارسها كبريات الشركات الامريكية على صعيد الحياة السياسية وفي اتجاهات الدولة وعلاقاتها السياسية الداخلية والخارجية، وكذا في مسار العمليات الانتخابية الرئاسية والبرلمانية وترجيح كفة هذا الحزب أو ذاك. إن الانكسار الكبير لإنرون سينعكس بدوره على الاقتصاد الامريكي وسيكشف بلاشك فضائح السياسيين ومتاجرتهم بقضايا الناس ومصالحهم، ومن المفيد الاشارة الى ان نشاط الشركة ليس محصورا في الداخل الامريكي بل يمتد بشكل عنكبوتي في بعض دول العالم، الأمر الذي يعني ان الخسارة تمتد عبر القارات لتصيب آلاف المساهمين والمشاركين. ولاشك ان الأيام المقبلة ستحمل في طياتها الكثير من المفاجآت حول بعض قيادات الشركة المتورطين في الفضيحة والأدوار التي قامت بها والتي أوصلت الشركة الى حالة الافلاس، وكذا كشف المستور عن الشخصيات السياسية الضالعة في الفساد المالي، إلا اذا عمل البيت الأبيض على مداراة المسألة وحصرها في أطر ضيقة منعاً لتصاعد وتيرة الفضيحة السياسية وتأثيرها على موقف الرئيس بوش، لاسيما في ظروف الاستنفار الشعبي والرسمي ضد الارهاب والحملة التي تقوم بها واشنطن في أكثر من دولة. الواضح ان الادارة الامريكية تصعد خطابها السياسي ضد الارهاب وتهرب من فضائح الداخل الى الخارج عبر تصعيد وافتعال المزيد من الأزمات مع بعض الدول تحت يافطات متعددة منها مكافحة الارهاب وحماية حقوق الانسان ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل، لذلك كان خطاب حال الأمة للرئيس بوش واضحاً في اطلاق «محور الشر» على العراق وطهران وكوريا الشمالية، والتحذير من خطر هذه الدول على السلام العالمي، هذا الخطاب التعبوي والتحريضي يكشف رغبة واشنطن في لعب دور الشرطي العالمي ويعد مؤشرا خطيرا لاصرار أمريكا على الهيمنة على العالم وعسكرة المجتمع الدولي واخضاعه وابتزاز دول العالم تحت مسميات عدة بعيداً عن الشرعية الدولية ومواثيقها. إن افلاس إنرون وسقوطها الاقتصادي نتاج الفلسفة الرأسمالية ومباديء العولمة التي قذفت بشعوب العالم الثالث الى قارعة الطريق وساهمت بازدياد معدلات البطالة والفقر والمجاعة وخلقت حالة احتقان اقتصادي عالمي، وبالتالي فإن انكسار مثل هذه الشركات العملاقة العابرة للقارات يكشف في نهاية المطاف طبيعة أنشطتها ووسائل صعودها الاسطوري الذي يحمل في طياته كل مسالك الفساد المالي والسياسي وكل طرائق الاستغلال الاقتصادي ليخلف ضحايا لا يعلمون بأصول اللعبة وتفاصيلها وأسرار صفقاتها التي تتم خلف الكواليس، لذا كانت نهاية إنرون سريعة ومفاجئة ومدوية. والشاهد ان شركة إنرون قد اتقنت الاستقطاب السياسي وفشلت في اللعبة الاقتصادية حيث راهنت على ثقل الشخصيات السياسية في حماية نشاطها والتستر على مشروعاتها لتهمل آلية العمل الاقتصادي وحركة السوق وتفاعلاته اليومية. «إنرون جيت» هي فضيحة النظام الرأسمالي الامريكي الذي يتهاوى تحت ضربات متتالية، ولذا يمكن ان نتساءل: كيف يمكن للأيديولوجيا الرأسمالية واقتصاد السوق ان تحمي الاقتصاد مستقبلاً من مثل هذه الهزات وتمنع تكرارها مستقبلا؟!