هامش: خطاب بوش الفضفاض

الإدارة الأمريكية تطرح خطاباً ديماغوجياً ارتد بالعالم إلى بدايات الحرب الباردة. جورج بوش عزف مطولاً في «حالة الاتحاد» على نغمة الخير والشر. جميع أركان إدارة بوش استمرأوا ترديد هذه العبارة باعتباره مدخل رؤية أمريكا للعالم المعاصر. فوق كونها رؤية غير مؤطرة بنسق فكري راسخ فانها تفتقر إلى العمق السياسي الناضح الذي يمكن القياس على معاييره بموضوعية وشفافية بحيث تتم عملية الفرز على أسس سياسية واضحة. دأبت الأدبيات السياسية على تقسيم العالم معسكرات وفقاً لمنهج محدد فتداول الإعلام والساسة معسكر الشرق والغرب مرادفاً للاشتراكية والرأسمالية. وانتشر مصطلح الشمال والجنوب على نمط الدول الصناعية والدول النامية والاغنياء والفقراء. وبرز حلف وارسو في مواجهة حلف الناتو. كل هذه المصطلحات تنطوي على مضامين جوهرية لا لبس فيها ولا غموض وتجري عملية الفرز في سيقاقها بالحدة التي تفصل بين اليمين واليسار. وبما ان التكتل كان حاداً برزت اجتهادات اخرى لايجاد مناطق وسطى بين كل معسكرين، تشكل تجمع دول عدم الانحياز مثلاً ليضم مجموعة من الدول المؤثرة والتي طمعت إلى قيادة شعوب مهمشة وانفتحت في الوقت نفسه مساحات لتكتلات اقليمية على غرار جامعة الدول العربية، منظمة الوحدة الافريقية والاسيان. ثمة أسس ايديولوجية وسياسية وعسكرية وجيوليتيكية صلدة نهضت عليها عملية الفرز واتخذت في كثير من الحالات مظهراً تلقائياً. على نقيض كل هذا التراث السياسي الثر استحدث جورج بوش مصطلحاً هلامياً يستحيل تأطيره بمنظور موضوعي ومن ثم استخدام معيار ثابت لتطبيقه في عملية الفرز. فالخير مفهوم لا يمكن الاجماع عليه في حقل السياسة كما هو الشر. الإدارة الأمريكية التي علكت هذا المصطلح بعد احداث سبتمبر لم تجتهد لتأطير فهمها للخير أو الشر وفق رؤية سياسية محددة. حتى عندما عمدت إلى جعل الشر مرادفاً للإرهاب انزلقت في هاوية جديدة يتطلب الخروج منها اجتهاداً فكرياً أكثر جرأة وبلورة لمفهوم الإرهاب نفسه. من هنا تشعب الجدل على نطاق العالم حول الشر والإرهاب وضرورة الفرز بين حق الشعوب في المقاومة وممارسات منظمات الجريمة. من المفارقة ان تتبنى إدارة بوش خطاباً سياسياً اقرب لخطاب الحركات الاصولية التي تعتبرها الإدارة الأمريكية عدوها الأول على رأس جبل الشر التي تريد أمريكا نسفه ودكه. مفارقة اخرى تتمثل في تقارب خطاب واشنطن مع خطاب طهران التي تعتبر امريكا الشيطان الاكبر الذي هو رأس الشر لدى المسلمين والمسيحيين. ديماجوفية الخطاب الأمريكي انه يتناقض مع خطاب الحداثة الذي يستهدف على عتبة القرن الحادي والعشرين تذويب الفروقات الثقافية وتعزيز حق الاقليات في أداء دور على الصعد المحلية والاقليمية. مصطلح الخير والشر الفضفاض يقمع كل هذه المحاولات الواعدة. عمر العمر

طباعة Email
تعليقات

تعليقات