جدد رئيس مجلس الدولة في سلطنة عمان الشيخ حمود بن عبدالله الحارثي رفض السلطنة توسيع دائرة الحرب الأمريكية ضد الإرهاب، أو استخدام القوة العسكرية في الشرق الأوسط، وخاصة الدول العربية الضحية الأولى للإرهاب. وأكد الشيخ حمود بن عبدالله الحارثي وقوف السلطنة مع جهود تطويق الإرهاب بكافة اشكاله وصوره ومساندة الجهود الدولية للقضاء على الآفة التي تهدد استقرار العالم، محذراً من حملة منظمة يشنها فكر موتور وحاقد على العرب والمسلمين. وطالب في حواره مع البيان بضرورة التفرقة بين الإرهاب والنضال المشروع، مؤكداً ان الانتفاضة الفلسطينية باعتبارها ممارسة نضالية عفوية لتحريك الضمير العالمي ووضع العالم في قلب المشهد المأساوي الذي يعيشه الشعب الفلسطيني. ورفض رئيس مجلس الدولة بالسلطنة ربط التهديدات الامريكية لضرب العراق بالحرب ضد الإرهاب مؤكداً ان العراق يعيش حربا مفتوحة مع الولايات المتحدة الأمريكية منذ غزو الكويت. وفيما يلي نص الحوار ـ كيف تقرأون تداعيات أحداث 11 سبتمبر والحرب الأمريكية على أفغانستان واثارها على الدول العربية والإسلامية.؟ ـ الدول العربية و الإسلامية هي جزء من هذا الكوكب وجزء مهم من هذا المجتمع الانساني الكبير تؤثر فيه وتتأثر بما يشهده من متغيرات سواء كانت هذه المتغيرات ذات منحى ايجابي أو العكس، ولهذا فهي ليست بمعزل عن التطورات الخطيرة التي عاشتها الولايات المتحدة في 11 سبتمبر وهي اليوم ساحة لردة الفعل الأمريكية ازاء الأحداث ذلك ان افغانستان وهي دولة ضمن المنظومة الإسلامية تلقت ردة الفعل الأمريكية هذه ودفع شعبها ثمن تلك الاحداث، اذ وجد نفسه بكل الفقر الذي يواجهه وبكل مرارة الاقتتال الذي عاشه لسنوات، سواء على صعيد الجهاد ضد الاحتلال السوفييتي أو على صعيد الاقتتال الطائفي والعرقي، وجد نفسه هذا الشعب في اتون صراع جديد وخطير ومدمر. لذلك فان الدول العربية والإسلامية تضررت كثيراً من هذه الأحداث التي ارتبطت في الآلة الإعلامية الغربية بالاسلام والإسلام منها براء واسهمت بعض الاقدام الموتورة في تأجيج الروح العدائية بين الديانات والاعراق وحدثت مضايقات لبعض العرب والمسلمين المقيمين في أمريكا والغرب، وحصلت حالات اعتداء على بعض دور العبادة، على الرغم من ان الدول الإسلامية اجمعت في لقاء الدوحة على نبذها للإرهاب بكافة اشكاله وصوره وتعهدت بمساندة الجهد الدولي لمحاربة الإرهاب واستئصال شأفته. النفط أول المتضررين من أحداث سبتمبر وهناك جوانب اخرى للاضرار من زلزال 11 سبتمبر 2001م تتصل بالاقتصاد، فالعالم شهد مع مطلع الالفية الثالثة ركوداً اقتصادياً امتد لبعض الدول العربية والإسلامية التي تسارعت لتطويق اضرار الركود العالمي عبر تنسيق مواقفها وحماية أهم سلعة استراتيجية تمثل عصب اقتصادات العديد من الدول العربية والإسلامية وهي «النفط» اذ احتشد جهد المنتجين لتحقيق التوازن بين المصالح خدمة للمنتجين والمستهلكين في آن معاً وتحسنت الاسعار بالفعل لتطال في بعض الفترات سقف «30 دولارا»، فجاء زلزال 11 سبتمبر لتهوي اسعار النفط إلى ما دون «15 دولارا» للبرميل الواحد وتداعيات هذا الزلزال نقرأها في مؤشرات الاسعار اذ لم تصل إلى سقف العشرين دولاراً حتى الآن رغم مرور خمسة اشهر على الأحداث.. وتداعيات الأزمة اصابت السياحة في مقتل اذ شهدت تراجعاً كبيراً في حركة المسافرين وحجوزات الفنادق وغيرها من الجوانب المرتبطة بصناعة السياحة. وليس بخاف ان كثيراً من الدول العربية والإسلامية تمثل السياحة رقماً مهماً في ناتجها القومي، وبعض هذه الدول تعتمد على السياحة في المقام الأول. وبدأ العالم ومنه الدول العربية والإسلامية الذي عاش شبح الركود في العام الماضي يعاني نتائج هذا الزلزال الخطير مما ضاعف مخاوفه وزاد من معاناته. وتفاوتت نسب الاضرار التي لحقت بدول العالم من دولة لأخرى، ونحن في السلطنة وبحمد الله من الدول التي لم تتضرر ووفق احصاءات وزارة التجارة والصناعة في السلطنة والتي تراقب عن كثب مؤشرات ما حدث، رصدت هذه الوزارة بحمد الله ان السلطنة حافظت على نفس معدلات التدفق السياحي، وحركة السوق لم تشهد تراجعاً يفتح أسئلة على ما حدث. وجاءت موازنة عام 2002م موازنة طموحة اذ وجه جلالة السلطان بوجوب الانفاق على المرافق التي تخدم المواطن بما يستجيب وحركة النمو الكبيرة فكان هناك توسع في الموازنة على هذه المرافق، وحددت الموازنة سقفاً اقتراضياً لأسعار النفط تحسباً للتطورات المتوقعة فاذا شهدت الاسعار تراجعاً بمقدور الموازنة المرنة ان تتكيف معها واذا حصل تحسن سينتعش الاحتياطي وتضيق فجوة العجز غير الكبيرة. قمة مسقط تعاملت مع شبه الجزيرة ككيان ـ جاءت قمة مسقط الثانية والعشرون التي ترأسها جلالة السلطان قابوس بن سعيد في خضم أحداث كبرى يعيشها العالم. كيف تقرأون توصيات القمة وتعاملها مع تلك الأحداث الكبرى؟ ـ لقد ترقب ابناء مجلس التعاون الخليجي والعرب بشكل عام في ان تخرج قمة مسقط بما اعتادوه من جلالة السلطان قابوس بن سعيد كحكيم وبما عرفوه في جلالته من حنكة وبما اعتادوا عليه في كل اللقاءات التي تنتظم في رحاب مسقط من الخروج بقرارات تاريخية وخطوات رائدة تضيف للحمة العربية بما يقوي تماسكها وتستهدف المصلحة القومية العليا. وقد اعتاد العرب جميعاً في رؤية قرارات تؤسس للمستقبل وذات نظرة بعيدة تخترق حجب الغد دون تجاوز للغيب. فجاءت قرارات القمة سواء التي عالجت البيت الخليجي من الداخل أو التي تعاملت مع كيان دول شبه الجزيرة العربية بشكل عام، أو تلك التي تعاطت مع متغيرات العالم وزلزال 11 سبتمبر، فالقمة بحكمة القادة الخليجيين جددت الثوابت وأكدت عليها. وقيمت المسارات وشخصت الحالة العربية فكانت بحق قمة في انعقادها وقمة في قراراتها وقمة في نتائجها.. وبهدي من توجيهات جلالته تحركت الدبلوماسية العمانية فوراً لتفعيل رئاسة السلطنة للمجلس في دورته الحالية فكانت مسقط محطة مهمة للقاءات عديدة وجاءت زيارة جلالته الاخوية للإمارات واتصالاته مع عدد من ساسة العالم وتكليف جلالته للوزير المسئول عن الشئون الخارجية لزيارة اليمن العضو الجديد في أكثر من مؤسسة خليجية وزيارته للمغرب ومصر كل هذا التحرك يصب في صالح تفعيل قرارات قمة مسقط، فقد تعاطت قمة مسقط بما ينسجم والزمن الذي انعقدت فيه وجاءت قراراتها معبرة عن جسامة الأحداث وتأثيرها على المنطقة والعالم. نرفض الحملة الموتورة ضد الإسلام ـ كيف تقيمون الاشارات والتصريحات الأمريكية حول توسيع الحرب ضد الإرهاب؟ ـ السلطنة اعلنت مراراً وفي غير مناسبة على لسان المعنيين بأنها ضد توسيع دائرة الحرب خارج مركزها الحالي.. وبما ان الولايات المتحدة الأمريكية حصرت دوائر التحقيق فيها ضلوع تنظيم القاعدة وحركة طالبان في احداث 11 سبتمبر، فان امريكا حددت خصومها ولاحقتهم في الجغرافيا التي تؤويهم، واستطاعت ان تغير الجغرافيا السياسية بالقضاء على خصومها في الأحداث وجاءت إلى المسرح السياسي الافغاني وجوه جديدة لديها نفس حماس واشنطن في ملاحقة خيوط القاعدة وطالبان، اما الإرهاب فان السلطنة تدينه وتتضامن مع المجتمع الدولي في وجوب القضاء عليه باعتباره آفة تهدد استقرار العالم وتضر بالسلم العالمي. وكما تعلمون فان الدول العربية والإسلامية التي تتهمها الآلة الإعلامية الغربية ضمن حملة منظمة يشنها فكر موتور وحاقد فان الدول العربية والإسلامية نفسها هي ضحية للإرهاب، وهي التي نادت بوجوب تضامن العالم للقضاء على الإرهاب. من هنا فاننا نجدد التأكيد على اننا ضد توسيع نطاق الحرب ليشمل دولاً أخرى ولكننا مع تطويق الإرهاب ومع تنسيق المواقف ونتضامن مع دعوات العمل الجماعي ليقوم المجتمع الدولي بمسئولياته في هذا الجانب المهم الذي يهدد تطوره واستقراره. تزامن للغارات على كابول وقصف العراق ـ هل تتوقعون ان تستهدف العراق في المحطة الثانية من تلك الحملة بعد أفغانستان؟ ـ العراق لديها مشكلة مع الولايات المتحدة ليست لها علاقة بقضايا الإرهاب التي تلاحقها امريكا والتي من وجهة نظرها تهدد امنها القومي، العراق منذ غزوه للكويت وهو في حالة حرب مفتوحة مع الولايات المتحدة، بين غارات امريكية متقطعة على شماله وجنوبه وبين مواجهة مركزة تمتد لأيام لتشمل أهدافاً حددتها الولايات المتحدة. فمن الصعب ان يقال ان العراق سيكون المحطة الثانية لأنه ببساطة في مواجهة مستمرة للحملة الأمريكية، وقد رأينا تزامناً في الغارات على كابول ومواقع جنوب العراق، وتابعنا في ذروة الحملة الأمريكية على طالبان كيف ان الطائرات الأمريكية تنطلق لتضرب شمال افغانستان وشمال العراق معاً. ـ كيف تقف السلطنة من تلك الدعوة؟ ـ الدول العربية لها مواقف معلنة من هذه الحملة وجددتها في غير مناسبة وهي مع الجهد الدولي ضد الإرهاب، وقد تابعت الدول العربية ما يصدر من تصريحات منسوبة لساسة امريكيين سواء تلك التصريحات لغرض الاستهلاك المحلي أم لتوجيه رسائل، فان الدول العربية مجمعة على رفضها المطلق لتوسيع دائرة الحرب تحت حجج ملاحقة الإرهاب، وقد أكدت السلطنة انها ضد استخدام القوة العسكرية في الشرق الأوسط وخاصة الدول العربية وهو نفس الموقف الذي أرى ان تتبناه الدول العربية. ـ أصبحت الانتفاضة الفلسطينية أحدث الضحايا العرب للتضييق الأمريكي للإرهاب.. كيف تقيمون المشهد العربي؟ ـ يجب على العالم ان يفرق بين الإرهاب والنضال المشروع. فالإرهاب يهدد استقرار مجتمع آمن، والنضال يسعى لاستعادة حق سليب وصولاً لتحقيق الاستقرار. والانتفاضة هي ممارسة نضالية عفوية لتحريك الضمير العالمي ووضع ساسة العالم في قلب المشهد المأساوي الذي يعيشه الشعب الفلسطيني تحت نير الاحتلال، ومن الظلم ان نقارن بين فعل إرهابي وفعل نضالي وان نصف الفعل النضالي المشروع بأنه عنف وإرهاب وتخريب، وأرى ان الانتفاضة لا تزال تواصل دورها النبيل رغم التضحيات اليومية التي تقدمها كثمن لهذا الدور. ولقد اختار العرب السلام وفق مرجعيات الشرعية الدولية.. واضافوا لتلك المرجعيات ما يجعلها اكثر مرونة في التطبيق. ووسعوا الهامش امام الجهد الدبلوماسي فقبلوا صيغة اوسلو ومدريد وغيرها من الصيغ.. وكلما اقتربوا خطوة وضعت إسرائيل للاسف ما يعيق الاستمرار في مشوار الالف ميل للسلام.. وجاءت الاجراءات الإسرائيلية الاخيرة لتنسف كل تلك الجهود وتتجاوز وفق التعريف الفلسطيني كل الخطوط الحمراء. لذا فان على الدبلوماسية العربية ان تتحرك مع راعيي السلام أمريكا وروسيا لتحمل مسئولياتهما إزاء هذا التراجع الخطير لمسيرة السلام وذلك بالضغط على الجانب الإسرائيلي والزامه بما تم الاتفاق عليه وفق المرجعيات التي ضمنتها امريكا وروسيا وساهمت في التوصل إليها. نراهن على الحكمة الهندية الباكستانية ـ في ضوء التصعيد الحالي في الاوضاع وتوتر العلاقات التي تمر بها الجارتان الهند وباكستان، هل تتوقعون نشوب حرب بينهما، وما هي انعكاسات ذلك على الدول العربية والإسلامية لاسيما منها الدول الخليجية؟ ـ نتمنى ان تتغلب الحكمة كما هي دائماً بين الهند وباكستان.. وان تحرص نيودلهي واسلام اباد على تفويت الفرص للمجموعات التي تتحرك في البلدين لجرهما إلى حرب الرابح فيها خاسراً. وقد جرت سلسلة اتصالات دولية مع العاصمتين لنزع فتيل حرب بين قطبين نووين في قارتنا وعلى جوارنا. ولاشك ان الجوار الجغرافي سيتأثر لو قامت حرب لا سمح الله وذلك لارتباط دول المنطقة بالهند وباكستان على اكثر من صعيد. ولا استطيع ان اجزم بما ستؤول اليه الأمور وما اذا كانت ستقع حرب جديدة في سلسلة حروب الدولتين، الا اننا نراهن على تغلب الحكمة خاصة وان إسلام اباد اتخذت سلسلة خطوات ثمنها العالم على صعيد التهدئة، وبالمقابل فان نيودلهي خفضت من جانبها النبرة في خطابها السياسي واشاد وزير خارجيتها بالخطوات الباكستانية ولو انه طالبها بالمزيد، وما نؤكد عليه هو تفويت الفرص لرحى الحرب التي ستقضي على مقدرات البلدين ومكتسباتهما الكبيرة.