يستمد كتاب «تسليط الاضواء على ما وقع في الجهاد من اخطاء» اهميته من اكثر من جانب، فهو يندرج في سلسلة «تصحيح المفاهيم» التي اطلقتها الجماعة الاسلامية المصرية في غمار مراجعة شاملة لمواقفها على صعيدي الفكر والحركة. ومؤلفو الكتاب اعضاء في مجلس شورى الجماعة، كما انه تم اقراره ومراجعته من قبل القادة التاريخيين للجماعة. والكتاب يقع في بابين أساسيين اولهما يلقي الضوء على شرعية التغيير في الاجتهادات الفقهية والثاني يبرز ما وقع في الجهاد من اخطاء ويسعى الى استدراكها مشدداً على حرمه القاء النفس في التهلكة وقتل المدنيين وقتل المستأمنين مع التشديد على أن الصلح خير ووجوب الوفاء بالعهد في إطار هذا الصلح. بعد ان اطلقت الجماعة الاسلامية مبادرتها لوقف العنف فى يوليو 1997، وقع حادث الاقصر الارهابى فى نوفمبر من العام نفسه وراح ضحيته 58 سائحا اجنبيا. هذا الحادث ألقى بظلال من الشك حول المبادرة فى الوقت الذى أعلن قادة الجناح العسكرى للجماعة بالخارج رفضهم لها. وسارع اعضاء مجلس الشورى داخل السجن باصدار بيان حمل عنوان «عهد امان للسائحين» اعطوا فيه الامان لكل سائح يزور مصر واعلنوا رفضهم لقتل الاجانب الابرياء. لذلك لم يكن غريبا ان يخصص قادة الجماعة فصلا فى المراجعة المهمة التى حملت عنوان تسليط الاضواء على ما وقع بالجهاد من اخطاء لقضية السياحة وحرمة قتل الآمنين. عن الامان الامان هو عهد بالسلامة من الاذى بأن تؤمن غيرك ويؤمنك غيرك وهو تعهد بعدم لحاق الضرر من جهتك اليه، ولا من جهته اليك وفى الاصطلاح الشرعى : «هو عقد بين المسلم والمشرك على الحصانة من لحاق الضرر من كل منهم للاخر ولا ممن وراءه». ودليله قول الله تعالى « وان أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم ابلغه مأمنه » التوبة : 6 والمستأمن : هو الذى يطلب الامان واستأمن : طلب منه الامان، بمعنى الطلب فيجعلانه فى معنى الفعل وعنوان الفاعل منه مستأمن بكسر الميم اى طالب الامان. والامان : كما يقول الكمال بن الهمام هو نوع من الموادعة وجاء فى الشرح الكبير للمقدسى : وحجة ذلك ان الامان اذا اعطي اهل الحرب: حرم قتلهم ومالهم والتعرض اليهم من له حق اعطاء الامان؟ الامان من حق كل مسلم شريفاً كان او وضيعا فيصح الامان لآحاد المسلمين رجلا كان أو امرأة وفى العبد والصبى خلاف، ولا أمان للمجنون ونحوه. ودليل صحة الامان من أحد المسلمين قول رسول الله صلى الله عليه وسلم «وذمة المسلمين واحدة فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس اجمعين». قال الحافظ فى الفتح : ذمة المسلمين واحدة اى أمانهم صحيح فإذا أمن الكافر واحد منهم حرم على غيره التعرض له. عن أم هانئ رضى الله تعالى عنها قالت : ذهبت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح فوجدته يغتسل وفاطمة ابنته تستره قالت : فسلمت عليه، فقال : من هذه ؟ فقلت : أنا أم هانئ بنت ابى طالب فقال مرحبا بأم هانئ، فلما فرغ من غسله، قام فصلى ثماني ركعات ملتحفا فى ثوب واحد فلما انصرف قلت يا رسول الله : زعم ابن امى انه قاتل رجلا قد اجرته، فلان بن هبيرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أجرنا من اجرت يا أم هانئ قالت : وذلك ضحى. جاء فى «المغني» ويصح من كل مسلم بالغ عاقل مختار ذكرا كان أو انثى حرا كان او عبدا. وبهذا قال النووى والاوزاعى والشافعى واسحاق وابن القاسم واكثر اهل العلم وروي ذلك عن عمر بن الخطاب رضوان الله تعالى عليه. وقال ابو حنيفة وابو يوسف : لا يصح امان العبد الا أن يكون مأذونا له فى القتال لانه لا يجب عليه الجهاد فلا يصح امانه كالصبى ولانه مجلوب من دار الكفار فلا يؤمن ان ينظر لهم فى تقديم مصلحتهم. ولنا ما روي عن النبى صلى الله عليه وسلم انه قال «ذمة المسلمين واحدة يسعى بهم ادناهم فمن اخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس اجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل». وروى فضيل بن يزيد الرقاشى قال : جهز عمر بن الخطاب جيشا فكنت فيه فحضرنا موضعا فرأينا انا سنفتحها اليوم وجعلنا نقبل ونروح فبقي عبد منا فراطنهم وراطنوه فكتب لهم الامان فى صحيفة وشدها على سهم ورمى بها اليهم فأخذوها وخرجوا فكتب بذلك الى عمر بن الخطاب فقال : لعبد من المسلمين ذمته ذمتهم وأمنه أمنهم ولأنه مسلم مكلف فصح امانه كالحر. قال ويصح امان الاسير ان عقده غير مكره لدخوله فى عموم الخبر ولانه مسلم مكلف مختار فأشبه غير الاسير وكذلك امان الاجير والتاجر فى دار الحرب. بم ينعقد الامان ؟ ينعقد بكل لفظ يفهم منه معناه سواء أكان صريحا او كتابة وسواء كان بالكتابة اوالرسالة اوالاشارة، فى «فتح الجليل مختصر خليل» للشيخ عليش، ثم الامان يكون بلفظ او اشارة مفهمة أى شأنها فهم العدو الامان منها وان قصد المسلمون بها ضره كفتحنا المصحف وحلفنا انا نقتلهم فظنه تأمينا فهو تأمين. فى« شرح الازهار» : ولو باشارة او اذا قال المسلم للمشرك : تعال الينا فإنه يكون امانا للمدعو كما لو قال : أمنتك أو أنت آمن او فى الامان او لا خوف عليك. ومما تقدم نتفق على انه يدخل فى هذه الصور والصيغ التى ينعقد بها الامان كل ما يفهم منه معنى التأمين ومن ثم ينطبق ذلك فى عصرنا الحاضر على تأشيرة الدخول وعلى دعوات الاحاد من المسلمين التى توجه الى اناس من المشركين للزيارة ونحوها وعلى عقود العمل او استقدام الفنيين ونحوهم من قبل شركات يملكها مسلمون وغير ذلك من كل صورة ينطبق عليها التوصيف الشرعى للامان كما بيناه. ومتى انعقد الامان صار الحربى المستأمن في حصانة من الحاق الضرر به سواء من المسلم المؤمن او من غيره من المسلمين او حتى الذميين وتقدم الحديث آنفا وفيه : فمن اخفر مسلما فعليه لعنة الله. جاء فى المغني لابن قدامة: الامان اذا أعطي اهل الحرب حرم قتلهم ومالهم والتعرض لهم. وجاء فى المغني ايضا: ويصح امان الامام لجميع الكفار وآحادهم لان ولايته عامة على المسلمين ويصح امان الامير لمن اقام بازائه من المشركين فأما فى حق غيرهم فهو كآحاد المسلمين لان ولايته على قتال اولئك دون غيرهم ويصح امان احاد المسلمين للواحد والعشرة والقافلة الصغيرة والحصن الصغير لان عمر رضى الله عنه اجاز امان العبد لاهل الحصن الذى ذكرنا حديثه ولا يصح امانه لاهل بلدة ورستاق وجمع كثير لان ذلك يفضى الى تعطيل الجهاد والافتيات على الامام. مسألة: اذا اعطي غير المسلم على أنه مسلم الامان لاحد من المشركين فلا يحل قتل المستأمن ولكن يرد الى مأمنه فلو اعطى ذمى فى دولة الاسلام الامان لكافر، فلا يحل قتل المستأمن الكافر ولكن يرد الى دولته مرة اخرى. السياح الذين يدخلون البلدان الاسلامية سواء بتأشيرة من الدولة للدخول او بدعوة من الشركات السياحية او من الافراد او من الهيئات الاخرى، فإن كل ذلك يعتبر امانا لهم : فلا يحل التعرض لهم بالقتل او التعرض لاموالهم او اعراضهم. واذا اختلف البعض فى أمان الحكومة نقول لهم ان العبرة بما يعتبره السائح امانا والا فإن جماعة التكفير والهجرة تكفر الحكومة وتكفر الجماعات الاسلامية وهناك من يكفر الجميع بما فيهم جماعة التكفير نفسها. والسائح لا علم له بهذه الخلافات ولا طاقة له بمعرفتها اصلا فالعبرة بما يعتبره هو أمانا وقد قدمنا اننا لو حلفنا على المصحف ان نقتلهم فظنوه امانا فهو تأمين لهم. ولقد كانت الجماعة الاسلامية اعلنت فى الماضى انها تستهدف السياحة لا السياح، فى هذا الصدد نقول: لما كان استهداف السياحة يؤدى غالبا الى قتل السائحين او اصابتهم فما كان ذريعة الى قتل معصوم الدم ينبغى ان يمنع منه وانه يصعب الفصل بين استهداف السياحة وبين قتل السياح او اصابتهم وان استهداف السياحة غالبا يؤدى الى محرم هو قتل السياح او اصابتهم ينبغى المنع منه وهو استهداف السياحة فالافعال اما ان تكون فاسدة بذاتها فهى محرمة لا خلاف فى ذلك واما ان تكون مباحة الاصل ولكنها تؤدى الى الشر والفساد وهذه مثل بيع السلاح فى وقت الفتن وكاجارة العقار لمن يستعمله استعمالا محرما فهذه تمنع لا لذاتها ولكن لما يترتب عليها من المفاسد وما تؤدى اليه من الوقوع فى الحرام. لا للخروج على الحاكم من القضايا المهمة فى افكار الاصولية الاسلامية فكرة الخروج على الحاكم الذى لا يحكم بشرع الله وعلى الرغم من صعوبة هذه القضية فقد استعملتها كل الجماعات الاصولية تقريبا الامر الذى أوجد حالة من عدم الاستقرار داخل الدول الاسلامية، خاصة وانها جعلت فكرة التكفير ومدى الحكم بما انزل الله موضوعا سهلا يمكن لاى شخص ان يقرره. فى هذه المراجعة تستعرض الجماعة عمليات الخروج على الحاكم فى التاريخ القديم لكى تضبط هذه العملية فى الزمن الحالى. على الرغم من ان هذه التجارب التاريخية تتناول زمانا غير زماننا وظروفا غير ظروفنا ووقائع قد تختلف فى بعض جزئياتها او تتفق فى اخرى مع جزئيات واقعنا، ولكن هذه الوقائع تحمل لنا أعظم الدروس وأسمى الخبرات فالعبرة عظيمة والفائدة جليلة والحكمة باهرة فى هذا التاريخ العظيم وهل هناك افضل من تاريخنا لكى نأخذ منه العبرة والعظة ؟ انها حكمة السنين تأتينا سهلة سلسلة فى عدة صفحات، انها عظة التاريخ الاسلامى لكل جيل بعد هذا الجيل العظيم وهؤلاء العظماء من السلف قد جربوا، وقديما قال حكماء السلف سلوا المجرب فقد استطلع الحقيقة ووقف على الدقيقة وعلم ما لم تعلموا. ونحن لن نستطيع ان نحيا حياتين او نعيش اعمارنا مرتين، عمر نجرب فيه ونخطيء، وعمر نتعلم فيه من اخطائنا فالحل ان نستعير خبراتهم ودروس حياتهم فمن عاش مع دروس التاريخ كله وليس الاسلامى فحسب طال عمره وازدادت خبرته فالتاريخ كله عبر وعظات وقد قص علينا القرآن قصص الاولين والاخرين وقال « نحن نقص عليك أحسن القصص بما اوحينا اليك هذا القرآن وان كنت من قبله لمن الغافلين (يوسف : 3) فالبشرية مر من عمرها آلاف السنين ومن لم ينتفع بخبرة كل هذه السنوات فلا يستحق ان يحيا او أن يعيش وصدق المثل الذى يقول: من لم ينتفع بخبرة آلاف السنين لم يتجاوز زاده فى الحياة خبز يوم بيوم، أى لم يستفد شيئا وعليه ان يتخبط تحت نظرية التجربة والخطأ ويحمل خبرة يوم بيوم وهذه نظرية مهلكة للافراد والجماعات والدول والامم وهذه النظرية تجعلك كل يوم تقع فى خطأ جديد لانك لم تتعلم تلافى الخطأ من تجربة المحنكين من قبلك او لم تتعلمه من تجربة اخيك او لم تتعلمه من تجربة سلفك فأين لنا العمر الطويل ؟ وأين لنا من الامكانيات المادية وانى لنا بالقدرة المادية التى تهلك بين الحين والاخر لنستطيع تعويضها بعد فقدها ؟ ومن أجمل ما قرأت فى ذلك عن الخليفة المأمون قوله الحكيم : ألذ الاشياء التنزه فى عقول المجربين. ولكن كيف يتنزه فى عقولهم ؟ انه يتعرف على حكمة عمرهم وخبرات حياتهم وعمق تجاربهم فى الحياة وذلك ليضيف اعمارهم الى عمره وخبراتهم الى خبرته وتجاربهم الى تجربته وقد علمنا القرآن خبرة البشرية كلها من لدن آدم وهو فى الجنة حتى يوم القيامة ومن أقوى واعظم احاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله : لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين، فمن يلدغ من جحر مرتين فقد ضاعت منه حكمة وخبرة وتجربة اللدغة الاولى ومن كان كذلك فهو مؤهل ان يخدع مرات ومرات من الباب نفسه ويلدغ مرات ومرات من الجحر نفسه ويقاس على هذا الحديث قول القائل الحكيم لا تلدغ من جحر لدغ منه اخوك، وقول القائل الحكيم : لا تكرر اخطاء الاخرين، وقول الحكيم الاخر: ابدأ من حيث انتهى الاخرون ولا تبدأ من حيث بدأوا وذلك حتى لا تكرر اخطاءهم وحتى تجتنب عثراتهم فالمؤمن كيّس فطن. ومن مبادئ الجماعة الاسلامية التى لم تنل حظا كبيرا من الرعاية والعناية ذلك المبدأ الشهير حيث تستوعب ما سبقها من تجارب. فقد قصرنا فى العمل بهذ الفكرة العظيمة وقد يكون سبب التقصير هو عدم انفتاحنا على الاخرين من الحركات الاسلامية فى سياق التنافس الشريف في العمل لدين الله او الانشغال بالعمل اليومى الدائب الذى يحرم القائمين على العمل للاسلام من الراحة الذهنية للتفكير المتأني او تلك المواجهات التى كانت مستعرة بدرجات متفاوته فالعاملون للاسلام اذا لم يأخذوا الوقت الكافى للتفكير فى امورهم لم تكن خطواتهم سليمة صحيحة وافضل شئ فى ذلك ان تفكر وانت بعيد عن الصدام وتنظر الى خريطته كاملة من بعيد متأملا متفكرا فيها وهذا ما حرم منه القائمون على العمل الاسلامى فى السنوات الاخيرة تحت ضغط المطاردات الفظيعة التى تعرضوا لها، فاصبحت كل الامور هى افعال وردود افعال. وقد اوردنا هذه الامثلة من العصر الاول للاسلام لنبين كم من الدماء الزكية اريقت من دون فائدة تذكر وكم شغلت الامة بنفسها عن اعدائها الاساسيين وكم من حمامات الدماء التى سفكت من أمة الاسلام دون جدوى ونحن لسنا فى معرض الدفاع عن الحكام ممن سردنا قصصهم ولسنا فى معرض اللوم لائمتها العظماء الابرار مثل الحسين سيد شباب اهل الجنة او ابن الاشعث وسعيد بن جبير ولكن لاستخلاص العبرة والعظة وحتى لا تسفك الدماء الموحدة الطاهرة دون هدف فى مواقع لم تحسب جيدا وفى حوادث لم تدرس بعناية فلا ارضا قطعت ولا ظهرا ابقت. الصلح خير وتخصص الجماعة الاسلامية فصلها السادس تحت عنوان الصلح خير وتتساءل الجماعة هل الاصلاح بين المسلمين وكل احد جائز كما نقول ام انه غير جائز كما يدعى البعض خاصة بعد ان سمعنا البعض يرى عدم جواز الصلح بين الجماعات الاسلامية والشرطة ؟ وتجيب الجماعة الاسلامية: أفيشك أحد بعد ذلك فى شرعية المصالحة مع قومنا الذين يتحدثون بألسنتنا ويصلون الى قبلتنا ويأكلون ذبيحتنا ويتسمون باسمائنا لوقف قتال المنتصر فيه مهزوم والمصلحة فيه منعدمة والمفسدة فيه غالبة ومتحققة ؟ اننا نعلم ان هذا الاقتتال لم يكن لاعادة احكام شرعية غائبة ولكنه كان احتجاجا على الظلم الذى وقع من قبل ولكنه لم يرفعه بل زاده وكان سعيا للافراج عن المعتقلين ولم يخرجوا بل زاد عددهم ولوقف بعض الممارسات المتعسفة وقد زادت بعد هذا الاقتتال وكل ذلك واقع مشاهد لا ينكره ذو عينين فوقف هذا الاقتتال بين المسلمين واجب يقتضيه الشرع الحنيف ويفرضه الواقع الاليم ويقبله العقل السليم. ان هذا الاقتتال الذى حدث كان مكسبا لليهود الذين يتربصون بالفريقين الدوائر ويريدون اضعاف الفريقين واستمرار هذه الحالة وينشغل فيه كل منا بالاخر ليصفو لهم التهام الفريسة بسهولة ويسر ويأخذوا القدس والمسجد الاقصى غنيمة باردة. ان المصالحة الان هى واجب يدعونا الشرع اليه ويفرضه الواقع علينا وتلزمنا الحكمة به ويهدينا العقل اليه ونحن على استعداد لتحمل تبعات هذه المصالحة بالصبر الجميل والحلم الكبير والعفو العظيم وعلينا جميعا ان نعيش بقلوبنا وجوارحنا مع المعنى العظيم للآية العظيمة المحكمة : « والصلح خير » النساء : 128 فمبناها قصير ومعناها كبير فكل صلح لا يحل حراما ولا يحرم حلالا هو خير واطلقت الاية كلمة خير فهو خير فى الدنيا والاخرة وهو خير لطرفى النزاع وهو خير للمتقاتلين من الجانبين وهو خير لاسرهم واهلهم وذويهم وهو خير للاسلام والدين وهو خير لهم فى عاجل امرهم وهو خير لهم فى آجل امرهم فلتطلق لفكرك العنان فى حدود الخير وقد لا تدرك العقول مدى هذا الخير ومنتهاه ولكنه فى النهاية الخير كل الخير وصدق الله العظيم والصلح خير . وجوب الوفاء بالعهد كان لزاما علينا بعد ان تكلمنا عن جواز الصلح وعقد المعاهدات ان نتكلم عن وجوب الوفاء بها لان هذه المعاهدات لا تعقد للتخلص من المواقف الصعبة ثم يتحلل المرء منا متى اراد، كلا والف كلا بل يجب الوفاء بكل عهد حتى لو كان فيه بعض ضيم للمسلمين وظلم. ولو رأيت الرسول صلى الله عليه وسلم يوم صلح الحديبية لعلمت ما يجب عليك من الوفاء حتى لو أدمى ذلك الوفاء القلوب وانفطرت له الاكباد وذرفت له العيون. يقول ابن كثير: وبينا رسول الله يكتب الكتاب هو وسهيل ابن عمرو اذا جاء جندل بن سهيل بن عمرو يرسف فى الحديد قد انفلت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كان اصحاب رسول الله خرجوا وهم لا يشكون فى الفتح لرؤيا رآها رسول الله فلما رأوا ما رأوا من الصلح والرجوع وما تحمل عليه رسول الله فى نفسه دخل على الناس من ذلك امر عظيم حتى كادوا يهلكون : فلما رأى سهيل ابا جندل قام اليه فضرب وجهه واخذ بتلبيه ثم قال : يا محمد لقد لجت القضية بينى وبينك قبل ان يأتيك هذا قال : صدقت فجعل ينتر بتلبيه ويجره ليرده الى قريش وجعل ابو جندل يصرخ باعلى صوته يا معشر المسلمين أأرد الى المشركين يفتنونى فى دينى وكان قد عذب فى الله عذابا شديدا فزاد ذلك الناس الى ما به فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا جندل اصبر واحتسب فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا انا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحا واعطيناهم على ذلك واعطونا عهد الله وانا لا نغدر بهم. انه لا شك موقف عصيب يأتى رجل من المسلمين عذبه المشركون عذابا شديدا ليردوه عن دينه فلما وصل الى المسلمين مستجيرا بهم لينقذوه من العذاب والفتنة رده المسلمون الى المشركين تارة اخرى ولكنه الوفاء بالعهد والوعد لقد اعلنها رسول الله صريحة مدوية عبر القرون والازمان. ان لا يصلح فى ديننا الغدر. قد يقول قائل بعد ان يقرأ هذا لقد قسوتم علينا ونقول : وهل يقسو اب على ابنائه وهل يقسوا الحبيب على احبته فنحن لا نهدف من هذه الرسالة الى لومكم وعتابكم رغم ان العتاب بين الاحبة لا ينقص المودة والمحبة ولكن هدفنا من هذه الرسالة خيركم وبركم وصلاح امركم فى الدنيا والاخرة ونحن لا نريد عنتكم بل نريد تفريج كرباتكم ونريد صلتكم ونريد ودكم لقد كتبنا هذه الرسالة من اجل الذكرى التى تنفع المؤمنين وتنفع الصالحين انطلاقا من قوله سبحانه وتعالى « وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين » الذاريات : 55 ونقول لكم ايضا وهل قسا القرآن الكريم على بعض صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم الذين قاتلوا فى الشهر الحرام قبل نسخ تحريم القتال فيه قال تعالى « يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام واخراج اهله منه اكبر عند الله والفتنة اكبر من القتل » البقرة :217 فقد تنزل القرآن بالعدل والانصاف وعلمنا كيف يعمل ميزان العدل « واقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان » الرحمن : 9 واذا الحبيب اتى بذنب واحد جاءت محاسنه بالف شفيع ونحن اليوم نقول بما تعلمناه من هذا الدرس القرآنى العظيم نعم هناك تجاوزات من البعض نرجو الا تتكرر وهناك اخطاء من البعض نرجو الا نعود اليها ولكننا فى الوقت نفسه ينبغى الا ننسى الوجه الاخر من الحقيقة اذا ما اردنا الانصاف والعدل. اننا لن ننسى ابدا ولن ينسى ابدا التاريخ انكم احببتم دينكم وضحيتم بشبابكم واردتم ارضاء الله واردتم نصرة الشريعة وافنيتم شبابكم من اجل الدعوة الى الله نعم نقولها بكل صدق انكم شباب طاهر طلق الدنيا وزهرتها ولم ينشغل بما يشغل به غيره من اللهو والمجون والمخدرات والعشق المحرم لم تنشغلوا عن دينكم بشئ حتى من مباحثات الدنيا لم تنشغلوا عن دينكم بالزوجة والولد والاسرة والوظيفة بل ضحيتم بكل شئ. نعم نقولها بصدق ان نيتكم حسنة وطيبة لم تتلوث بالاغراض والاهواء والادواء ولم ترد من حطام الدنيا شيئا وطريق الدنيا معروف للكافة وقد فضلتم عليه طريق الدين والاخرة والجنان ونعلم انكم تحملتم ظلما كبيرا وعسفا شديدا فى السنوات الماضية ونعلم ان بعضكم لم ير أولاده منذ ثمانى سنوات وبعضكم لم يسلم باليد على اسرته ولم يحتضن اولاده مرة واحدة منذ ثمانى سنوات ولكننا نقول لكم ان فرج الله قريب ورحمته واسعة وكرمه لا حدود له وأن من كان مع الله كان معه كل شئ ومن فقد الله فقد ضاع منه كل شئ وان الله لن يشقيكم ما دمتم تدعونه وترجونه وتعيشون بقلوبكم وجوارحكم مع قول الله سبحانه وتعالى « ولم اكن بدعائك رب شقيا » مريم : 4 فلا تيأسوا من رحمة الله « انه لا يأيس من روح الله الا القوم الكافرون » يوسف : 87 وليعلم كل اخواننا فى كل مكان اننا حاولنا مرات عديدة التدخل بامكاناتنا المحدودة خلف الاسوار لايقاف تلك المواجهات منذ فترة طويلة مما اضطرنا فى نهاية المطاف ان نطلق تلك المبادرة المباركة من دون ان نعلم بها احدا وذلك كله لقناعتنا الراسخة ان الخير كل الخير ليس فى المواجهات الدموية التى حدثت من قبل ولكن الخير كل الخير فى الاصلاح بين االناس وهداية الخلائق وتلك رسالتنا فى الحياة. ونحن لا نكتب هذا الرسالة المختصرة من أجل الماضى او من اجل لومكم عليه فقد مضى الماضى بحلوه ومره خيره وشره ونحن نكتب هذه الكلمات للمستقبل اما الماضى فعلينا ان نطوى صفحته وقد اجتهد البعض فى الماضى قدر استطاعته فمن كان مصيبا فى اجتهاده فله اجران ومن كان مخطئا فى اجتهاده فله ثواب نيته الصالحة وليس من أراد الحق فأخطأه كمن اراد الباطل فاصابه. فلنطو صفحة الماضى بما فيها ولنستقبل زمانا جديدا وعهدا جديدا يكون فيه الخير اكثر وتكون فيه الحكمة اعمق ويكون فيه الصلاح ابلغ وتكون فيه هداية الخلق اعظم واكثر. وقبل الوداع تبقى كلمة اخيرة نهمس بها فى اذن كل شاب مسلم لنقول له : ان احرى المسائل وأولى القضايا بالتدقيق فيها ولزوم الورع فى تناولها والتأنى فى الخوض فيها هى مسائل الجهاد التى تتعرض للدماء والاموال فعلينا ان نكل هذه المسائل لاهل العلم والاجتهاد فاذا كنا نتحرى اقوال المجتهدين وفتوى المفتين فى مسائل الطهارة والنجاسة فهل يليق ان يتصدى لمسائل الجهاد والدماء والاموال من ليس لديه من العلم سوى بضاعة مزجاة فالزم ايها الاخ الصالح العلماء الصادقين الثقات وزاحمهم بالركب فى مجالسهم وكن مع اهل العلم فى محرابهم ومع اهل الدعوة فى هداية الخلائق ودعوة الناس الى الخير وكن من اهل هذه الاية « قل هذه سبيلى ادعو الى الله على بصيرة انا ومن اتبعنى». ينشر بترتيب مع وكالة الاهرام للصحافة