منتدى نيويورك يتحول إلى ساحة لانتقاد الإدارة الأمريكية

بيان الاربعاء: لم يتوقع احد ان يتحول منتدى دافوس ـ الذي انتقل من سويسرا إلى نيويورك واختتم اعماله الاسبوع الماضي إلى تظاهرة معادية للسياسة الخارجية للولايات المتحدة، ليس فقط من المتظاهرين في شوارع مانهاتن التي احاطت بمنتدى هذا العام، ولكن أيضاً من المدعوين الذين كانوا يشاركون في حوارات المنتدى داخل تلك القاعات. ذلك ان قرار نقل المنتدى هذا العام إلى نيويورك جاء تضامناً مع المدينة بعد الكارثة التي حطت عليها من السماء صبيحة 11 سبتمبر. وادى ذلك إلى انتشار مناخ من الاطمئنان بين المسئولين في واشنطن إلى ان المؤتمرين في نيويورك سيتسابقون إلى دعم السياسة التي اختار الرئيس بوش اتباعها ازاء العالم بأسره منذ ان تولى منصبه قبل عام، ثم في الشهور الخمسة الاخيرة بصفة خاصة. الا ان مسئولي واشنطن كانوا على موعد مع مفاجأة لم يحسبوا لها حساباً رغم حرصهم البالغ. فقد انفتحت فجأة أبواب الانتقاد لسياسة واشنطن الخارجية التي اتبعتها قبل عام، وقبل خمسة اشهر، وذلك في اشارة إلى ان من المحتمل ان يكون الكيل قد فاض بعالمنا ازاء سياسة الادارة الحالية. والا فكيف يمكن تفسير ان دواعي اللياقة، واحترام «آلام نيويورك» وسياسات الحكومة المضيفة لم تقف حائلاً دون فيضان هذا الكيل الذي امتلأ بمرارات تتزايد كل يوم. ويكفي لايضاح ذلك متابعة ما حدث في عطلة نهاية الاسبوع وحدها. فخلال يومين من النقاش الساخن توالت «البرقيات» المرسلة إلى البيت الابيض من 2700 من ابرز رجال الاعمال والمسئولين والقادة والشخصيات العامة في عالم اليوم. الحاجة لدور امريكي انساني بزيجنيو بريجنسكي، مستشار الامن القومي في نهاية السبعينيات تحدث عن الفارق بين بلد يقود وبلد يسيطر، وانطلق من ذلك إلى تناول سياسة واشنطن الخارجية الآن قائلاً «لقد اصبح من السهل ان تنزلق الولايات المتحدة إلى تحالف يهدف إلى القمع، وليس إلى القيادة». وقال بريجنسكي ان على الولايات المتحدة ان تلعب دوراً قيادياً في احلال السلام في الشرق الأوسط عن طريق الوساطة النشطة والمجردة بين الطرفين. ولكن سياسة الولايات المتحدة حتى الآن تبالغ في الحذر ولم تتعرض لجوهر المشكلة. واضاف بريجنسكي ان العنف الفلسطيني ينذر الآن بالتحول الآن إلى ارهاب واسع النطاق فيما ينزلق الرد الإسرائيلي إلى نمط من السلوك يشبه ذلك الذي اتبع في جنوب افريقيا «خلال فترة التفرقة العنصرية». ثم طالب مستشار الأمن القومي السابق إدارة بوش بأن تهتم أيضاً بدورها الاجتماعي والانساني على ساحة العالم والا تحصر تواجدها على تلك الساحة في «الحرب والعمليات العسكرية». العجز عن دفع عملية سلام الشرق الأوسط اما السيناتور باتريك ليهي الديمقراطي المخضرم، واحد اكثر الاصوات رصانة في الكونجرس الامريكي فقد انتقد زملاءه في المجلس التشريعي الامريكي لانهم «يمنحون اسرائيل مساعدات مالية بأكثر كثيراً مما ينبغي». وقال ليهي ان هذه المعونات. وهي الاضخم التي تحصل عليها اي دولة في العالم. يجب ان تذهب الى دول اخرى هي في امس الحاجة للمساعدة وليس لإسرائيل. واما هيلاري كلينتون التي تطمح في الوصول إلى البيت الأبيض ذات يوم فقد فتحت بدورها النار على إدارة بوش من زاوية تلكؤ هذه الإدارة في القيام بما يتحتم عليها القيام به ازاء الدول الفقيرة وخاصة في افريقيا. وحول الشرق الأوسط قالت هيلاري ان واشنطن تظل ليس فقط وسيطاً نزيهاً ولكن أيضاً الوسيط الوحيد. الا ان السيدة كلينتون انتقدت بوش لانه لم يقم بقدر كاف من الجهد لدفع عملية السلام إلى الامام. والمعروف ان فم هيلاري يمتلء بالماء حين يأتي حديث الشرق الأوسط. ذلك انها تمثل نيويورك في مجلس الشيوخ، ويعني ذلك ان عليها ان تفكر طويلاً قبل ان تنطق بكلمة واحدة تقلق انصار إسرائيل في مدينة يكاد لا يوجد فيها الا هؤلاء الانصار. وعلى الرغم من الحساسيات السياسية التي تحيط بموقعه، ومن اجتماعه مع الرئيس بوش قبل يومين فقط، فان العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني لم يضيع الفرصة دون توجيه نقد مبطن إلى الادارة الأمريكية حين دعا إلى «تدخل دولي عاجل» في الموقف الراهن بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وهو مبدأ ترفضه ادارة بوش، بل ان كولن باول ابلغ المفوض الاوروبي خافيير سولانا قبل توجههما معاً إلى نيويورك برفض الإدارة الامريكية لمسلسل من الاقتراحات الأوروبية التي تهدف إلى تحريك عملية السلام في ال شرق الأوسط بمشاركة من الاتحاد الأوروبي وروسيا. اللعب على الذقون وعلى الصعيد الاقتصادي لم تكن الانتقادات اقل حدة، بل انها كانت ربما اكثر وقعاً وتأثيراً، وكان من المفاجيء ان يفتتح دورة النقد هذه هورست كوهلر مدير صندوق النقد الدولي بقوله ان الولايات المتحدة التي تطلب من دول العالم الاخرى التخلي عن سياسات الحماية الجمركية تطبق هي نفسها هذه السياسات في بعض المجالات بلا أي تحفظ. وحدد كوهلر هذه المجالات في «الزراعة وصناعة النسيج التي لا ترغب الحكومة الامريكية في تعريضها للمنافسة الأجنبية». واضاف كوهلر «اننا بحاجة لان نعطي الدول النامية باباً اوسع لدخول أسواق الدول المتقدمة، ويعني ذلك الغاء اجراءات الدعم الحكومي والحماية الجمركية التي تطبقها الدول المتقدمة وتحظرها على الدول النامية مما يؤدي إلى تشوه قطاعات اقتصادية عديدة وتدميرها في مجتمعات تلك الدول». اعادة النظر في المساعدات الاقتصادية وشارك بيل جيتس في النقد حين اخذ على الحكومة الامريكية انها لا تقدم إلى الدول النامية فرصة حقيقية للنمو. وقال جيتس ان شروط التجارة العالمية تحابي الدول الغنية وهو وضع يؤدي إلى زيادة حالة الاحباط العامة في المجتمعات الفقيرة. واضاف جيتس «ان اولئك الذين يشعرون ان العالم يتحرك ضدهم يتجهون إلى الكراهية وهو امر يهددنا جميعاً». وطلب جيتس من إدارة الرئيس بوش اعادة النظر في سياسة المساعدات الاقتصادية التي تقدمها للدول النامية واعادة صياغة شروط التجارة العالمية على نحو ينصف هذه الدول. ثم اكمل كوفي عنان حديث سابقيه بقوله ان اللحظة الاقتصادية الراهنة في العالم تستدعي ان تقدم الشركات والحكومات مساعدات مالية اكبر لمكافحة الفقر وذلك «بصورة عاجلة للغاية». واضاف عنان «ان الانطباع السائد لدى كثيرين ان معاناتهم الاقتصادية ترجع إلى العولمة وان هذه العولمة تحركها صفوة دولية تتألف من المشاركين في هذا المنتدى أو ان هؤلاء المشاركين يمثلونها. انني اعتقد ان هذا الانطباع هو انطباع خاطيء، وان العولمة ليست فقط بريئة من التسبب في هذه الامراض الاجتماعية وبل انها أيضاً تقدم أفضل علاج لها. وعلينا ان نحرص على تحقيق ذلك عملياً والبرهنة عليه للجميع. ماليزيا والفرسان البيض الا ان اروع الانتقادات الاقتصادية التي وجهت للعولمة ولمن يدافعون عنها ـ وعلى رأسهم الحكومة الامريكية هو ما ورد على لسان رئيس الوزراء الماليزي مهاتير محمد. فقد خاض الرجل معركة مريرة لانقاذ بلاده من اوحال العولمة بعد ان «صدق» جدواها وطبق قواعدها. وهكذا فان مهاتير كان يتحدث مستنداً إلى تجربة لم يمر بها كثيرون بعد في هذا العالم. فقد قال مهاتير محمد ان فتح البلاد بلا قيود لتدفق رأس المال الاجنبي لا يعني فقط دخول هذا الرأس مال، ولكن يعني أيضاً خروجه، وقال رئيس الوزراء الماليزي ان بلاده فتحت الأبواب كما قيل لها، إلى ان بدأ المضاربون على العملة يخفضون قيمة العملة الماليزية عن طريق التحكم في الاسواق مما أدى إلى انخفاض قيمة موجودات الاستثمارات الاجنبية ومن ثم ارباحها. وهكذا غادرت تلك الاستثمارات البلاد ليعقب ذلك حالة من الانهيار الشامل خاصة في القطاع المصرفي. وفي تلك اللحظة تقدم «عدد من الفرسان البيض» باستخدام تعبير رئيس الوزراء الماليزي، لشراء مشروعاتنا بأسعار بخسة، فاضطررنا إلى اغلاق الابواب ليس فقط امام مضاربي العملة ولكن أيضاً امام قراصنة المشروعات، ولا نزال حتى الآن نسدد الديون التي ترتبت علينا بسبب العولمة بالطريقة التي قيل لنا ان نطبقها لانها ستمهد الطريق امام تطورنا الاقتصادي. وقال مهاتير ان الاحتياج للاقتراض يؤدي بالدول إلى التوجه لصندوق النقد الدولي، وان ذلك يعني في نهاية المطاف ان الصندوق هو الذي سيحدد السياسات الاقتصادية للبلاد المقترضة، واضاف مهاتير «وعادة ما يحدد الصندوق هذه السياسات بهدف واحد، هو سداد اموال المقرضين الاجانب وليس اخراج الاقتصاد الوطني من أزمته على أساس راسخ». وطالب رئيس الوزراء الماليزي باعادة تعريف العولمة، وباعادة صياغة قواعد التجارة العالمية، وبرفض منطق «فتح الأبواب على مصراعيها دون ضوابط» وبمكافحة عمليات المضاربة على عملات الدول النامية، وبتفهم أسباب تنظيم وتقنين عمليات خروج الاستثمارات الأجنبية من تلك البلدان حين تريد هذه الاستثمارات ان تغادرها. والطريف ان الملياردير العالمي جورج سوروس الذي قام بالدور الرئيسي في محاولة تقويض الاقتصاد الماليزي كان من بين مستمعي رئيس الوزراء الماليزي، الا ان الخصمين اللدودين لم يتبادلا التحية سواء عند بدء جلسة ذلك النقاش الاسيوي او في ختامها. القضية الفلسطينية.. حضور قوي أما الحضور العربي فقد كان بارزاً، سواء من السعودية أو من قطر أو من البحرين أو من الأردن، وهي الدول التي شاركت بمستويات رفيعة من مسئوليها. ذلك ان رجال الأعمال العرب لم يتوقفوا في أي جلسة من جلسات مناقشة قضايا الارهاب والأمن العالمي والشرق الأوسط عن فضح المنطق الإسرائيلي وعن ايضاح مواقف الشعب الفلسطيني ومطالبه العادلة. بعض من رجال الأعمال هؤلاء لم يلتقوا أبداً بمسئول في السلطة الوطنية الفلسطينية، الا ان ثمة رابط غامض يجمع العرب في كل مكان بالقضية الفلسطينية. وقد بدا هذا الرابط واضحاً في الجلسات التي شارك فيها اسرائيليون بارزون مثل شيمون بيريز وشلومو بن عامي. وهو امر استعصى على الامريكيين فهمه. فما الذي يدفع رجل أعمال خليجي ـ وليس فلسطينياً ـ إلى مهاجمة السياسة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية بهذه الحدة؟.. ولكن الأمريكيين لا يفهمون أيضاً ان الكيل قد طفح، ليس في الشرق الأوسط وحده واشنطن ـ عصام عبدالعزيز:

طباعة Email
تعليقات

تعليقات