المقاومة فى الساحة الفلسطينية، بقلم:د.الطيب زين العابدين

يصعب على المرء أن يخدش وجه المقاومة المسلحة السمح فى فلسطين المحتلة وهى تقوم بعمل بطولى يكلفها تضحيات جساماً في مواجهة ارهاب الدولة الصهيونية بكل ما أوتيت من عتاد حربى مهول، وتسندها بكل ثقلها الدولة القطبية التى شاءت لها المقادير أن تنفرد بقيادة العالم وترويعه. ولكن المقاومة المسلحة ضد الاحتلال ليست عملا يائسا يعبر به المرء عن رفضه وغضبه المكبوت، وليست بحثا عن الشهرة والبطولة، بل ولا ينبغى أن تكون طلبا للشهادة فى حد ذاتها بالنسبة للجماعة المجاهدة وان جاز ذلك فى حق الفرد. ينبغى للمقاومة أن تكون وسيلة لتحقيق هدف سياسى هو انهاء الاحتلال، وأن تكون هى الوسيلة الراجحة لتحقيق ذلك الهدف فنفوس المؤمنين أكرم عند الله وعند الأمة من أن تزهق بلا مبرر قاهر وبلا عائد كبير. لذا يصبح السؤال مشروعا: هل تحقق المقاومة المسلحة فى الظروف الاقليمية والدولية الراهنة الهدف المرجو منها فى انهاء الاحتلال الصهيونى للأراضى المحتلة؟ أحسب أن الاجابة الموضوعية لهذا السؤال هى بالنفى. لا تعنى هذه الاجابة أن لا فائدة مطلقا للمقاومة المسلحة ضد العدو المغتصب، فان تكليف العدو ثمنا ما مقابل احتلاله هو أمر مرغوب فيه ويصب فى نهاية المطاف فى اقناعه بوجوب الوصول الى تسوية سياسية لقضية الاحتلال، وهذا ما حدث عند انسحاب اسرائيل من سيناء بعد حرب أكتوبر ومن لبنان عام 82 ومن جنوب لبنان فى 99 بعد أن كلفتها المقاومة المسلحة الوطنية أكثر مما تطيق. وأدت انتفاضة 87 الى قبول اسرائيل ببعض حقوق الشعب الفلسطينى وهى السبب المباشر لرفع مبدأ الأرض مقابل السلام الذى عقد على أساسه مؤتمر مدريد ومن بعده اتفاق أوسلو الذى أدى الى تأسيس سلطة وطنية فى جزء من الأرض المحتلة. ومع التسليم بهذه الحقيقة المعلومة من تجربة قريبة يبقى السؤال قائما هل الظروف الراهنة فى مصلحة المقاومة المسلحة لتحقق بعض أهدافها السياسية مقابل ما تقدمه من تضحيات جسام ومن مشقة بالغة لأبناء الشعب الفلسطينى؟ فالحديث اذن ليس عن مشروعية المقاومة فهى دفاع عن النفس تجيزه شرائع السماء والأرض، ولا عن مبدأ جدواها فقد أثبت التاريخ ذلك قديما وحديثا. لكن الحديث هو عن مقدار جدواها فى هذا الوقت العصيب مقابل تكلفتها البشرية والمادية. تخضع الاجابة فى هذه الحالة لتقويم موضوعى يحسب الربح والخسارة فى الواقع المعاش بقدرة البشر المحدودة التى لا تحيط علما بالغيب ولا تكلف بتقدير ذلك فى حساباتها. ونحاول قراءة الواقع السياسى فى أبعاده الدولية والعربية والفلسطينية، والى أى حد هو موات لتحقيق مكاسب للمقاومة المسلحة فى الأراضى المحتلة. لقد سلمت الدول الكبرى (أوروبا وروسيا والصين) بقيادة أمريكا للعالم فى هذه الفترة خاصة بعد أحداث الحادى عشر من سبتمبر، واعتبرت منذ مدة أن منطقة الشرق الأوسط خاضعة للنفوذ الأمريكى بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وقبلت دول الشرق الأوسط كافة بهذه الحقيقة السياسية، وأصبح ملف النزاع العربى-الاسرائيلى منذ انعقاد مؤتمر مدريد بيد الولايات المتحدة لا ينبغى لأحد الخوض فيه الا باذن منها. وتقضى الحكومات الأمريكية فى شئون السياسة الخارجية وفقا للضغوط المحلية، ومن أقوى جماعات الضغط المحلية اللوبى اليهودى الذى لا تجرؤ ادارة أمريكية على معارضته الا فى حالات استثنائية، ويقف اللوبى اليهودى بكافة ألوانه السياسية والدينية مع الحكومة الاسرائيلية أيا كانت تلك الحكومة وأيا كانت سياساتها. ولذلك لا يتوقع أن تبذل الحكومة الأمريكية أى ضغط يذكر على حكومة شارون لتغيير مواقفها تجاه الفلسطينيين خاصة وهى لا تجابه موقفا اسلاميا أو عربيا يجبرها على ذلك. والمواقف العربية الرسمية فى حالة خوف وانصياع منذ تفجيرات سبتمبر وشن العدوان على أفغانستان، فما استطاعت تلك الحكومات أن تدافع حتى عن حقوق مواطنيها المعتقلين لدى القوات الأمريكية وتركت ذلك لمنظمات حقوق الانسان الغربية، فكيف لها اذن أن تدافع عن حقوق الفلسطينيين المحاربين لأهم حلفاء أمريكا قاطبة. أما الشعوب العربية التى ساندت الانتفاضة فى بداية اندلاعها فقد وقفت مكتوفة الأيدى بعد ان اشتد الحصار والهدم والقتل على الشعب الفلسطينى لأن التجارب المرّة علمت تلك الشعوب كيف تجيد قراءة مواقف حكوماتها! وحال السلطة الفلسطينية ليس مختلفا كثيرا عن أحوال غيرها من الحكومات العربية، وان كان لها بعض العذر لأنها تجلس على صفيح ساخن، فقد قبلت فى اتفاقاتها مع أمريكا واسرائيل أن تصم المقاومة المسلحة ضد الاحتلال بأنها ارهاب وأن منظمات المقاومة هى منظمات ارهابية تقف ضد عملية السلام، وتعهدت بمحاربة تلك المنظمات وتفكيك بنيتها التحتية السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وهى لم تستطع أن تفعل ذلك بالقدر المطلوب لأن حكومة شارون لم تعطها المتنفس الذى يبرر لها ذلك أمام الشعب الفلسطينى. وسيجرى البحث فى المستقبل القريب، وبوساطة عربية، فى كيفية تمكين السلطة الفلسطينية من تنفيذ وعودها بمحاربة الارهاب قبل أن تستأنف المفاوضات السياسية بينها وبين اسرائيل. وستجد مثل تلك التدابير، ان تم التوصل اليها، تأييدا أمريكيا وأوروبيا وعربيا وقد تقبلها حكومة شارون أيضا رغم موقفها الحالى من محاولة ايجاد بديل للرئيس ياسر عرفات. وسيضطر عرفات عندها لتنفيذ كل ما يطلب منه بحجة تخفيف الحصار على الشعب الفلسطينى وليتمكن هو من ممارسة هوايته فى السفر حول العالم! ورغم الحركة التى بدأت تعلن عن نفسها فى اسرائيل ضد سياسة شارون لكن لا يتوقع أن تحدث تلك الحركة الاحتجاجية تغييرا يذكر لأن البديل لشارون (حزب العمل) هو الآن مشارك فى الحكومة القائمة بل يتولى أهم حقائبها الدفاع والخارجية، ووزير الدفاع الذى يتولى تنفيذ سياسة شارون فى قمع الشعب الفلسطينى هو رئيس حزب العمل الجديد فكيف له أن يتنصل من تلك السياسة. ومن المعلوم أن اشتداد المقاومة المسلحة داخل اسرائيل يزيد عادة من تأثير الأحزاب اليمينية وقوتها مما يصب فى مصلحة شارون وسياسته القمعية وتحقيق رغبته فى الانقلاب على الاتفاقات السابقة التى تؤدى الى تفكيك المستوطنات. لذلك فان قراءة الواقع السياسى دوليا وعربيا وفلسطينيا واسرائيليا تقول بأن المقاومة المسلحة فى الوقت الحاضر لن تحقق ما يرجى منها فى انهاء الاحتلال القائم أو اضعافه، بل قد تقود الى مواجهة فلسطينية فلسطينية اذا ما تم التوصل الى تدابير تفتح فرجة أمام السلطة الفلسطينية لتنفذ عهودها المتكررة فى محاربة الارهاب ومنظماته.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات