بيان الاربعاء: قلنا ان اقتراب ساعة الحقيقة تعني ضرورة الاختيار بين خطاب حركة التحرر الوطني وبين لغة اوسلو، لغة الدولة غير القائمة، فقد بات هذا من متطلبات المصداقية السياسية ووضوح الاستراتيجية، اذ لا يمكن اجتراح استراتيجية مقاومة حقيقية، ولو ذات اهداف مرحلية مع استمرار الارتباك والحديث بلغة خرق الاتفاقيات، والعنف من الطرفين، وضمان الواقعين تحت الاحتلال أمن الدولة المحتلة، ولكن لغياب استراتيجية التحرر الوطني الواضحة في ظل معركة وطنية مع محتل اجنبي اسقاطات اخرى ابعد اثراً واكثر أهمية على المدى البعيد. فالاختيار بين مسلك الدولة الافتراضية ومسلك حركة التحرر الوطني الفعلية لا يطرح نفسه خارجياً على المستوى السياسي فحسب، بل هو اشكال اجتماعي داخلي أيضاً يطرح نفسه إلحاح. لقد عجزت السلطة الوطنية الفلسطينية عن التحول إلى دولة تحكمها سيادة القانون نحو الداخل، الوجه الاخر للسيادة الوطنية نحو الخارج، بحيث يقوم نظامها القانوني الذي ينظم العلاقة بين الفرد والسلطة على اساس مبدأ المواطنة. وكأن من المفترض ان تطور السلطة الوطنية الفلسطينية مؤسساتها القانونية التشريعية والقضائية ولو في حدود وضمن شروط مجحفة، ظروف احتلال واستيطان وانعدام الحدود السياسية التي تحوي في داخلها مبدأ المواطنة نحو الداخل كما تمثل السيادة نحو الخارج، ولكن ذلك لم يحدث، ولا مجال لبحث معيقات هذا المرغوب، الذاتية والموضوعية، ونكتفي هنا بالتنويه إلى ان الاراء والمصالح في هذا السياق لم تتوزع سياسياً بموجب الموقف من اتفاقيات اوسلو: فلا شك انه كان بين مؤيدي الاتفاقيات من اعاق عملية تبلور مؤسسات السلطة، كما وجد بين معارضيها من ايد عملية بناء المؤسسات وسيادة القانون وكانت له مصلحة بها، فقد تدخلت عناصر حقوقية ومصالح اجتماعية في تقرير مسلك الفئات السياسية المختلفة تجاه مؤسسات السلطة. ولكن مع تفجر الانتفاضة وديمومتها اصبح التعامل مع هذه المسألة اقصر الحاحاً. فقد تعرضت مؤسسات السلطة إلى هجمة إسرائيلية عسكرية واقتصادية والى حصار حقيقي اضعف وأربك تلك المؤسسات والأدوات التي قام قسم منها في اطار وظروف التعاون والتنسيق مع اسرائيل، وهي كثيرة، بدءاً بحرية الحركة والتنقل للبشر والبضائع ونهاية بالتنسيق الامني. ومع ضعف مؤسسات السلطة في ظروف المد السياسي كان من المفترض ان يستعاض عن المؤسسات التي ضعفت وعن تنظيمها ووظائفها وقدرتها على الفرض بهيمنة منطق حركة التحرر الوطني ومؤسساتها المتشابكة طبعاً مع مؤسسات السلطة وقيمها بل وبهيمنة مزاجها الاجتماعي والسياسي. ويبدو من مراقبة الحركة الاجتماعية على الارض ان المأزق الحقيقي يكمن هنا، فالمسألة لا تنحصر بالمصداقية السياسية المستندة إلى خيار سياسي واستراتيجية نضال محددين، بل تطال سلامة المجتمع الفلسطيني. لم ترافق الانتفاضة عملية تعبئة وتنظيم جماهيري تقوم به السلطة، أو قيادة حركة التحرر الوطني الفلسطيني، بحيث تستعيض عن العلاقة السلطوية بالتنظيم الجماهيري الأفقي والعمودي، واللجان الشعبية التي قامت لم تتجاوز المبادرات المحلية، كما لم يتم تطوير لجان التنسيق التي شكلتها الفصائل. يضمن التنظيم الجماهيري كوعاء للتعددية السياسية الفلسطينية ضبط ايقاع النضال وانسجامه مع الاستراتيجية السياسية والاهداف المرحلية، والاهم من ذلك ان بناءه وفاعليته الجماهيرية تستند إلى تعبئة ايديولوجية قيمية، إلى نشر اخلاق نضالية بين الجماهير، هي اخلاق التحرر الوطني بدءاً من تعاضد وتكافل المجتمع الواحد وتفضيل مصلحة مجمل الحركة الوطنية على المصالح الخاصة ونهاية بمنع الفوضى وسيطرة العصابات المسلحة وتحول سيادة القانون إلى سيادة أصحاب المسدسات. يسمع المواطنون الفلسطينيون التقارير عن نضالهم واحوالهم بعد ان تقولب في كليشيهات الفضائيات وسوقها ودراماها الاعلامية بدلاً من التواصل الجماهيري التنظيمي وبحجمها الصحيح، وهذا لا يصلح اطارا قيمياً ايديولوجياً لنشر وهيمنة قيم حركة التحرر. وبين استهلاك الذات اعلامياً بموازاة وتعايش مع تجمد وهيمنة القيم التقليدية والعشائرية المحافظة، وبين متابعة السياسة كتحرك دبلوماسي مربك لا يعرف اوله من آخره وبين عنف الاحتلال لاينشأ وضع اجتماعي ودود لتطور قيم حركة التحرر الوطني، وفي غياب الترشيد النضالي العقلاني المنظم لا يلبث العنف النفسي والجسدي الاحتلالي ان يتحول إلى عنف داخلي ينهش الجسد الاجتماعي من داخله. يحدد خطاب التحرر الوطني مقاومة الاحتلال كاستراتيجية تحتمل تكتيكات عديدة من ضمنها التفاوض، ووقف اطلاق النار اذا تطلب الأمر، ولكنه يتجاوز ذلك أيضاً إلى نشر الوعي بضرورات التنظيم بقوى المجتمع الذاتية، وهذا يتطلب هيمنة قيم التحرر الوطني على المجتمع وهي نقيض القيم الفئوية والطائفية والعشائرية وغيرها. ومع تآكل قوة مؤسسات السلطة وبغياب التنظيم الجماهيري المتضامن من القاعدة إلى القمة بالاجماع الوطني وقيم التحرر تبرز مظاهر تفتت اجتماعي خطير يتخذ غالباً شكل تسيب امني يتحول فيه الجاني والمجني عليه في تجاوزات إلى اطراف متساوية في صراع تحشد من اجل حسمه مصادر القوة الاجتماعية المتوفرة. ولابد لهذه الحالة ان تخترق الحركات السياسية والمؤسسات ذاتها تتخذ فيها الخلافات شكل صراعات يحشد لها من خارج المؤسسة. وهذا وضع اجتماعي سياسي متناقض مع منطق المؤسسة، ان كانت دولة أو سلطة، كما يجافي منطق حركة التحرر الوطني. وما يلبث هذا التسيب ان يلج حياة الافراد وتفاصيلها اليومية العادية بحيث يتحول المعتدي والمعتدى عليه إلى اطراف متساوية القيمة الحقوقية في صراع تسخر فيه العلاقات الاجتماعية والسياسية داخل الأجهزة والمؤسسات فيغيب الحق المدني وحتى العشائري ليدخل المجتمع في حالة فوضى ما قبل العقد الاجتماعي. تحمل هذه الاوضاع الافراد المناضلين وغير المناضلين عبئاً اضافياً على عبء الاحتلال مما يحط من عزيمتهم الكفاحية وقدرتهم على الصمود. ويتجاوز وزر هذا العبء نفسياً عبء الاحتلال ويزيد من ارتباك الناس، ومن قدرة الاحتلال على احداث اختراقات، ولكن الاخطر من ذلك هو اسقاطات هذه الظواهر الاجتماعية البعيدة المدى. تحقق حركة التحرر الوطني المرحلة الأولى من عملية بناء الأمة بصنع الارادة الوطنية الموحدة في عملية التحرر، وتنجز مؤسسات الدولة والمواطنة المرحلة الثانية، وقد فشلت حركات تحرر عديدة في العالم الثالث في انجاز هذه المهمة المعقدة، الأمر الذي أدى إلى انتكاسات عديدة بما فيها حروب اهلية على طريق تطورها، فبعد تحررها من الاستعمار الاجنبي لم تستطع هذه الدول ان تتحرر من تخلفها. في هذه المرحلة التي يعيش فيها الشعب العربي الفلسطيني حالة صمود بطولية بين سياسات «راعي البقر» الأمريكي وراعي الغنم الإسرائيلي، وهذا هو الفرق بين غيابها ووجودها. أحداث درجت العادة الفلسطينية والعربية على تسميتها مؤلمة في لغة تصطنع الحياد وتكنس الاوساخ تحت سجادة اللغة وقعت مؤخراً في رام الله «فئوية مصطنعة ومقصودة كأسلوب لاستمداد القوة» وفي جنين «غياب سيادة القانون» والخليل «تفتيت المؤسسات بالاستعانة بالتخلف الاجتماعي من خارجها» تفرض حالة طواريء على قوى التحرر، حالة طواريء لا اكثر ولا اقل. فهل تدرك قوى التحرر وجودها قبل ان تتحول إلى مجرد طاريء في التاريخ الفلسطيني؟.