في منتصف ليل 25 أكتوبر عام 1942 نفذ الأستراليون الهجوم الاختراقي الذي أمر به قائد الجيش فتقدموا 3000 ياردة وسيطروا على النقطة 29 الحيوية والمطلة على إحدى الكتائب الألمانية التي أظهرت التعليمات المعطاة لها بعدم وجود نية من جانب قوات المحور لشن هجوم مقابل واسع النطاق. وبرهنت خطة «مونتي» على أنها مفاجأة كاملة للعدو ولكن بثمن باهظ من الخسائر، حيث بلغت خسائر الفيلق 15 بقيادة ليز 4643 رجلا في الصباح التالي (26 أكتوبر) بينما لم تتجاوز خسائر الفيلق الخامس المدرع بقيادة لومسدن455 رجلاً ومع ذلك فشلت الفرقة المدرعة الأولى في توفير حماية لهجوم الأستراليين الاختراقي وفي تحفيز مدرعات المحور على شن الهجوم المضاد. وما أقلق الاستخبارات البريطانية هو ردود الجيش المدرع الألماني، وخاصة عموده الأساس الفيالق الأفريقية، التي تمثلت بإضعاف الهجوم البريطاني تدريجياً من دون توجيه ضربة حاسمة بالقوات المتحركة الرئيسة، وهي الضربة المحتومة والواجب توقعها في أية لحظة. وهكذا كان اليوم الثالث من معركة العلمين، 26 أكتوبر، كما يشير المؤلف مصيرياً بالنسبة للجيشين المتناحرين، خاصة حين عاد المارشال رومل لتولي قيادة الجيش المدرع الألماني ـ الإيطالي في أفريقيا بعد أن بعث بإشارة نابليونية إلى جميع تشكيلات الجيش ليعلمهم بذلك. ويقول المؤلف بأن رومل كان على إطلاع على مجريات القتال في العلمين وما آلت إليه الأمور. ففي الساعة الثالثة مساءً من يوم 24 وبعد 17 ساعة من بدء البريطانيين هجومهم تم الاتصال برومل لإعلامه بذلك وباختفاء الجنرال ستون. وفي اليوم التالي من ذلك قضى الليل بطوله في انتظار قرار هتلر بزحه في عملية مدرعة في الجبهة الروسية أو إرجاعه إلى العلمين. وقرر هتلر بعد سماعه للأنباء الواردة من القاهرة أن يعود رومل للعلمين لقيادة الجيش المدرع. وأعلمه الجنرال فون ثوما بأن 31 دبابة قد بقيت من ما مجموعه 119 على الرغم من إمكانية تصليح الكثير منها وإن البريطانيين قد نجحوا في احتلال التل 28 عند منتصف الليل بعد إرسال رومل لرسالته النابليونية وأنهم ربما يشنون هجوماً مدرعاً لتحطيم خطوط التموين الألمانية من خلال احتلال منطقة الطريق الساحلي. ولذلك كان أمام رومل عدد من الخيارات، تمثل أحدها بالضربة الحاسمة التي خشيها لومسدن والاستخبارات البريطانية. ولكن كان لخطأ رومل في تقدير الأمور قبل الهجوم البريطاني أن يكون مؤثراً بعدئذ. فقد تطلبت الخطة التي رسمها قبيل سفره أن تنقسم الفرقتان المدرعتان الألمانيتان إلى مجموعات قتالية حسب الخطط الدفاعية وأن تعمل هذه المجموعات بشكل مستقل فقط في الفترة التي تسبق هجوم العدو المتوقع، وأن يتم تركيزها وتجميعها فوراً حالما يصبح هجوم الحلفاء وشيكاً وتحدد وجهته، لأن قوة الدبابات الهائلة التي شرع «مونتي» بتكوينها لن يمكن التصدي لها الا من خلال قوة مدرعة معززة. ولم يحلم رومل بالسماح لقواته المدرعة بالالتقاء بخصمه والانهزام أمامه. ومثل هذه الصعوبة حتمت على نصف الجيش المدرع للمحور أن يظل في الجانب الجنوبي تحسباً للهجوم البريطاني وأن يسلخ رومل يوماً ونصف يوم في تجميع مدفعية الفرقة المدرعة 21 والقوات الاحتياطية. وفي المقابل أدرك مونتي أن ذلك هبة من الله لأن رومل ليس بقادر على توجيه ضربة للإنجليز في ظل وجود نصف قوته المدرعة في الشمال ونجاة 31 دبابة من أصل 119 وتمكن رومل من نقل عدد كبير جداً من المدافع والمدافع المضادة للدبابات صوب النتوء الذي ربما تجتاحه الفيالق الأفريقية مجتمعة، بينما صدرت الأوامر لقوة الصحراء الجوية بمراقبة أية تجمعات للقوات المدرعة الألمانية والانقضاض عليها فوراً. وهنا يخلص المؤلف للقول بأن رومل قد ارتكب الخطأ الأكثر فداحة في تاريخه العسكري عندما انتظر 36 ساعة قبيل تجميع قواته الاحتياطية. تعويذة « مونتي» عندما ألقى رومل بالفرقة 15 وفرقة ليتوريو المدرعة إلى المعركة في 25 أكتوبر إلى جانب الطائرات الانقضاضية وطائرات شتوكا والطائرات المدافعة، كان يأمل في استعادة ما خسره من أراض، ولكنه تعرض لقصف من جانب القوة الجوية الملكية والأمريكية وإلى إطلاق ناري كثيف بحيث بدا كأن القوة المدفعية والمدافع المضادة للدبابات في كل الجيش الثامن قد تصدت جميعها لقوات المحور. وعندما راقب رومل المعركة الخاصة بالتل 28 اقتنع بأن البريطانيين يرغبون بتحقيق انتصار في المنطقة الكامنة بين الدبة وسيدي عبد الرحمن فحرّك فرقة تريستي شمالاً للتصدي لهم. وطلب من القاذفات الألمانية والإيطالية تدمير أرتال الشاحنات التي تقوم بتموين الهجوم المزمع، ولكن الطائرات الإيطالية انحرفت بعيداً عن نيران المضادات الكثيفة لتلقي قنابلها على خطوطها بينما أسقطت الطائرات المقاتلة والمضادات البريطانية عدداً كبيراً من الطائرات الألمانية. وهكذا أخفق هجوم رومل المضاد ولقي شر هزيمة وألغاه في المساء، ولم تمثل الهجمات التدريجية الحل الأمثل له. وحان بعد ذلك الوقت الذي يعيد فيه التفكير باستراتيجيته وأن يركز قوته المدرعة للقيام بتوجيه ضربة حاسمة، إذا كان في وسعه الوقت. وهنا يظهر المؤلف حذر «مونتي» وتفكيره في الوقت ذاته بما كان رومل يخطط له. فعند فجر 26 أكتوبر شعر مونتي بالشجاعة والخيبة كليهما بفعل ما تم تحقيقه من نتائج طيبة على الرغم من حجم الخسائر الكبيرة التي بلغت أرقاماً كبيرة قدرت قرابة 7000 ضحية وأكثر من 200 دبابة من الأنواع كافة. لذلك أصدر تعليمات قتالية جديدة تضمنت إعفاء بعض الفرق التي أجهدها القتال المتواصل لعدة أيام. وفي المقابل أرسل رومل في الساعة الثامنة مساءً من يوم 26 أكتوبر أوامر إلى الفرقة المدرعة 21 للتهيؤ للسير شمالاً والالتحاق بالفيالق الأفريقية، ليستعد بالمحصلة رومل و«مونتي» في وقت واحد لتوجيه كل منهما ضرباته الحاسمة للطرف الآخر. الخطأ الحاسم يذكر المؤلف أحد الأخطاء التي كان لها دور بارز في التعجيل بحسم المعركة التي كانت تسير في وقتها صوب دوامة من الأحداث المفاجئة والمتعاقبة. فقد كان رومل مقتنعاً بأن «مونتي» يعد العدة للبدء بالهجوم فقام بنقل قواته المدرعة الموجودة جنوباً للقيام بالضربة المضادة الحاسمة والمركزة .أما مونتي وبعد أن فقد أي أمل في قدرة لومسدن على تحقيق اختراق ، قرر أن يبقي الفرقة المدرعة الأولى في موقعها المساند لمشاة ليز وأن يجّمع قوات الجيش الثامن الأخرى جميعاً الموجودة في ما وراء حقول الألغام للقيام بالضربة الحاسمة النهائية بعد أن تيقن إن رومل لا يسعى الا لتوجيه هجوم تدريجي يقوم على مراحل. وكانت ثقة ليز في هذا الخصوص نابعة من خبرته في القتال ومن التقويم الذي أعطاه إياه رئيس استخبارات الجيش الثامن الكولونيل سبد ميرفي. فقد تمكن ميرفي من الاستيلاء على خطط السياسة الدفاعية لفرقة تريستي الإيطالية التي نصت على ضرورة إضعاف الهجوم البريطاني لكل الوسائل المتاحة لهم من دون شن أي هجوم مقابل من جانب الفرقة المدرعة المتمركزة. وهكذا يوضح الكتاب ان ميرفي أوضح في توصيته انه لا يرجح أن تقوم الفيالق الأفريقية بهجمات مقابلة حتى يتم القضاء على القوات المدرعة البريطانية تماماً أو ريثما تغدو قوات المشاة هزيلة إلى درجة تعجز معها مواصلة المقاومة في الجزء الشمالي. وفي الحقيقة كان ميرفي خاطئاً تماماً لأن هجوم رومل المضاد الوشيك بات قاب قوسين أو أدنى. ففي الساعة 10.45 مساءً من يوم 26 أكتوبر بدأت الفرقة المدرعة الألمانية 21 بالتحرك صوب النتوء الشمالي على امتداد الطريق الخاص الذي رسمته الفيالق الأفريقية وترافقها المركبات التي مرت غرب الرويسات شمالاً صوب النقطة 39 . وفي الساعة 3 من بعد ظهر اليوم التالي بدت القوات المدرعة الألمانية في الميدان لتفرض فيالقها الأفريقية هجمات مدرعة. وهنا نجح اصرار «مونتي» على أن تدفع القوة المدرعة الأولى بغطائها المدرع إلى الأمام قليلاً لتوفير الحماية للعمليات الأسترالية الاختراقية. وتمكن بريجز في ليلة 26 أكتوبر من أن يتقدم في محاولته الثانية بكتيبته المدرعة مسافة 4000 ياردة صوب الفيالق المدرعة، بعد إسناد من مدفعية الفيلقين الخامس والخامس عشر. وهنا وبعد أن يتطرق المؤلف إلى بعض الانتكاسات التي منيت بها بعض قطعات الحلفاء، كما حصل مع لواء المشاة العاشر الذي أرسله جيتهاوس من فرقته المدرعة العاشرة لمهاجمة العدو فقام بمهاجمة تجمعات المناطق المرتفعة، ينتقل مرة أخرى للحديث عن ردة فعل رومل الغاضبة وبهجة «مونتي» لأن رومل كان يمارس طريقته القتالية بالأسلوب الذي شاءه «مونتي». ولاحت الفيالق الأفريقية الألمانية مصممة على القتال، على عكس التقارير التي كانت تنقلها الاستخبارات العسكرية البريطانية وشعر «مونتي» عند نهاية 27 أكتوبر بالحاجة إلى تغيير خطته تارة أخرى، بالرغم من قرب تحقيق النصر النهائي. وفي هذه المرة قرر «مونتي» وبهدوء سحب الفرقة المدرعة الأولى واللواء المدرع 24 وإضافتهما إلى الفرق التي ستتولى القيام بالهجوم المقبل. وكان «مونتي» يعي- كما يذكر هاملتون- بأن تمشيط طريق لسير المدرعات البريطانية يتطلب تحقيقه تضحيات من جانب المشاة المساكين. «مونتي» يغير تكتيكاته دخلت معركة العلمين عند فجر 28 أكتوبر عام 1942 يومها الخامس. وفي الساعة الثامنة صباحاً اجتمع «مونتي» مع لومسدن وليز ليوجز لهما النتائج وأمر بعدها بانسحاب كامل لمقر قيادة فيلق لومسدن المدرع وجنوده والدبابات من مواقعها القتالية الحالية وتسليم العمليات الهجومية برمتها إلى الجنرال ليز. وفي مثل هذه الحالة سيكون على ليز الاستعداد لشن هجوم مشاة الجيش الثامن عبر خط مدافع رومل وصوب خط التموين الرئيس جنوب محطة العلمين. وشاهد «مونتي» إن مشاة الألمان غير المدعومين بالعجلات المتحركة لن يستطيعوا الهروب من مواقعهم الحالية بينما كان بمقدور السيارات المدرعة التابعة للجيش الثامن التغلغل وتوجيه ضربة إلى خط تموين رومل على امتداد الساحل في ما وراء الخطوط. وسيمكن ذلك الفرقتين الأولى والسابعة وكذلك الفرقة النيوزلندية المدرعة من شن هجوم للقضاء على كافة جيوب مقاومة العدو. وهي الخطة التي أمر «مونتي» بالقيام بها في منتصف يوم 27 أكتوبر ورغب أن تكون ضمن مقدرة المدرعات الحليفة. وفي الجانب المقابل بدأ رومل الذي أخذ يحصي الخسائر بالشعور بحتمية الهزيمة. وفي صبيحة يوم 28 أكتوبر ، وبعد ليلة من قصف وحشي مدمر أحرقت فيه طائرات القوة الجوية الملكية تشكيلاته المدرعة التي هدف بواسطتها شن الهجوم المقابل، كتب رومل إلى زوجته يعلمها بأنه قد ينجو من المعركة على الرغم من كل ما يحصل وإن الجيش الألماني كان يبذل قصارى جهده من دون طائل لأن تفوق العدو كان هائلاً بينما كانت موارد الألمان محدودة. وفي تلك المرحلة بالذات كان وضع رومل حرجاً جداً وأخطأ-كما يظهر هاملتون- في توقعه إن مونتجمري يوشك على شن هجوم مدرع شامل. لذلك أمر بوضع الفيالق الأفريقية كلها ضمن الخط الذي رسمه لها حيث تم جلب ما تبقى من المدرعات والمدفعية ووحدات المشاة والمضادة للدبابات التابعة للفرقة 21 المدرعة صوب الجنوب. وأمر أيضاً بأن كل من يعصى الأوامر سيتعرض للمحاكمة العسكرية لأن هذه المعركة قد نعتها بمعركة حياة أو موت في رسالته التي بعث بها إلى قادته الميدانيين. لكن مثل هذا العمل لم يجدِ نفعاً بالمقارنة مع ما أعده «مونتي» لشن الهجوم النهائي الحاسم. فقد بدأت النيران البريطانية تشعل المنطقة الكائنة غربي التل 28 ليأتي الهجوم البريطاني بعد ذلك بساعة. ويشير المؤلف إلى أن ثقل الهجوم كان استثنائياً تماماً، فقد تقدم الأستراليون لمدة ست ساعات من دون رحمة بينما لم يذق رومل طعم النوم وأخذ يسير جيئة وذهاباً الساعة 3 فجراً وهو يدرس في ذهنه المجرى المحتمل للمعركة والقرار الذي عليه اتخاذه. وهنا كرر الحلفاء ما فعلوه في معركة علم حلفا حيث واصلت طائراتهم ضغطها على تموين وقود المحور وبدا جلياً لرومل في صبيحة 29 أكتوبر وبعد الأخبار التي وردت بغرق سفن تموينه أن عليه الاستعداد للانسحاب صوب فوكا قبيل أن يصل القتال إلى قمته. وراوده الشك-كما يبين المؤلف- بمقدرة صمود الألمان للهجمات التالية نظراً لقوة الهجوم وحجم المعدات الذي شرع البريطانيون ببنائها وهم القادرون في الوقت عينه على زيادته أكثر فأكثر. وشرع رومل بسحب قواته صوب فوكا بينما فقد خط العلمين وكان العبء على رومل في حينها هائلاً في ظل قرار الانسحاب فاضطجع تلك الليلة وعيناه مفتوحتان لأنه كان عاجزاً عن النوم. ثم ينتقل هاملتون للحديث عما حصل في اليوم التالي 30 أكتوبر ويقول إن طائرات القوة الجوية الملكية واصلت قصفها للخطوط الألمانية من دون توقف وتهيأ الأستراليون، وفقاً لخطة «مونتي»، للمرحلة الثانية من هجوم المشاة الذي سينطلق في العاشرة مساءً. لقد حقق هذا الهجوم نصراً ساحقاً في اليوم التالي وأستسلم عند الفجر 400 أسير كلهم من الألمان، حيث وصل الهجوم إلى الساحل. وظل ما تبقى من الفرقة الألمانية 164 في الفخ الذي تم وضعهم فيه، عاجزين عن الهروب منه. وهنا رغب رومل كما يذكر الكاتب في سحب الفرقة المدرعة 21 لتكون قوة احتياطية متحركة ولتحل محلها الفرقة الإيطالية تريستي. وطلب أيضاً من القائد فون ثوما أن يجمع كل ما في حوزته لإنقاذ الفرقة 164 وكتيبة المشاة 125 اللتين حاصرهما تقدم المشاة الأستراليون. وباتت المعركة أشبه بالجحيم: فقد كشفت طائرات الاستطلاع البريطانية المدرعات الألمانية وهي تتحرك فهاجمت تجمعاتها القوة الجوية في الصحراء والقوات الجوية الملكية، لتقلب سير القتال لصالح الجيش الثامن كلية. واستمر حمام الدم في نزفه طوال ذلك اليوم وأظهر الأستراليون شجاعة فائقة حيث أمسكوا بالطريق الساحلي والسكة الحديدية، ولم يفلح رومل في طردهم على الرغم من أنه فعل كل شي ممكن في ذلك اليوم واليوم التالي. وكانت بطولة الفرقة الأسترالية على درجة كبيرة من الروعة التي يشير هاملتون اليها هنا. ويقول إن الأستراليون قد أقاموا خطاً دفاعياً فيما وراء النقطة 29 (بريد ثومسون) للتصدي لجميع هجومات الجيش المدرع القابلة والمتواصلة. وقاموا بصد كل تعرضات العدو بالرغم من حجم الخسائر التي منوا بها وبلغت 5000 وتمكنوا من تدمير جزء عظيم من مدافع العدو المضادة للدبابات. أخيراً النصر ينتقل هاملتون وبعد الحديث على ما جرى في الأيام الأولى لمعركة العلمين إلى الحديث عن الأيام الأخيرة للهجوم. فبالقدر الذي سعت فيه قوات المحور للتصدي إلى تعرضات الحلفاء وهجوماتهم وتكبيدهم النكسات والخسائر الفادحة، لم يجد ذلك نفعاً في ظل عدة عوامل. كان أولها بسالة المشاة والقوات المدرعة الحليفة في شن مناوشات وهجمات جانبية لم تستطع قوات المحور عمل أي شيء لصدها أو تحجيم قوتها وتأثيرها. وثانيهما ان القوة الجوية الملكية وطائرات الحلفاء قد تمكنت في كل طلعة من توجيه إصابات مباشرة لمعدات المحور التي باتت مكشوفة أمامهم الآن، بينما لم تقم الطائرات الألمانية بأي دور بارز في هذه الفترة نظراً لقوة الدفاعات البريطانية الأرضية في التصدي لها. وفي يوم 2 نوفمبر أبرق رومل إلى القائد فان ثوما يعلمه إن العدو كان قوياً جداً وصعب المراس بحيث أن رومل نفسه قد شاهد 40 دبابة تحترق أمام ناظريه. ولفت انتباهه أيضاً إلى أن خسائر المحور كانت هائلة وان الفيالق الأفريقية لن تستطيع أن تحتفظ بمواقعها الحالية في الغد لأن كل هجوم للحلفاء-في نظر رومل- سيفتح ثغرة جديدة في صفوفه. وكانت النتيجة المحتومة التي لابد منها هي أن يقوم الألمان والايطاليون بسحب قواتهم المتبقية على وجه السرعة. اختتم رومل فصل العلمين عندما أمر قواته بالانسحاب مخالفاً بذلك تعليمات هتلر التي نصت على تحقيق النصر أو الموت من دون الانسحاب، وفاجأ قراره أيضاً قوات الحلفاء التي واجهت في تلك الساعات مقاومة شرسة من جانب التحصينات والمدرعات الألمانية والايطالية. وهكذا خلفت قوات المحور وراءها الكثير جداً من الضحايا والمدرعات المدمرة والثقيلة السليمة طالما لم يكن بمقدورهم سحب أو نقل تلك المعدات في ظل قصف هائل من جانب طائرات ومدفعية الحلفاء على نحو يشبهّه المؤلف بفيضان من النار. وتبخرت في حينها كل آمال دول المحور في الهيمنة على شمال أفريقيا والوقوف على مصر، ومعها ضاعت أحلام هتلر في هيمنة مطلقة على الشرق الأوسط. أما «مونتي»، فقد كتب في مذكراته في 4 نوفمير ليعلن ان مدرعات الحلفاء قد شقت طريقها مع تباشير الفجر الأولى صوب المنطقة المفتوحة، تتقدمها في ذلك السير الفرقتان الأولى والسابعة. وتمكن الحلفاء في نهاية المطاف من تسيير تشكيلاتهم عبر الخطوط الخلفية للعدو وصوب بلد خالٍ من الألغام. وتحركت المدرعات غرباً نحو فوكا وبقوش. وهكذا تنفس الجيش الثامن كله الصعداء بعد 12 يوما و13 ليلة من القتال الذي تحطم فيه جيش رومل الأسطوري، تماماً كما توقع مونتجمري.