يستمد كتاب «تسليط الاضواء على ما وقع في الجهاد من اخطاء» اهميته من اكثر من جانب، فهو يندرج في سلسلة «تصحيح المفاهيم» التي اطلقتها الجماعة الاسلامية المصرية في غمار مراجعة شاملة لمواقفها على صعيدي الفكر والحركة. ومؤلفو الكتاب اعضاء في مجلس شورى الجماعة، كما انه تم اقراره ومراجعته من قبل القادة التاريخيين للجماعة. والكتاب يقع في بابين أساسيين اولهما يلقي الضوء على شرعية التغيير في الاجتهادات الفقهية والثاني يبرز ما وقع في الجهاد من اخطاء ويسعى الى استدراكها مشدداً على حرمه القاء النفس في التهلكة وقتل المدنيين وقتل المستأمنين مع التشديد على أن الصلح خير ووجوب الوفاء بالعهد في إطار هذا الصلح. اذا كانت مراجعات الجماعة الاسلامية جاءت فى توقيت حساس يمر فيه الاسلام والمسلمون بأزمة شديدة منذ احداث الحادى عشر من سبتمبر فإن هذه المراجعات التى خرجت من السجن. ربما تكون مقدمة لمراجعات اخرى مماثلة على مستوى كافة الاقطار الاسلامية والجماعات المتشددة فيها. خاصة بعد ان قادت تلك الجماعات العالم الاسلامى الى حالة ضعف واتهام غير مسبوق فى التاريخ الحديث. ومن المهم ايضا التأكيد على ان هذه المراجعات احدثت انفراجة ملموسة فى العلاقة بين الجماعات الاسلامية والشرطة المصرية، فقد اطلق سراح نحو ثلاثة الاف اصولي مصري من السجون، فى الوقت الذى سمح لأعضاء مجلس شورى الجماعة بالخروج من السجن لأول مرة منذ عام 1981 لزيارة عائلاتهم فى صعيد مصر، وهو تطور يعتبر احد الايجابيات التى ساهمت فى صنعها المراجعات التى جرت داخل السجن واستمرت اربع سنوات كاملة. نعود مرة أخرى الى العام 1996 وهو العام السابق لمبادرة وقف العنف كان عاما داميا ايضا وان خفت حدة العنف فقد لقى 174 شخصا مصرعهم بينهم 53 من رجال الشرطة و34 من الجماعات الاصولية و69مواطنا و18 سائحا اجنبيا. لكن هذا العام شهد ظاهرة جديدة وهى الاعتداءات على البنوك والعودة الى السطو على محلات الذهب كما استمر الهجوم على السائحين الاجانب. عام 1996 الاقل دموية كان عام تكسير العظام، فقد ركزت عمليات الجماعة الاسلامية على السياحة والبنوك لاضعاف الاقتصاد القومى، فى الوقت الذى بدا فيه ان الجماعة تمر بضائقة مالية الامر الذى جعلها تسطو على محلات الذهب تطبيقا لفكرة استحلال اموال غير المسلمين لكن اطلاق النار على مجموعة من السائحين امام فندق اوروبا بشارع الهرم كان الحادث الابشع وراح ضحيته 18 سائحا يونانيا. حرمة قتل المدنيين لأن المدنيين كانوا هدفا دائما لجماعات الارهاب سواء عن قصد، او غير قصد، بما فى ذلك قتل المتعاونين مع الشرطة فقد خصصت الجماعة الاسلامية الفصل الثالث من الكتاب تحت عنوان « حرمة قتل المدنيين من غير أهل المقاتلة أو الممانعة» لم يطلق الاسلام يد اتباعه وجنوده فى جهادهم ضد أعدائهم، بل وضع لهم أعظم الدساتير التى عرفها الكون على مر الدهور والعصور دستورا ملؤه الرحمة والعدل والقسط لأن هذا الدين لم يضعه بشر بل هو من عند الله رب العالمين، فكان هذا الدين عدلا وقسطا ورحمة للعالمين. لقد أقام الاسلام العدل مع اعدائه بل مع أعدى أعدائه فى حالة السلم، أقام الاسلام العدل مع اليهود الذين قال عنهم القرآن الكريم «:(لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا) عدل القرآن مع هؤلاء اليهود الذين لا يرقبون فى مؤمن إلاً ولا ذمة، اليهود الذين خانوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونقضوا عهده وهموا بقتله، بل هؤلاء اليهود أبناء القردة والخنازير الذين تطاولوا على الذات العليا وقالوا :(يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا). هؤلاء الأعداء الألداء ينزل القرآن يبرئ واحد منهم من تهمة ألصقت به ظلما، وكان خصمه فى هذه القضية رجلا من المسلمين من الأنصار الذين نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفدوه بالنفس والولد والمال، ولكن الحق لا يعرف المحاباة ولا يفرق بين صاحب وعدو، فالكل أمام العدل سواء، وإذا كان العدل مع الاعداء فى حالة السلم يسيرا فالعدل معهم فى حالة الحرب أشد صعوبة ومع ذلك أمرنا الله ورسوله بالعدل مع الأعداء فى حالة الحرب والقتال والمولى تبارك وتعالى يرشد النبى صلى الله عليه وسلم والمسلمين من بعده لما أراد النبى أن ينتقم لمقتل عمه حمزة فى غزوة أحد والتمثيل بجثته، فأراد النبى أن يمثل بسبعين من الكافرين، فنزل قول الله عز وجل :(وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين وأصبر وما صبرك إلا بالله). وليس أدل على عدل الاسلام فى حربه مع أعدائه والتزام المسلمين للشرع الحنيف فى أصعب المواقف وأشدها، ليس أدل على ذلك من الصحابى الجليل المقداد بن الأسود الذى جاء يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم :(يا رسول الله أرأيت إن لقيت رجلاً من الكفار فقاتلنى فضرب إحدى يديى بالسيف فقطعها، ثم لاذ منى بشجرة فقال أسلمت لله أفأقتله يا رسول الله بعد أن قالها ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقتله، فقال فقلت يارسول الله إنه قد قطع يدى ثم قال ذلك بعد ان قطعها أفاقتله يا رسول الله ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقتله فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل ان تقتله وإنك بمنزلته قبل ان يقول كلمته التى قال. هل يستطيع ذلك الا اصحاب الرسالات وأتباع الرسل ؟ لقد وضع الاسلام دستورا حربيا عظيما راعى فيه الحرمات الا تنتهك، وأمر فيه بالعدل والقسط ولو نظر أعداء هذا الدين فى الغرب لهذا الدستور الحربى الاسلامى لعلموا أن هذا الدين لم يضعه بشر (قل لئن أجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً). وبعد ان أكدت الجماعة الاسلامية على حرمة قتل المدنين فى الاسلام صاغت ما أسمته الدستور الاسلامى للقتال فى الاسلام. الدستور الاسلامي للقتال المادة الأولى: في هذا الدستور لا يجوز قتل النساء والأطفال والشيوخ قال الله تعالى (وقاتلوا فى سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين) عن سعيد بن جبير وأبى العالية: المراد بذلك النهى عن قتال من لم يقاتل. عن الحسن البصرى: المراد بذلك النهى عن ارتكاب المنهى من المثلة، والغلول، وقتل النساء، والشيوخ الذين لاقدرة لهم على القتال، وكذلك النهى عن قتل الرهبان وحرق الأشجار وقتل الحيوان من غير مصلحة. قال القرطبى: ولى عليه من النظر أن قاتل « فاعل » لا يكون فى الغالب إلا من اثنين كالمقاتلة والمشاتمة والمخاصمة، والقتال لا يكون فى النساء ولا فى الصبيان ومن أشبههم كالرهبان والمرضى والشيوخ فلا يقاتلون. وفى الآية نهي مطلق يفيد التحريم عن قتال من لم يقاتل من النساء والأولاد والشيوخ والرهبان. وكذلك أفادت الآية بمفهوم المخالفة « وهو حجة شرعية عند غير الأحناف » عدم قتل من لم يقاتلنا كالمرضى والصغار والنساء. قال النووى: أجمع العلماء على تحريم قتل النساء والصبيان إذا لم يقاتلوا. عن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما ان النبى صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل النساء والصبيان. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« لا تقتلوا شيخا فانيا ولا طفلا ولا صغيرا ولا امرأة » عن ابن شهاب ان ابنا لكعب بن مالك الأنصارى أخبره قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم النفر الذين قتلوا أبى الحقيق عن قتل النساء والولدان. عن رباح بن ربيع قال: إنه خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى غزوة غزاها كان على المقدمة فيها خالد بن الوليد فمر رباح وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على امرأة مقتولة مما أصابت المقدمة، فوقفوا ينظرون اليها ويتعجبون، حتى لحقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :« ما كانت هذه لتقاتل فقال لأحدهم: الحق خالدا فقل له: لا تقتلوا ذرية ولا عسيفا. عن أبى بكر الصديق رضى الله تعالى عنه أنه أوصى يزيد ابن ابى سفيان حين وجهه الى الشام، فقال :« لا تقتل امرأة ولا صبيا ولا هرما ». عن عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه أنه أوصى سلمة بن قيس فقال :« لا تقتل امرأة ولاصبيا ولا شيخا هرما ». ـ المادة الثانية لا يقتل الأعمى ولا الراهب ولا العبد ولا الفلاحين ولا الصناع للأدلة التالية : روى عن ابن عباس فى قوله تعالى :(وقاتلوا فى سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا، (ولا تعتدوا) يقول لا تقتلوا النساء والصبيان والشيخ الكبير، ولا يقتل ولا أعمى ولا راهب، ولا يقتل العبد، وبه قال الشافعى لقوله صلى الله عليه وسلم :« ادركوا خالدا فمروه أن لا يقتل ذرية ولا عسيفا وهم العبيد ». أقوال العلماء قال الامام مالك: لا يقتل النساء والصبيان والشيخ الكبير والرهبان المحبوسين فى الصوامع والاديرة. قال شمس الدين بن قدامه المقدسى: اذا ظفر بالكفار لم يجز قتل صبى لم يبلغ بغير خلاف، ولا تقتل امرأة ولا هرم ولا شيخ فان وبذلك قال مالك وأصحاب الرأي، أما الفلاح الذى لا يقاتل فينبغى ان لا يقاتل لما روى عن عمر رضى الله تعالى عنه أنه قال: اتقوا الله فى الفلاحين الذين لا يناصبونكم الحرب وقال الأوزاعى: لا يقتل الحراث. قال الشوكانى: لا يجوز، مثل من كان متخليا للعبادة من الكفار كالرهبان لإعراضهم عن ضرر المسلمين. قال صاحب كتاب الهداية الحنفى: لا يقتلوا امرأة ولا صبيا ولا شيخا فانيا ولا مقعد ولا أعمى، لأن المبيح للقتل عندنا هو الحراب، ولا يتحقق منهم، ولهذا لا يقتل يابس الشق « الشلل النصفى » والمقطوع اليمنى والمقطوع يده ورجله من خلاف، ولا يقتلوا مجنونا والمشهور عند الملكية ان الصناع لا يقتلون. المادة الثالثة: حرمة قتل المدنين الذين ليسوا من أهل المقاتلة والممانعة: اختلف العلماء فى علة قتال المشركين: هل هى الكفر أم هى الانتصاب للقتال أما الجمهور فيرون العلة الانتصاب للقتال، أما الشافعية فيرون أن العلة هى الكفر، فإذا أردنا أن ننصر قول الجمهور، نقول لو كانت العلة هى الكفر فإن هذه العلة موجودة فى النساءوالرهبان والشيوخ والزمنى والأعمى، وهؤلاء وردت النصوص بمنع قتلهم فى الحرب كما سبق وبينا. ونؤيد قول الجمهور بالآتى : قول النبى صلى الله عليه وسلم عندما مر على المرأة المقتولة :« ما كانت هذه تقاتل » فجعل النبى صلى الله عليه وسلم علة النهى عن قتلها أنها لا تقاتل ولو كانت علة قتل الكفار هو كفرهم لأمر النبى بقتلها لأنها كافرة. قول عمر بن الخطاب :« اتقو الله فى الفلاحين الذين لا ينصبون لكم الحرب » فجعل علة عدم قتلهم أنهم لا يشاركون فى الحرب. كل الأصناف السابقة المنهى عن قتالهم من النساء والصبيان والشيوخ والرهبان كلهم اشتركوا فى علة واحدة هى عدم مشاركتهم فى القتال وعدم انتصابهم إليه. يقول شيخ الاسلام ابن تيمية :« وإذا كان أصل القتال المشروع هو الجهاد ومقصوده هو ان يكون الدين كله لله وأن تكون كلمة الله هى العليا، فمن منع هذا قوتل باتفاق المسلمين وأما من لم يكن من أهل الممانعة والمقاتلة كالنساء والصبيان والرهاب والشيخ الكبير والأعمى ونحوهم فلا يقتلون عند الجمهور إلا أن يقاتل بقوله او بفعله وان كان بعضهم يرى اباحة قتل الجميع لمجرد الكفر الا النساء والصبيان، والاول هو الصواب، لأن القتال هو لمن يقاتلنا اذا اردنا اظهار دين الله، وذلك ان الله أباح من قتل النفوس ما يحتاج اليه فى صلاح الخلق، قال تعالى (والفتنة أشد من القتل) أى أن القتل وان كان فيه شر وفساد ففى فتنة الكفار من الشر والفساد ماهو أكبر، فمن لم يمنع المسلمين من اقامة دين الله لم تكن مضرة كفره الا على نفسه. وبناء على ما تقدم فإنه لا يجوز قتل المدنيين الذين لا يشاركون فى القتال ولا ينصبون أنفسهم إليه. ـ المادة الرابعة لا يجوز التمثيل بجثث القتلى: عن جرير بن عبد الله البجلى قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا بعث سرية يقول لهم: «اغزوا باسم الله، فى سبيل الله تقتلون من كفر بالله، لا تغلوا ولاتغدروا، ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليد». عن سليمان بن بريدة عن أبيه رضى الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا». قال ابن عابدين: ثبت فى الصحيحين وغيرهما النهى عن المثلة وقال: «لو تمكن من كافر حال قيام الحرب ليس له ان يمثل به». والتمثيل: هو قطع الاطراف أو الآذان والأنف وتشوية جثة القتيل. قال ابن قدامة: ويكره نقل رؤوس المشركين من بلد الى بلد والمثلة بقتلاهم وتعذيبهم لما روى سمرة بن جندب قال كان النبى يحثنا على الصدقة وينهانا عن المثلة. وعن عبد الله بن عامر أنه قدم على ابى بكر الصديق برأس البطريق فأنكر ذلك، فقال الزهرى :« لم يحمل الى النبى صلى الله عليه وسلم رأس قط وحمل الى ابى بكر رأس فأنكره ويكره رميها فى المنجنيق نهى عنه أحمد». ـ المادة الخامسة: لا تهدم منازل المحاربين ولا تحرق محاصيلهم وزروعهم ولا تقتل دوابهم لغير مصلحة للأدلة التالية : قال ابن قدامة: أما عقر دوابهم فى غير حال الحرب فلا يجوز، وبهذا قال الشافعى والأوزاعى والليث. أما فى حالة الحرب فان لم يكن هناك مصلحة فلا يجوز ايضا. قاله الأوزاعى والليث وأبو ثور وقال أيضا: ان تغريق النخل وتحريقه لا يجوز فى قول عامة أهل العلم منهم الأوزاعى والليث والشافعى لما روى عن أبى بكر وهو يوصى يزيد :« لا تحرقن نخلا ولاتغرقنه». وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن قتل النحل ولأنه فساد فيدخل فى عموم قوله تعالى: (وإذا تولى سعى فى الارض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل). قال الخرقى الفقيه الحنبلى المشهور: «لا يقطع شجرهم ولا يحرق زرعهم » وبهذا قال الأوزاعى والليث وأبو ثور. المادة السادسة: الرحمة بالأطفال والصبيان : عن عبد الله بن عمر رضى الله تعالى عنه قال :« عرضنى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد فى القتال وأنا ابن اربع عشرة فلم يجزنى». عن عبد الله بن عمر رضى الله تعالى عنهما قال :« عرضنى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن اربع عشرة فلم يجزنى وعرضت عليه يوم الخندق وانا ابن خمس عشرة فأجازنى. قال نافع: فحدثت به عمر بن عبد العزيز فى خلافته فقال « هذا فصل مابين الصغير والكبير». قال الشيرازى: لا يجب الجهاد على الصبى لما روى عن علي رضى الله تعالى عنه ان النبى صلى الله عليه وسلم قال :« رفع القلم عن ثلاث: الصبى حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق». وروى عن عروة بن الزبير قال: رد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر نفرا من أصحابه استصغرهم، منهم عبد الله بن عمر وهو يومئذ ابن اربع عشرة سنة، وأسامة بن زيد والبراء بن عازب وزيد بن ثابت وزيد بن أرقم وعرابة بن أوس، ورجل من بنى حارثة. ولأن الجهاد عبادة على البدن فلا يجب على الصبى كالصوم والصلاة والحج». المادة السابعة: لا يقتل الرجل أباه ولا ذا الرحم محرم قال صاحب الهداية: ويكره ان يبتدى الرجل أباه من المشركين فيقتله لقوله تعالى (وصاحبهما فى الدنيا معروفا) ولأنه يجب عليه احياؤه بالاتفاق فيناقضه الاطلاق فى أبنائه فإن أدركه امتنع عليه حتى يقتله غيره لأن المقصود يحصل بغيره من غير اقتحامه المأثم «. وكلمة « يكره» هى الكراهة الترحيمية لقوله بعد ذلك :« لأن المقصود يحصل بغيره من غير اقتحامه المأثم». قال الشيرازى: ويكره ان يقصد قتل ذى رحم محرم لأن الرسول صلى الله عليه وسلم منع أبا بكر رضى الله تعالى عنه من قتل أبيه. وعن أبى الزناد عن أبيه قال :« شهد حذيفة بدرا ودعاه أبوه الى البراز فمنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم». قال صاحب تنوير الأبصار وشارحه :« ولا يحل الفرع ان يبدأ أصله المشرك بقتل » المادة الثامنة لا يجوز قتل رسل الأعداء : قال الشيرازى :« لا يقتل رسولهم لما روى أبو وائل قال: لما قتل عبد الله بن مسعود ابنة النواحة قال: ان هذا وابن أثال قد كانا أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم رسولان لمسيلمة الكذاب فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتشهدون أنى رسول الله ؟ قالا: نشهد ان مسيلمة رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كنت قاتلا رسولا لضربت أعناقكما فجرت سنة ان لا تقتل الرسل». قال ابن قدامة: لأن الحاجة تدعو الى الله فإنا لو قتلنا رسلهم لقتلوا رسلنا فتفوت مصلحة المراسلة. نقل المطيعى الاجماع على تحريم قتل رسول الاعداء. ـ المادة التاسعة: لا يقاتل الكفار والمشركون قبل دعوتهم الى الاسلام عن بريدة رضى الله عنه أنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا بعث اميرا على سرية او جيش اوصاه بتقوى الله فى خاصة نفسه وبمن معه من المسلمين خيرا وقال له :« اذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم الى احدى خصال ثلاث: ادعهم الى الاسلام فإن اجابوك فأقبل وكف عنهم » قال ابن قدامة :« من لم تبلغه الدعوة دعى قبل القتال ولا يجوز قتالهم قبل الدعاء » قال الشيرازى فى المهذب: وان كان العدو ممن لم تبلغهم الدعوة لم يجز قتالهم حتى يدعوهم الى الاسلام لأنه لا يلزمهم الاسلام قبل العلم والدليل عليه قوله عز وجل :(وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) ولا يجوز قتالهم على ما لا يلزمهم. قال الحرفى: ويدعى عبدة الأوثان قبل ان يحاربوا. قال ابن قدامة فى الشرح: ان وجد منهم من لم تبلغه الدعوة دعى قبل القتال وكذلك ان وجد من أهل الكتاب من لم تبلغه الدعوة دعى قبل قتله. وجاء فى «تنوير الابصار وشرحه الدر المختار»: ولا يحل لنا «ان نقاتل من لا تبلغه الدعوة الى الاسلام ولا ينبغى قتالهم حتى يدعوهم الى الجزية». قال الشيخ المحلى فى شرحه على «منهاج الطالبين» للنوى: «ولا يقاتل الامام البغاة حتى يبعث اليهم أمينا يسألهم ما ينقمون، فإن ذكروا مظلمة أو شبهة أزالها، فإن أصروا بعد الإزالة نصحهم بأن يعظهم ويأمرهم بالعودة الى الطاعة، ثم ان لم يرجعوا أعلمهم بالقتال». قال الشيخ شهاب الدين فى الحاشية شارحا لما سبق قوله «ولا يقاتل الإمام » أى لا يجوز حتى يبعث اليهم. المادة العاشرة: لا يجوز نقض العهد وذلك للادلة التالية: قول الله سبحانه وتعالى (وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا). قول الله سبحانه وتعالى (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتهم). قول الله سبحانه وتعالى (فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم). قول الله سبحانه وتعالى (يا أيها الذين امنوا أوفوا بالعقود). ولقول النبى صلى الله عليه وسلم: «لكل غادر لواء يوم القيامة، يقال هذه غدرة فلان». «من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة اربعين عاما». « إنى لا أخيس بالعهد ولا أحبس الرسل» يقول ابن قدامة: واذا عقد الهدنة الامام لزمه الوفاء بها لقول الله سبحانه وتعالى (يا أيها الذين امنوا أوفوا بالعقود) وقال الله سبحانه وتعالى (فأتموا إليهم عهدهم) ولأنه لو لم يف بها لم يسكن الى عقده وقد يحتاج الى عقدها. ويقول أيضا «إن الأمان إذا أعطى أهل الحرب حرم قتلهم ومالهم والتعرض لهم» ان صفحات تاريخ المسلمين الحربى ناصعة البياض خالية من الظلم والبغى والعدوان، ان المسلمين لم يحاربوا عطشا للدماء، ولقد رأيت كيف ان رسولنا صلى الله عليه وسلم حرم قتل النساء والاطفال والشيوخ والرهبان والفلاحين وغيرهم من الذين لا ينتصبون للقتال.ان المسلمين لا يحاربون ليدمروا ويحرقوا !! ولقد رأيت كيف ان رسولنا حرم علينا حرق الزرع وتدمير المنازل وإهلاك الدواب حتى النحل نالته رحمة الاسلام وعدله، ولقد رأيت كيف نهى الرسول ان يقتل الرجل اباه لو كان فى معسكر المشركين، رأيت كيف نهى الرسول عن استخدام الأطفال والصبيان فى القتال.ان المسلمين لم يحاربوا قط من أجل الحقد والانتقام كما فعل الاوروبيون فى حملاتهم على بلداننا، فقتلوا النساء والأطفال والشيوخ وبقروا بطون الحوامل ليقتلوا جنينا لم يخرج بعد الى الحياة. وإذا أردت ان تستخرج مخازيهم من مستنقع تاريخهم الآن، فانظر فى حملاتهم الصليبية على بيت المقدس وغيرها من بلاد المشرق الإسلامى. إننا نرفع كتابنا الأبيض بأيدينا ونقول: هاؤم اقرأوا كتابيه، ولن تجدوا فيه ظلما ولا عدوانا. ولكنهم يضعون كتابهم خلف ظهورهم خزيا وخسرانا، وبعدما اسودت صفحاته بغيا وظلما وعدوانا. لقد سبق ديننا الحنيف جميع المواثيق والمعاهدات الدولية بأربعة عشر قرنا من الزمان، لقد وضع ديننا الحنيف أعظم المواثيق والدساتير الحربية. ينشر بترتيب مع وكالة الاهرام للصحافة