داخل مجمع مسور بجدران من الطين اللبن في قلب الصحراء يتدرب 150 مجنداً من جيش أفغانستان المستقبلي على كيفية السير بالخطوة العسكرية كانوا يرتدون الثياب العادية بدلاً من البزات العسكرية وبعضهم ينتعل صنادق بلاستيكية وآخرون يمضون حفاة. فجأة، يصرخ مدربهم بالباشتونية: «الى اليسار، در!» ويستديرون لكن البعض منهم يدور نحو اليمين. ثم يتعالى هتافه: «للأمام، سر» وينطلق الجنود، فيما البعض يقهقه ساخراً، وهم يتعثرون بأقدام من أمامهم والبعض متجهم من هذا التعقيد من دون ان يكون قادراً على مسايرة ايقاع الخطى. بعد ساعة من المجهود العبثي، يندفع الجنود سعداء لدى بدء استراحة الغداء ليتناولوا الخبز مع مرق البطاطا في مهاجعهم وتبدو القاعة الباردة المظلمة المبنية بالطوب اللبن محتفظة بالثقوب والفجوات في سطحها، نتيجة للقصف الامريكي، حيث كانت جزءاً من معسكر لطالبان في السابق. ان احداً من هؤلاء الجنود، الذين تطوعوا استجابة لنداء عام وجهته الحكومة الانتقالية الافغانية عبر الاذاعة خلال الشهر الماضي لم يحصل على مرتبه بعد وكذلك حال مدربيهم وهم بغالبيتهم ضباط سابقون في الجيش الافغاني التابع للحكومة الشيوعية السابقة والمدعوم من الاتحاد السوفييتي قبل ان ينهار ويتفكك بفعل الحرب الأهلية قبل تسع سنوات. والروح المعنوية الطيبة الواضحة داخل هذا الجمع المهلهل متعدد الاعراق هو رمز على تصميم البلاد على البدء في بناء نفسها من جديد، بعد عقدين من الحرب والتفكك الفئوي لكن محاولة افغانستان لبناء جيش من لا شيء يوضح مدى العقبات الجمة التي تقف أمام اعادة البناء. يقول محمد خطاب (41 عاماً) الذي يدرب هؤلاء المجندين: «اننا فخورون للغاية بأن نكون هنا والرجال متحمسون جداً. لا يهم اذا لم تكن لدينا بزات عسكرية او تجهيزات اننا نريد جميعاً بناء جيش حقيقي يخدم بلدنا، الا اننا نبدأ من الصفر ونريد العون من الله، ومن امريكا، وندعو ألا يتخلى عنا أي منهما ولا نريد للبلاد ان تتورط في القتال من جديد». ومسعى الحكومة الافغانية للتجنيد هو احد وسائلها لاستبدال ثقافة الغاب والعنف الفئوي وان تحل محلها قوات مسلحة منضبطة وموحدة، ومعتمدة على المفهوم المعاصر للتبعية لسلطة مركزية وليس الولاء لزعامات الحرب الاقليمية والقبلية. وفي اقليم قندهار بدأت السلطات حملة طموحاً لمصادرة السلاح، لضمان ان اي رجل مسلح يظهر في الشارع اما ان يكون شرطياً او جندياً، وألا تتمكن اي مجموعة من استخدام السلاح لابتزاز المدنيين او نهبهم او تخويفهم. وبالفعل، قامت مجموعة من الجنود المحليين في بداية هذا الشهر تدعمهم مجموعة من القوات الخاصة الامريكية بنزع سلاح مدينة سبين بولدوك الحدودية، التي كان المسلحون ينشطون فيها في ابتزاز المسافرين، وفي الوقت نفسه جمعت قوة الشرطة في مدينة قندهار السلاح من المنازل والجماعات المسلحة على السواء، وقال مسئولو الشرطة ان المدينة اصبحت اكثر أمناً بكثير مقارنة بما كانت عليه قبل اسابيع قلائل مضت. ويقول احد هؤلاء المسئولين، والذي يشرف على ضمان أمن وكالات الاغاثة الاجنبية ويعمل معها على استعادة السيارات والتجهيزات التي نهبت منها اواخر العام الماضي: «ان الوضع الأمني يتحسن يوماً بعد يوم ونحن نصادر سلاح اي شخص ليست له علاقة بقوة الشرطة ومعظم الناس يتعاونون معنا». لكنه يقول ان قوة الشرطة المكونة من 1700 رجل تعد متواضعة للغاية نظراً لنقص المال والخبرات فالعديد من الضباط ليست لديهم بزات رسمية، كما ان اي فرد منهم لم يقبض اي اجر منذ تسلم الحكومة الانتقالية للسلطة الشهر الماضي. ويضيف: «حينما انسحبت طالبان، اخذت معها كل شيء حتى أثاث المكاتب وبعض مخافر الشرطة ليست لديها شيء حتى الدراجات النارية أو اجهزة اللاسلكي اننا نبدأ كل شيء من جديد». كما ان انصار طالبان المسلحين، الذين يتحركون هناك، يشكلون عقبة اخرى أمام فرض الهدوء في المنطقة، ففي هذا الشهر فتحت جماعة من المسلحين النار على قاعدة عسكرية امريكية في المطار الواقع قرب قندهار وبعد ان هربوا، اكتشف الأفغان والامريكيون عدة مخابئ للصواريخ والقذائف والهاونات في بعض القرى والأبنية المهجورة. لكن العائق الأكبر أمام ايجاد سبيل لمنع اندلاع الصراعات والعنف في افغانستان يظل ممارسة سياسات القوة الفجة، فالجيش الجديد يستمد عناصره من مجندين لا يقيمون وفق خلفياتهم العرقية الا ان قوات الأمن الاقليمية والمحلية تستمد مجنديها من بين انصار مجموعة من زعامات الحرب والزعامات القبلية، الذين ظلوا حتى عام 1994 حين تسلمت طالبان لمقاليد الامور يخوضون ضد بعضهم صراعات في غاية الشراسة والضراوة. وفي الوقت الراهن، انضم هؤلاء القادة الفئويون الى حاكم جديد لاقليم قندهار، هو جول آغا شيرازي، المدعوم أمريكيا، والذي تتعاون قواته على نحو وثيق مع القوات الخاصة الامريكية لكن جول آغا هذا كان هو نفسه حاكم قندهار ايام الفوضى العارمة، التي سبقت هيمنة طالبان على البلاد، كما ان العديد من ابناء المنطقة مقتنعون بأنه لدى انسحاب القوات الامريكية لن يبقى هناك رادع للاقتتال الفئوي، لعقود ممارسات العنف من جديد. ويقول محمود ايوب (36 عاماً) وهو من ابناء الاقليم: «لقد سئمنا جميعاً من الحرب وبعد 23 عاماً من القتال، فإننا لا نثق ببعضنا ومن المهم جداً ان يبقى الامريكيون والا فإن القتال قد يندلع من جديد». يذكر ان انصار جول آغا امضوا سنوات لاجئين في باكستان وعادوا الشهر الماضي، وكانوا من بين 5 آلاف مقاتل عملوا على اخراج طالبان من معقلها الاخير هذا. وفي المعسكر رقم سبعة الذي بدأنا منه حيث يتدرب مجندو الجيش الافغاني الجديد على السير بالخطوة العسكرية وحركات الانضباط في الصباح ويلعبون كرة الطائرة في الامسيات تبدو العداوات القديمة وقد غابت خلف الاحساس الجديد بالاعتزاز الوطني والوحدة الوطنية الوليدة. هناك في تلك الارض الصحراوية يتدرب الاميون بجانب المعلمين السابقين، ويشترك الطاجيك الشماليون بمهاجعهم مع الباشتون القندهاريين بإمرة ضباط أفغان مخضرمين من المرحلة التي كانت فيها للبلاد قوة مسلحة وطنية موحدة. يقول عمر جول قائد التدريب في المعسكر: «اننا نريد تعليمهم ثلاثة امور: التضامن والانضباط أولها واطاعة الاوامر الصادرة عن قائد وحيد ثانيها لكن اكتساب عقلية جديدة هو ثالثها واهمها، لقد دمرت هذه البلاد نتيجة الاقتتال بين الفئات لكن من الآن فصاعداً يجب ان نفكر باعتبارنا بلداً واحداً». عن «واشنطن بوست»