كتاب مراجعة الجماعة الاسلامية للجهاد، الحلقة الثانية، إلقاء النفس إلى التهلكة محرم شرعاً ولاسبيل الى اعتباره استشهاداً

يستمد كتاب «تسليط الاضواء على ما وقع في الجهاد من اخطاء» اهميته من اكثر من جانب، فهو يندرج في سلسلة «تصحيح المفاهيم» التي اطلقتها الجماعة الاسلامية المصرية في غمار مراجعة شاملة لمواقفها على صعيدي الفكر والحركة. ومؤلفو الكتاب اعضاء في مجلس شورى الجماعة، كما انه تم اقراره ومراجعته من قبل القادة التاريخيين للجماعة. والكتاب يقع في بابين أساسيين اولهما يلقي الضوء على شرعية التغيير في الاجتهادات الفقهية والثاني يبرز ما وقع في الجهاد من اخطاء ويسعى الى استدراكها مشدداً على حرمه القاء النفس في التهلكة وقتل المدنيين وقتل المستأمنين مع التشديد على أن الصلح خير ووجوب الوفاء بالعهد في إطار هذا الصلح. سنوات العنف في مصر التسعينيات كانت حاسمة في تاريخ هذا البلد، وقادت بعد ذلك إلى المراجعات التى أجرتها الجماعات الاسلامية ليس على أفكارها فقط وانما على مجمل أفكار حركات الاسلام السياسى العنيفة. ومن المهم الاشارة هنا إلى ان الطبيعة المصرية المسالمة والمتسامحة لعبت دورا في هذه المراجعات، فعلى الرغم من عدم فداحة خسائر المواجهة مقارنة ببلد مثل الجزائر الذى أزهق العنف فيه أرواح 120 ألف شخص مقارنة بألفى شخص في مصر. فإن هذه المواجهات وإسالة الدماء الغريبة على المجتمع المصرى كانت دافعا اساسيا لهذه المراجعات التى ليست حجرا في بركة مياه راكدة. كما قدم أصحاب المراجعات لسلسلتهم التى تحمل اسم «تصحيح المفاهيم» وإنما قد تكون بداية لوضع مفهوم جديد للدين يأخذ من الاسلام سماحته، وينقى الشريعة مما علق بها بسبب دوامات العنف المتتالية التى جعلت صفة الارهاب لصيقة بالمسلمين في كل أنحاء العالم. وإذا كان أعضاء مجلس شورى الجماعة السلامية قد أطلقوا مبادرتهم في عام 1997 فإن هذه المبادرة كانت انعكاسا صريحًا لحدة المواجهات الدامية بين شباب الجماعة وقوات الشرطة والتى وصلت ذروتها في عام 1995 الذى شهد مصرع 373 شخصًا، وقتل 103 من رجال الشرطة و79 مواطنا، و16 قبطيا، مقابل 193 من عناصر الجماعات المسلحة. لكن الملاحظة المهمة في سياق عمليات العنف ان عام 1995 حمل تغييرا نوعيا في عنف الجماعة ضد المواطنين حيث أقدمت على قتل المتعاونين من الأهالى مع الشرطة ،الأمر الذى اعتبره الكثيرون في ذلك الوقت مؤشرا خطيرا على تصاعد حدة المواجهات وغلبة شكل الثأر المساند في صعيد مصر على الواجهة الفقهية التى حرصت الجماعة الاسلامية على التأكيد عليها في صراعها مع الحكومة المصرية. وتطورت العمليات الارهابية في السنة نفسها تطورا ملحوظا، لتمتد إلى خارج مصر حيث وقعت محاولة اغتيال الرئيس المصرى حسنى مبارك في أديس أبابا، وفجرت جماعة الجهاد السفارة المصرية في اسلام آباد وتم اغتيال الملحق التجارى المصرى بجنيف وتعرضت سفيرة مصر في بلغاريا إلى اعتداء مسلح. أما الاعتداءات الداخلية فقد تركز معظمها في محافظة المنيا بصعيد مصر والتى شهدت 77% من ضحايا العنف، وتعرض رجال الشرطة إلى 56 اعتداء لكن الضحايا من الضباط الكبار تراجعوا ودفع جنود الشرطة البسطاء ثمنا باهظا لتلك المواجهات الدامية حيث قتل 98 جنديا وخمسة ضباط. كل هذه الأحداث لم تكن بعيدة عن مجلس شورى الجماعة الاسلامية في سجن طرة. لكن فكرة وقف العنف لم تكن قد تبلورت بعد، وكان طرحها في ظل شلال الدماء يبدو أمرا صعبا لكن ذلك لم يمنع ظهورها، ومن ثم بدأت المراجعات الفقهية الموجودة بين أيدينا الآن. تغير الفتوى في «تسليط الأضواء على ما وقع في الجهاد من أخطاء »مقدمة أساسية، وبابان، الباب الأول يحمل عنوان شرعية التغير في الاجتهادات الفقهية. ويعتبر هذا الباب بمثابة مقدمة ثانية. هدفت إلى توضيح الأدلة الشرعية التى تبرر مراجعة الاجتهادات الفقهية القديمة التى قامت على أساسها جماعات الاسلام السياسى أو الجماعات الجهادية كما رسمها البعض. « لقد نص العلماء والفقهاء والأصوليون على تغيير الفتوى بتغير الأعراف والأزمان والأحوال، ومن أمثلة ذلك: 1 - كان المتقدمون من علماء الحنفية يرون أنه لا يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن لأنه عبادة، ولم يكن هناك خوف على القرآن من هذا الحكم لأن الدولة كانت تجزل العطاء للقائمين على تعليمه، ولكن الوضع تغير بمرور الزمن، فمنعت الدولة ما كانت تمنحه لهؤلاء القراء، فرأى المتأخرون من فقهاء الحنفية أنه يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن خوفا من أن ينصرفوا عنه إلى الاشتغال بأمور معاشهم بعد أن منعت عنهم الدولة ما كانت تعطيه لهم؛ فيضيع القرآن بسبب ذلك. 2 - كان أبو حنيفة يقرر أن بيع النحل ودود القز لا يجوز، لأنهما لا يدخلان عنده في مفهوم المال. ولكن أفتى محمد بن الحسن بعد ذلك بجواز بيعها بناء على أن العرف قد جرى بذلك. وبعد.. فإن الله سبحانه وتعالى قد جعل لكل قوم شريعة تناسبهم، ثم جاءت الشريعة الإسلامية عامة وصالحة لكل زمان ومكان، ولكى تكون كذلك فإن باب الاجتهاد فيها مفتوح، وكثيرا ما غير المجتهدون من اجتهاداتهم بتغير أحوال الناس من مكان إلى مكان ومن زمان إلى زمان، كما فعل الإمامان الخليفتان عمر وعلي رضوان الله تعالى عليهما، وكما فعل الإمام الشافعى بعدما انتقل من العراق إلى مصر. إن دينا يصلح لقيادة العالم منذ بعثة النبى صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة، لابد له من أن يتحلى بقدر عظيم من المرونة ليصلح لجميع الأجناس في جميع الأوطان في جميع الأزمان، ولذا قال النبى صلى الله عليه وسلم : «أصحابى كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» كالنجوم يهتدى بها الناس أجمعون في كل الأوطان وفى جميع الأزمان.بل إن المجتهد الواحد له أن يغير فتواه إذا رأى المصلحة في ذلك كما فعل ابن عباس عندما سأله رجل: هل للقاتل توبة؟ فقال له: ليس له توبة! لأنه فطن أن ذلك الرجل يريد أن يقتل ثم يتوب، فأجابه بما يمنعه من الإقدام على القتل، وسأله آخر السؤال نفسه، فأجابه: بأن للقاتل توبة، لأن هذا الرجل قد قتل فعلا، فلم يرد ابن عباس أن يغلق أمامه باب التوبة. ثم أن كثيرا من العلماء غيروا اجتهاداتهم، ورجعوا عن كثير من أقوالهم لما تبين لهم خلافها مع الشرع الحنيف غير مبالين بما يقال عليهم، فإن الحق أحق أن يتبع، ومن أرضى الله عز وجل بسخط الناس، رضى الله عنه وأرضى عنه الناس ولا يزعمن أحد أن ما قاله هو الحق المطلق الذى لا يدخله باطل، فقد كان كثير من الأئمة العظام لا يجزم بالحكم في كثير من المسائل، ويقول أظنه كذا، وكانوا يقولون: (إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين) «الجاثية: 32» في كثير من أقوالهم وفتاواهم. والمرء يوما بعد يوم يزداد علما ويتسع أفقه وتتضح له الصورة بكل أبعادها، فلا حرج عليه بعد ذلك أن يغير ما قاله أو اعتقده صوابا، ولو كتم المرء علما أو اجتهادا وصل إليه خوفا على مكانته بين الناس لكان آثما مرائيا لكتمان الحق ولنظره للناس، يقول ابن تيمية: إن الإنسان لايزال يطلب العلم والإيمان، فإن تبين له من العلم ما كان خافيا عليه اتبعه. فلا بأس إذن ولا حرج على الجماعات الإسلامية في مختلف البلدان أن يغيروا قليلا أو كثيرا من أقوالهم واجتهاداتهم السابقة إذا رأوا أن ذلك أهدى سبيلا وأقرب إلى الحق، أو رأوا في ذلك مصلحة عامة للإسلام وللمسلمين. وهذا التغير دليل قوة لا دليل ضعف، فإن القوى هو الذى يستطيع التغيير ويقدر عليه. إن القدسية في الإسلام لكلام الله عز وجل ثم لسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أما ما عدا ذلك من اجتهادات وآراء وفتاوى وأفكار، فهى قابلة للمراجعة وقابلة لأن يؤخذ منها ويرد، لا حرج على أحد من المسلمين في ذلك ما دامت هذه الاجتهادات والفتاوى مبنية على المصلحة أو العرف. وبعد هذه المقدمة الشرعية المهمة التى يقدمها قادة الجماعة الاسلامية لبيان ان من حقهم مراجعة الاجتهادات الفقهية القديمة كما انه من حق غيرهم وفقا للتطور الزمانى والمكانى ينتقلون للمبحث الرئيسى في الدراسة وهو تصحيح مفهوم الجهاد والذى كان سببا في كل دوامات العنف الدينى طوال التاريخ. الجهاد وسيلة لا غاية يحمل الفصل الأول عنوان «الجهاد وسيلة وليس غاية»، ويخلص هذا الباب إلى ان الاصرار على القتال سواء في مصر أو غيرها من البلدان محرم شرعا وعقلا طالما جلب المفاسد العظيمة على الدين والدنيا ولم يحقق مصلحة تذكر. إن الجهاد في سبيل الله هو أعظم الاعمال وأزكاها، وهو أيسر الطرق إلى رضوان الله تعالى والجنة ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لولا أن يشق على المسلمين ما قعدت خلاف سرية،.. والذى نفس محمد بيده لوددت أنى أغزو في سبيل الله فأقتل ثم أغزو فأقتل، ثم أغزو فأقتل». ولما كان الجهاد بذل أعظم وأنفس ما عند المؤمنين ألا وهى أنفسهم.. يبذلونها دون خوف ولا تردد. ولما كان فيه بذل الأموال وترك الزوجات والذريات وهجر المساكن والأوطان، ولما كان فيه قتال الأنفس وإراقة الدماء كان حريا بالشارع أن يضع له أعظم الضوابط وأقوى الاحكام، حتى لا تراق الدماء في كل واد وسبيل، وحتى لا يختلط الحابل بالنابل، ولا يدرى القاتل فيم قتل ولا المقتول فيم قتل!! إن دماء المسلمين وأرواحهم هي أعظم شيء عند الله عز وجل لذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم». وقال صلى الله عليه وسلم وهو يطوف بالكعبة: (ما أطيبك وأطيب ريحك، ما أعظمك وأعظم حرمتك، والذى نفس محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله منك؛ ماله ودمه). وقال صلى الله عليه وسلم : (ولو أن أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبهم الله في النار). إن طائفة من شباب هذه الأمة علموا ما في الجهاد من أجر عظيم وفضل عميم، ورضوان من الله أكبر، لذا قاموا يبحثون عن الجهاد ويرغبون في الثواب مندفعين بحث الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، طلبا للجنة، فكان واجبا علينا أن نبصرهم أن الجهاد ليس هدفا في ذاته ولا غاية، إنما هو وسيلة لرفع راية الدين وإعلاء لكلمة الله تعالى، فإذا لم يحقق الجهاد غايته كان ممنوعًا، لما فيه من إراقة الدماء وذهاب الارواح والأموال، والجهاد مع عدم تحقيق الغاية منه: غلو وتشدد مذموم في الشريعة. والصوم أيضا فرض لكنه يسقط في حالة المرض المزمن الذى يزداد بالصوم، لأن المفسدة هنا أعظم من مصلحة الصوم، لأنه إذا صام في هذه الحالة فقد يذهب الصوم بحياته وينقطع عمله بالكلية بما فيه الصوم وغيره! ولقد علمنا الله تعالى في كتابه العزيز كيف نقيس المصالح والمفاسد فقال : (يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما) فالخمر والميسر فيهما منافع للناس، ولكنهما حرام شرعا لأن المفسدة فيهما أعظم من المصلحة، وهكذا كل عمل رجحت فيه المفسدة على المصلحة كان ممنوعا شرعا، وإذا رجحت المصلحة على المفسدة كان مشروعا، وفى ذلك يقول الإمام الشاطبى: (لما ثبت أن الأحكام شرعت لمصالح العباد، وكانت الأعمال معتبرة بذلك لأنه مقصود الشارع، فإذا كان الظاهر موافقا والمصلحة مخالفة فالعمل غير صحيح وغير مشروع، لأن الأعمال الشرعية ليست مقصودة لنفسها وإنما قصد بها أمور أخرى هي معانيها، وهى المصالح التى شرعت لأجلها». ولقد رأينا طائفة من الناس تقول: إنه يجب على المسلمين الجهاد من دون النظر إلى النتائج، حتى لو كان الإنسان بمفرده لوجب عليه الجهاد، لأن الجهاد فريضة لا تسقط عن المسلم بأى حال من الأحوال وأنه من أراد الجنة فعليه بالجهاد، وكيف يدخل الجنة من لم يقاتل أو يجاهد في سبيل الله؟. وهؤلاء غاب عنهم الهدف الأسمى الذى من أجله شرع الجهاد، ألا وهو إقامة الدين ورفع راية التوحيد، (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله)، فالقتال فرض لمنع الفتنة ومحق الشرك، أما إذا أدى القتال إلى الفتنة ولم يحقق مقاصده المشروعة، فهو ممنوع شرعا وعقلا وكل فرض فرضه الشارع الحكيم إنما هو لتحقيق المصلحة ودرء المفسدة، فإذا لم يحقق الفرض ذلك سقط الفرض في هذه الحالة. فالحج مثلا فرض ولكنه يسقط إذا لم يأمن الحاج على نفسه وماله من قطاع الطريق، فإذا خرج الحاج في هذه الحالة قتله اللصوص واخذوا ماله، فلم يحقق المصلحة من الحج، ووقعت مفسدة قتله وأخذ ماله فهل يأمر عاقل هذا الرجل بالحج في مثل هذه الحالة؟ فالإمام الشاطبى يقرر الآتى: 1 - إن الأحكام الشرعية إنما شرعت لمصالح العباد وإسعادهم في الدنيا والآخرة. 2 - إنه إذا اتفق الأمر الشرعى مع المصلحة المرجوة منه فإنه يجب العمل بهذا الحكم. إذا لم يحقق الحكم الشرعى المصلحة المرجوة منه، بل حقق المفاسد أو رجحت كفة المفاسد على كفة المصالح كان العمل غير شرعى وغير صحيح. وعلى ذلك إذا لم يحقق القتال المصالح المرجوة منه وحقق المفاسد أو رجحت كفة مفاسد القتال على مصالحه: كان القتال ممنوعًا محظورًا، وعلى هذا تواترت أقوال العلماء، وإليك بعضا منها: القول الأول: قال ابن تيمية: إذا تعارضت المصالح والمفاسد والحسنات والسيئات وتزاحمت فإنه يجب ترجيح الراجح منهما فإن الأمر والنهى وإن كان متضمنا لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة فينظر في المعارض له فإن كان الذى يفوت من المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر، لم يكن مأمورا به، بل يكون محرما إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته». القول الثانى: قال ابن تيمية: (الشريعة جاءت لتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وإنها ترجيح خير الخيرين وشر الشرين، وتحصيل أعظم المصلحتين وتفويت أدناهما، وتدفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناها، قال تعالى: (يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما) فتبين أن السيئة تحتمل في موضعين، دفع ما هو أسوا منها إذا لم تدفع إلا بها، وتحصيل ما هو أنفع من تركها إذا لم تحصل إلا بها، والحسنة تترك في موضعين: إذا كانت مفوتة لما هو أحسن منها، أو مستلزمة لسيئة تزيد مضرتها على منفعة الحسنة، هذا يتعلق بالموازنات الدينية، أما سقوط الواجب لمصلحة في الدنيا وإباحة المحرم لحاجة في الدنيا، كسقوط الصيام لأجل السفر وسقوط محظورات الإحرام وأركان الصلاة لأجل المرض فهذا باب آخر يدخل في سعة الدين ورفع الحرج. القول الثالث: قال الدكتور محمد سعيد رمضان البوطى: (أجمع جمهور الفقهاء على أن المسلمين إذا كانوا من قلة العدد أو ضعف العدة بحيث يغلب عليهم الظن أنهم سيقتلون من غير أى نكاية في أعدائهم إذا ما أجمعوا قتالهم ينبغى أن تقدم هنا مصلحة حفظ النفس، لأن المصلحة المقابلة وهى مصلحة حفظ الدين موهومة أو منفية الوقوع، ويقرر العز بن عبد السلام حرمة الخوض في مثل هذا الجهاد قائلا: (إذا لم تحصل النكاية وجب الانهزام لما في الثبوت من فوات النفس ومن شفاء صدور الكفار وإرغام أهل الإسلام وقد صار الثبوت هنا مفسدة محضة ليس في طيها مصلحة)، قلت ـ والقائل البوطى ـ «وتقديم مصلحة النفس هنا من حيث الظاهر فقط، أما من حيث حقيقة الأمر ومرماه البعيد فإنها تقتضى في مثل هذه الحالة أن تبقى أرواح المسلمين سليمة لكى يتقدموا ويجاهدوا في الميادين المفتوحة الأخرى، وإلا فإن إهلاكهم يعتبر إضرارا بالدين نفسه وفسحا للمجال أمام الكافرين ليفتحوا ما كان مسدودا من السبل». القول الرابع: قال الإمام الجوينى: (فإذا أفضى الأمر إلى خلاف ما تقتضيه الزعامة، وصار الأمر (أى الخلافة والسلطان) إلى من هو عون الظالمين وملاذ الفاسقين، وعسر القبض على يده الممتدة لاستظهاره بالشوكة العتيدة والعدة المعدة فقد شغر الزمان عن القيام بالحق ودفع إلى مصابرة المحن طبقات الخلق. القول الخامس: قال محب الدين الخطيب : «من سياسة الإسلام أن يختار المرء في كل حالة أقلها شررا وأخفضها ضررا، فإذا كانت للخير قوة غالبة تقمع الشر وتضيق دائرته فالإسلام يهدى إلى قمع الشر بقوة الخير، وإن لم يكن للخير قوة غالبة تقمع الشر وتضيق دائرته فمصلحة الإسلام في عدم استخدام القتال». القاء النفس في التهلكة يحمل الفصل الثاني عنوان «حرمة القاء النفس في التهلكة» ويؤكد في خلاصته ان القاء النفس في التهلكة منهى عنه شرعا وعقلا،وان الشباب الذين يقدمون على قتال الحكومات القوية فيهلكون أنفسهم من دون أى نفع للإسلام أو المسلمين يتسببون في العديد من المفاسد والشر، ويؤدى ذلك إلى التضييق على الدعوة الاسلامية الأمر الذى يجعله حرام شرعا. أجمع العلماء سلفا وخلفا على أن القدرة هي مناط التكليف، وأن ما كان فوق الطاقة فليس مما كلفنا الله تعالى به، وان العاجز غير مكلف أصلا. ولقد غالى بعض الشباب وحملوا انفسهم مالاطاقة لهم به، وخرجوا حاملين السلاح على دولة قوية ذات شوكة ومنعة تملك من أسباب القوة البشرية والعسكرية والاقتصادية والإعلامية والسياسية ما يجعل هؤلاء الشباب فريسة سهلة الالتهام، وينتج عن قتالهم هذا من المفاسد والمصائب الكثيرة مالا يحصى ويقتل العدد الكبير من الطرفين، ويحبس الجم الغفير منهم، ويشرد الباقى في الجبال والزراعات، ويعود الضرر الأعظم على أسرهم وذويهم، وتنطفيء هذه الشعلة سريعا مخلفة وراءها كل هذه المفاسد دون تحقيق أى نوع من المصالح. ولو فكر هؤلاء الشباب قليلا لعلموا أنه : (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) البقرة: 286( ولعلموا أن الله لم يجعل عليهم في الدين من حرج، وأن الله يريد بهم اليسر ولا يريد بهم العسر، ونقول لهؤلاء: إن الله تعالى قد علم فيكم ضعفا فخفف عنكم ورحمكم فلا تحملوا أنفسكم مالا طاقة لكم به وما لم يفرضه الله عليكم، وهذه طائفة من أقوال العلماء في هذا الصدد بما يبين ضرورة مراعاة هذا في الأمر في كل قتال وفى كل حال: القول الأول: قال ابن تيمية : (إن الأمر بقتال الطائفة الباغية مشروط بالقدرة والإمكان إذ ليس قتالهم بأولى من قتال المشركين والكفار، ويعلم أن ذلك مشروط بالقدرة والإمكان). القول الثانى: قال الإمام الجوينى: (إن المتصدى للإمامة إذا عظمت جنايته وكثرت عاديته وفشا احتكامه واهتضامه وبدت فضاحته وتتابعت عثراته وخيف بسببه ضياع البيضة وتبديد دعائم الإسلام، ولم نجد من ننصبه للإمامة حتى ينتهض لدفعه حسب ما يدفع البغاة، فلا نطلق للآحاد في أطراف البلاد أن يثوروا، فإنهم لوفعلوا ذلك لاصطدموا وأبيدوا وكان ذلك سببا في زيادة المحن وإثارة الفتن). فهذا هو الإمام الجوينى يمنع العوام من الثورة على الحكام في زمانه لأنهم لو خرجوا فلن يستطيعوا تحقيق غرضهم وسوف يبادون وتزداد المحن والفتن والشرور. القول الثالث: قال ابن تيمية: «فمن كان من المؤمنين بأرض هو فيها مستضعف أو في وقت هو فيه مستضعف فليعمل بآية. الصبر والصفح والعفو». وبمعناه قال الزركشى في «علوم القرآن»، والسيوطى في «الاتقان». وقال ابن عباس : (من فر من اثنين فقد فر، ومن فر من ثلاثة فما فر). المغني لابن قدامة بتصرف يسير. القول الرابع : ذهب ابن الماجشون، ورواه عن مالك: (إن الضعف إنما يعتبر في القوة لا في العدد وإنه يجوز أن يفر الواحد عن واحد إذا كان أعتق جوادا وأجود منه سلاحا وأشد قوة). القول الخامس : قال ابن جرير الطبرى: (ولا نعلم خلافا أن الكفار أو قطاع الطريق إذا قصدوا بلدة ضعيفة لا طاقة لأهلها بالقاصدين فلهم ان يتنحوا من بين ايديهم وإن كانت الآجال المقدرة لا تزيد ولا تنقص). وعلى هذا فقد قال العلماء: إنه لا يجب القتال إذا كان العدو أكثر من الضعف. إذن.. فيرحم الله هؤلاء الشبان الذين يرمون أنفسهم في أتون معركة لا قبل لهم بها فيهلكون دون فائدة ترجى من رواء ذلك بل إنهم يزيدون الأمر بلاء وشدة وكربا! القول السادس : قال ابن قدامة: (يجب الثبات إذا كان الكفار لا يزيدون على ضعف المسلمين فإن زادوا عليه جاز الفرار لقوله سبحانه وتعالى: (الآن خفف الله عنكم وعلم ان فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين) (الانفال:66) ولم يأت شيء ينسخ هذه الآية لا في كتاب ولا في سنة يوجب الحكم بها. قال ابن عباس لما نزلت: (إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين) الانفال: 65 شق ذلك على المسلمين حين فرض الله عليهم ألا يفر واحد عن عشرة، ثم جاء تخفيف فقال: (الآن خفف الله عنكم ) الانفال:66)، إلى قوله : (يغلبوا مائتين) (الانفال:65). القول السابع: قال الشوكانى في تفسير قوله تعالى: (وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) (البقرة:195). (الحق أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فكل ما صدق عليه أنه تهلكة في الدين أو في الدنيا فهو داخل في هذا، وبه قال ابن جرير الطبرى، ومن جملة ما يدخل تحت الآية أن يقتحم الرجل في الحرب فيحمل على الجيش مع عدم قدرته على التخلص، وعدم تأثيره لأثر ينفع المجاهدين، ولا يمنع من دخول هذا تحت الآية إنكار من أنكره من الذين رأوا السبب، فإنهم ظنوا أن الآية لا تجاوز سببها، وهو ظن تدفعه لغة العرب. وأخرج ابن أبى حاتم عن عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث أنهم حاصروا دمشق فأسرع رجل إلى العدو وحده، فعاب ذلك عليه المسلمون، ورفع حديثه إلى عمرو بن العاص فأرسل إليه فرده وقال. قال الله تعالى: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة). وفى تفسير الألوسى قال البلخى في تفسير قول الله سبحانه وتعالى: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) (البقرة: 195):(إنها «أي التهلكة» اقتحام الحرب من غير مبالاة وإيقاع النفس في الخطر والهلاك). القول الثامن: قال ابن قدامة: (إذا حاصر الإمام حصنا، فإن رأى المصلحة في الانصراف عنه إما لضرر في الإقامة، وإما لليأس منه، وإما لمصلحة ينتهزها تفوق باقامته، فينصرف عنه، لما روى أن النبى صلى الله عليه وسلم حاصر أهل الطائف فلم ينل منهم شيئًا فرجع وتركه. ينشر بترتيب مع وكالة الأهرام للصحافة

طباعة Email
تعليقات

تعليقات