مظهران في منتهى الخطورة لم يولهما الإعلام حقهما ويجب التوقف عندهما طويلاً وتأمل ابعادهما عميقاً احدهما تمرد الضباط الإسرائيليين عن الخدمة في المناطق الفلسطينية والاخر تظاهر صهاينة أمام البيت الأبيض ضد شارون ابان زيارته إلى واشنطن. اذا كان البعض اعتبر اعتراف عرفات «بالمخاوف الديموغرافية لإسرائيل» ثمرة شهية قطفها شارون للحصار الذي يفرضه بالدبابات على الرئيس الفلسطيني فيحق لنا اعتبار التمرد والتظاهرة انتصاراً للانتفاضة الفلسطينية الثانية وهزيمة شخصية لرئيس الوزراء الإسرائيلي ومشروعه الإرهابي. أهمية التمرد والتظاهر انهما يعكسان بجلاء عمق الأزمة داخل اخطر مؤسستين للدولة الإسرائيلية المؤسسة العسكرية واللوبي الصهيوني. أكثر من مئة ضابط وجندي يعلنون رفض قمع الفلسطينيين على ذلك النهج الوحشي وبضع عشرات من المتطرفين اليهود يعلنون أمام البيت الأبيض تنصلهم عن نهج شارون الدامي ويعلنون كذلك قناعة بحق الفلسطينيين في الدولة. الانتفاضة الفلسطينية تحدت الآلة العسكرية الإسرائيلية من منطلق اثبات عجزها أمام شعب اعزل الا من ايمانه بحقه في الحياة والدولة لكن الانتفاضة لم تزعم قدرتها الانتصار على ترسانة إسرائيل.. شارون هو الذي اطلق عنان دباباته وجرافاته وطائراته على فرضية انه يستطيع ان يحقق انتصاراً عسكرياً على الفلسطينيين ففتح جبهة حرب ظالمة. خطيئة شارون تكمن في اعتقاده ان المعركة مع الشعب الفلسطيني ذات طابع عسكري. على نقيض ذلك تماماً يرى قادة الانتفاضة انهم يخوضون حرباً سياسية حتى وهم يواجهون جيش الاحتلال المعزز بالطائرات والصواريخ والدبابات. الرؤية الفلسطينية للحرب انها صراع ارادات يتم حسمها بالصمود الذي يتعزز بالصبر على الخسائر واكتساب المتعاطفين. من هنا فان خطورة تمرد الضباط على شارون لا تنحصر في وقوعه داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية فحسب ـ وهذا وحده يكفي ـ وإنما لأن الانتفاضة تكون قد ربحت انتصاراً داخل معسكر العدو. رفض العسكريين الإسرائيليين المتمردين للتوغل بين عظام الفلسطينيين وحطام منازلهم يفضح الرعب الذي ينهش المجتمع الإسرائيلي تحت ايقاع العمليات الاستشهادية ولن نذهب ابعد من ذلك لجهة استيقاظ ضمير ضباط الاحتلال ولكننا لا نستبعد بالضرورة الاقتناع بفشل مشروع شارون الذي لم يجلب الأمن ولم يحقق السلام. المظاهرة الاحتجاجية ضد شارون أمام البيت الأبيض تعكس ـ رغم ضآلة عدد المشاركين فيها ـ اعترافاً من قبل اللوبي الصهيوني في أمريكا بفشل نهج شارون أو على الأقل محاولة لتجميل صورة إسرائيل بعد القبح الذي راكمه شارون أمام المجتمع الدولي. كلاهما التمرد والتظاهرة يشكلان طعنة لرئيس الوزراء الإسرائيلي وانتصاراً للانتفاضة. عمر العمر