قال د. ياسين سعيد نعمان رئيس مجلس النواب اليمني السابق واحد ابرز قيادات الحزب الاشتراكي المتواجدين في الخارج منذ حرب 1994 يجب الا ترهن العودة بشرط سياسي وان تصبح قضية مستقلة عن الموقف السياسي الذي يمكن للانسان، ان يحمله اينما حل، مشيراً إلى ان هناك من ينظر إلى المصالحة الوطنية كشرط للعودة وهناك من يرى انها موقف سياسي تتجسد فيه حاجة وطنية لا تقتصر على من هم في الخارج ولكنها تشمل الوطن كله. وكشف ياسين في حديث لـ «البيان» وجود اتصالات مع علي سالم البيض موضحاً بأن هناك من ينصح النظام بالغاء الاحكام وفتح صفحة جديدة في الحياة السياسية اليمنية. وأكد بأن الحزب الاشتراكي اليمني قوة رئيسية حاضرة في الحياة السياسية اليمنية بالرغم من كل ما تعرض له من ضربات قاسية وتهميش منذ حرب 1994م. وأشار المسئول اليمني السابق الى ان هناك موانع حقيقية تحول دون اجراء اصلاحات هيكلية منها ان جانباً مهماً من البنية الاقتصادية للبلاد موظف في الاساس لانتاج مصالح خاصة لمراكز النفوذ وهذه لا يمكن لاحد ان يقترب منها أو يمسها. وقال ان محاولات ما يسمى بالاصلاح قد اسفرت خلال الفترة الماضية عن مزيد من افقار الطبقات الشعبية وتصفية الطبقة الوسطى من الوجود وتزايد اثراء الفئات الطفيلية والبيروقراطية الإدارية والعسكرية. وحول انضمام اليمن لبعض مؤسسات مجلس التعاون الخليجي قال د. ياسين نعمان على دول المجلس الا تنظر إلى اليمن على انه بلد فقير وان انضمامه سيكون عبئاً عليها دون قراءة استراتيجية لابعاد التكامل السياسي والامني والاقتصادي الذي سيولده انضمام اليمن، مؤكداً في ذات الوقت بأن على اليمن ان يعالج مسألة انضمامه من الزاوية التي يكون فيها شريكاً مؤهلاً لا رجلاً مريضاً كما كانت تركيا وما زالت حتى اليوم بالنسبة لأوروبا. وفيما يلي نص الحوار: ـ كيف تقيمون المشهد السياسي اليمني في ظل المتغيرات الداخلية والاقليمية والدولية؟ ـ على الرغم من ان المشهد السياسي اليمني يتميز بقدر من الديناميكية على صعيد المؤسسة القائدة للحكم، الا ان هذه الديناميكية تبتلع بواسطة جهاز إداري وسياسي خامل لا يستطيع ان يتفاعل معها أو يكون ناقلاً فعالاً لمبادراتها. اما لماذا يبقى هذا الجهاز حاملاً فذلك ربما لأنه يفتقد إلى النظام المؤسسي الملائم الذي يكسبه المرونة والفعالية في صياغة علاقة متوازنة ومثمرة مع بقية عناصر المشهد السياسي من احزاب ومنظمات سياسية ونقابية ومهنية ومراكز ابحاث وصحافة.. الخ. ولذلك فانه يجوز القول ان الحراك السياسي اليمني بطيء التأثر بالمتغيرات الاقليمية والدولية بسبب بطء آلياته وضعف حساسيتها تجاه هذه المتغيرات. وعليه فان المشهد السياسي اليمني لم يشهد تغيراً يذكر منذ امد بعيد، فقد حافظ على سكونه، فيما عدا بعض الحالات التي يستنفر فيها النظام السياسي من داخله او يستنكف بسبب احداث عالمية كبرى مثل 11 سبتمبر الإرهابية التي تعرض فيها اليمن لبعض الضغوط. ولا شك ان تعثر آليات النظام في تجسير حركته بالمتغيرات الدولية يعود في الاساس إلى ان هذه الاليات تعمل من غير مؤسسات تؤمن لها القدر الكافي من التناسق والتنظيم والفعالية من جهة تلبية حاجة النظام السياسي إلى محفزات داخلية وخارجية تساعده على تحديث ادواته ومفاهيمه ومنظومة علاقاته الداخلية. والمشكلة ان هذه الآليات صممت تاريخياً وفقاً لمعايير مشتقة من فكرة الغلبة، وفي كل جولة من جولات الصراع تشحن بالعناصر المقاومة للمتغيرات المحيطة أياً كان شكلها أو لونها، وتعمل بنظام مواجهة المؤامرة، الذي يستنزف الجزء الاكبر من الوقت في اعمال تحبط بدورها روح المبادرة ولابد لوضع كهذا من ان يقاوم هذه المتغيرات أو يقف بها عند حدود معينة لتجاوز محنة ما، وهي لا تترك اثراً يذكر على المشهد السياسي سوى ما ينتجه ذلك من احتقانات. ـ هل تعتقدون ان عودة سالم صالح محمد تأتي ضمن ترتيبات سياسية معينة في الداخل لاعادة رسم الخريطة السياسية والتوازنات ضمن رؤيا جديدة؟ ـ حرصت دائماً الا اعلق على عودة اي زميل ممن اضطرتهم ظروف حرب 1994 إلى مغادرة اليمن بما في ذلك عودة الاخ العزيز سالم صالح، وذلك بسبب رأيي حول هذه المسألة والذي اعلنته من فترة مبكرة والرؤوس لا تزال حامية. وشخصياً لا اعرف ما اذا كانت هناك ترتيبات سياسية أم لا، فالأخ سالم هو خير من يرد على هذا السؤال. ـ الملتقى العام لابناء المحافظات الجنوبية والشرقية الذي انشأته بعض الشخصيات السياسية امثال حسين عرب واحمد مساعد حسين وغيرهما، هل يعتبر شكلاً من اشكال التنظيمات السياسية أم هو مؤشر على ازدياد الاحتقان السياسي كما يقال؟ ـ أفضل من يتحدث حول هذا الموضوع هم أصحاب الشأن، اما انا فلا استطيع ان فتي في موضوع لا اعرف عنه الكثير، والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: اجرأكم في الفتوى اجرأكم في النار. ـ تتحدث الاوساط السياسية عن قرب عودتكم الى اليمن ضمن تنسيق واتصالات لاعادة بعض الشخصيات والرموز السياسية من الخارج.. ما صحة ذلك؟ ـ لا اريد ان اتحدث في هذا الموضوع حتى لا ابدو وكأني اناقش العودة إلى الوطن على صفحة الجرايد وكأنها خبر العصر. هناك من يريد المسألة تبدو وكأنها كذلك، حتى باتت عنواناً لصفقات سياسية لتبقى علاقة الانسان بوطنه وكأنها مجرد اشاعة. نحن نحمل وطننا معنا اينما كنا، ولا احد يستطيع ان ينتزعه من قلوبنا لانه الحقيقة التي تتجسد من خلالها الحقائق الاخرى. هناك مشكلة، لسنا أول ولا آخر من واجهها، واليمنيون على اختلاف نحلهم واجهوا هذه المشكلة في صور مختلفة وتحت عناوين عديدة ما انزل الله بها من سلطان. نسأل الله ان يلهم اليمنيين الحكمة لحل القائم منها وتجنب تكرارها لتغادر قاموس حياتهم السياسي إلى الأبد كما حدث في أكثر من بلد. وطالما انك مهتم كثيراً بقضية العودة دعني احدثك بشيء من التفصيل عن هذه المسألة. منذ فترة مبكرة وبسبب حجم المأساة التي خلفتها الحرب ونزوح الالاف فقد تركت قضية العودة إلى الوطن لتقدير الشخص يقررها وفقاً للظروف المناسبة التي يرى انها قد توفرت لعودته ويتحمل في سبيل ذلك النتائج اياً كانت. ولهذا السبب كان رأيي الا نرهن العودة بشرط سياسي، وان نجعلها قضية مستقلة عن الموقف السياسي الذي يمكن للإنسان ان يحمله اينما حل. والمهم الا يكون الموقف السياسي ثمناً للعودة. ولهذا السبب هناك من نظر إلى المصالحة الوطنية كشرط للعودة، وهناك من رأى انها موقف سياسي تتجسد فيه حاجة وطنية لا تقتصر على من هم في الخارج ولكنها تشمل الوطن كله. ومع ذلك هناك من عاد من اصحاب الرأي الأول وهناك من بقي من اصحاب الرأي الثاني، والسبب ان المشكلة كانت تكمن في مكان آخر، في الأسلوب الذي عالج به النظام مسألة عودة الناس بصورة انتقائية. فمن ناحية راح يكثف الدلالة السياسية للعودة وفقاً لحاجته، لكنه من ناحية اخرى يستفز من أي رأي سياسي يتعلق مثلاً بالغاء الاحكام او معالجة قضايا الناس كلهم، أو اعادة ممتلكاتهم لتبدو العودة وكأنها صفقة سياسية على حساب الآخرين. على ان تكثيف الدلالة السياسية للعودة قد اخذ منحى عبر عنه رد فعل بعض اجنحة النظام من عودة الناس وذلك بوضع «المواطنة الصالحة» في مواجهة المصالحة الوطنية. وبينما اخذت هذه القضية تتداخل ببعدها السياسي مع ملمحها الانساني الذي لا يمكن اغفاله لارتباطها بالظروف التي تسببت فيها الحرب واهمال معالجة اثارها على مدى ثمانية اعوام، فان النظام لم ير فيها سوى الوجه الذي يجعله مستفزاً من بقاء الناس في الخارج دون معالجة جادة لهذا الوضع. هل يستطيع النظام ان يرى الوجه الآخر من المسألة؟! انا على يقين من ان النظام لديه عيون اخرى أكثر شفافية لرؤية هذا الوجه الاخر من تلك العيون التي تجمدت في المكان الخطأ ولم تعد قادرة على ان ترى سواه. ـ هل هناك تواصل بينكم وبين علي سالم البيض وبقية قائمة الـ 16، وهل ترى ان الظروف باتت مهيأة لعودة الجميع، وهل هناك وساطات عربية في هذا الشأن؟ ـ نعم، بكل تأكيد هناك اتصالات بيننا في المناسبات، نسأل عن بعضنا البعض كلما سنحت الظروف، نتبادل التهاني في المناسبات السعيدة، ونعزي بعضنا في الاحزان.. فبيننا عشرة عمر فيها من الحلاوة والمرارة ما يجعلها اشبه ببيت شعر مطلعه يشيع البهجة والتفاؤل وعجزه يثير الحزن والالم.. ومع ذلك لا يستقيم معناه الا بقراءته كاملاً. اما فيما يتعلق بالشق الآخر من السؤال فيمكن القول ان كل شخص يستطيع ان يقرر بمفرده ما اذا كانت الظروف قد تهيأت لعودته أم لا، فلكل حالة ظروفها من زاوية رؤية النظام وطريقة تعاطيه مع هذه القضية. وشخصياً لا اعرف ان كانت هناك وساطة عربية أو غيره، كل ما اعرفه هو ان هناك من ينصح النظام بالغاء الاحكام وفتح صفحة جديدة في الحياة السياسية اليمنية. ـ ماذا بشأن الحزب الاشتراكي اليمني، وكيف ترى موقعه في الخريطة السياسية ومدى تأثيره في اوساط المعارضة وفي مجمل السياسات اليمنية؟ ـ الحزب الاشتراكي اليمني قوة رئيسية حاضرة في الحياة السياسية اليمنية بالرغم من كل ما تعرض له من ضربات قاسية وتهميش منذ حرب 94. يدخر مخزوناً كبيراً من عناصر التجديد بسبب برنامجه الوطني التحديثي وخبرته المتراكمة ومنظماته المنتشرة في طول اليمن وعرضه، ومع ذلك فالسلطة لن تسمح له ان يتجاوز سقفاً معيناً في نشاطه، كما هو حال بقية احزاب المعارضة الاخرى، لكن في حالة الاشتراكي نجد ان هذا السقف ادنى من سواه بكثير، وهي لن تتردد في استخدام القوة لتحجيمه اذا بدا لها انه يعمل على تجاوز هذا السقف بنفس الوسيلة «الديمقراطية» التي تتحدث عنها. الخريطة السياسية اليمنية، بسبب هذا، اضحت كباقي الوشم في ظاهر اليد، بتعبير طرفة بن العبد. لم يعد احد يتبين منها سوى خطوطاً باهتة بسبب ما لحق بها من خربشة وتشطيب، والحزب الاشتراكي اليمني هو جزء من هذا الوشم الذي يقاوم عبث الزمن وفعله الاهوج، واذا واصل النظام طمس مواقع الاحزاب الاخرى على هذه الخريطة بتصفية كافة مؤسساته منها فلن نستطع ان نتحدث عن خريطة بلون واحد. ـ ما هي رؤيتكم لدور المعارضة في اليمن ضمن اللعبة الديمقراطية وقدرتها على التأثير في صناعة القرار السياسي؟ ـ صناعة القرار السياسي بشكل عام عملية معقدة حينما يكون الرأي العام حاضراً بقوة على طاولة اتخاذ القرار. وفي القرارات المهمة لابد من استطلاع الرأي العام بوسائل مختلفة قبل اتخاذها. وهنا تلعب المعارضة السياسية دوراً مؤثراً من خلال شرح موقفها وطروحاتها للرأي العام وتستطيع بذلك ان تؤثر في صناعة القرار. ما يحدث عندنا في اليمن هو ان القرار يتخذ وبعد ذلك يتم استمزاج موقف الرأي العام منه، وقد يصنف المعترضون عليه في خانة الاعداء المتربصين بالنظام. وحينما يكون الرأي العام ملحقاً أو مهمشاً فلا تستطيع معارضة، مهما كانت نشطة، ان تسهم في صناعة القرار لأن سقف اللعبة الديمقراطية قد تحدد مسبقاً بعدد محدود من المقاعد البرلمانية لأحزاب المعارضة لزوم الزينة على هامش الاطار الذي صمم على مقاس الاغلبية المريحة للحزب الحاكم. «بيت الطاعة» احدث مثل على انفصال مركز القرار عن الرأي العام، وفي تقديري ان الضغوط في جبهات اخرى كانت سبباً في ايقاف العمل به فالله لا يجمع بين عسرين. ـ عندما اتفقت الدولتان في شطري الوطن اليمني على الوحدة السلمية يوم 30 نوفمبر عام 1989 واعلانها بعد ذلك في مايو 1990، كان لابد من معادل موضوعي يضبط ايقاع الدولة الجديدة، وكان هذا المعادل الموضوعي هو الديمقراطية. ولم تكن هناك تقاليد ديمقراطية تسمح بمواجهة مصاعب المرحلة الأولى من بناء دولة الوحدة، غير ان ميزاناً سياسياً من نوع ما كان قد ضبط إلى حد كبير نزعة التمرد على الديمقراطية بعد ان بدا انها قد قيدت إلى حد كبير الأسلوب الفردي والشمولي القديم في إدارة الدولة. وشهدت السنوات الأولى من عمر الوحدة حتى انتخابات 1993 ارهاصات التحول الديمقراطي بمعنى من المعاني، كانت ابرز اوجهها التعددية السياسية والفكرية وعلنية مجلس النواب وحرية الصحافة وبروز مؤسسات المجتمع المدني وبدء تشكل النظام المؤسسي للرأي العام، وكانت هذه الفترة قد شهدت صياغة القوانين العامة لدولة الوحدة بمضامين روعي فيها الاخذ بأحسن ما في النظامين السابقين. وبدا ان شيئاً جديداً يولد في اليمن بالرغم من الصعوبات الموضوعية والذاتية التي كانت تشكل عقبات حقيقية امام هذا التحول المهم. لكن مواصلة السير في هذا الطريق اصطدمت بموروث عنيد من التخلف الذي ظل يقاوم هذا الجديد بأشكال وأساليب متنوعة، كان اخطرها ذلك الذي برز من داخل مؤسسات النظام القديم، والتي راحت تختلق المعارك الجانبية وتزرع العراقيل امام هذا التحول، وكانت اكثر نفوذاً وتنظيماً في مقاومة التحول الديمقراطي لشعورها بأن ذلك الأمر يعيد تأهيل الوطن سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وثقافياً على نحو من شأنه ان يفكك في المدى المنظور حلقات نفوذها ومصالحها المتيبسة والصدئة، وكانت الحرب التي اعادت انتاج كل شيء بأدوات القوة. وبقية الأمور يمكن ان تقرأ في سياق ردي على اسئلتك الاخرى. ـ هل ترون ان وتيرة الاصلاحات الهيكلية للاقتصاد اليمني تسير بمستوى الاوضاع المترهلة والفساد المالي والإداري؟ ـ أولاً لا يمكن القول انه توجد اصلاحات هيكلية بالمفهوم الذي يعاد فيه بناء الاقتصاد على أسس حديثة يتم من خلالها توظيف مجمل الشروط السياسية والاجتماعية وكذا السياسات المالية والنقدية والإدارية لهذا الغرض. عزل الاصلاحات الاقتصادية عن جملة هذه الشروط والسياسات لا يوحي بأن هناك ارادة حقيقية لمثل هذه الاصلاحات. في الاقتصاد، كما هو الحال في كل شيء متحرك، لا يمكن ان تعالج المخرجات بمعزل عن المدخلات التي تشكل في ظروف الاقتصاد اليمني منظومة واسعة من العوامل السياسية والامنية والإدارية والمالية والاجتماعية، واقع هذه المدخلات يحدد بالنتيجة الصورة النهائية للاقتصاد في أي مجتمع من المجتمعات. ما يجري هو معالجات جزئية بواسطة ما يسمى أدوات رد الفعل، وهي بطبيعتها تفتقر إلى الترابط، والاثر الكمي الذي تحدثه سرعان ما تمتصه الاختلالات الكبيرة في منظومة المدخلات بما في ذلك الفساد المالي والإداري كما تفضلت. هناك موانع حقيقية تحول دون اجراء اصلاحات هيكلية منها ان جانباً مهماً من البنية الاقتصادية للبلاد موظف في الأساس لانتاج مصالح خاصة لمراكز النفوذ وهذه لا يمكن لأحد ان يقترب منه أو يمسها، وهي تشكل في الغالب الفروع المدللة التي تمتص نشاط الفروع الاخرى لصالحها، وهي بطبيعتها انشطة طفيلية غير منتجة، اشبه بالطحالب التي تمتص المياه على حساب الزرع، أي انه لا يمكن للزرع ان يثمر دون تصفية هذه الطحالب. لقد تمددت هذه الانشطة وتوسعت بصورة لم يعد معها ممكناً ان نتحدث عن اصلاحات من أي نوع كان دون صدام حاد معها، والنتيجة المنطقية لهذا الصدام ستكون هزيمة أي محاولة للاصلاح الهيكلي، ومما له دلالة خاصة هو ان محاولات ما يسمى بالاصلاح قد اسفرت خلال الفترة الماضية عن مزيد من افقار الطبقات الشعبية وتصفية الطبقة الوسطى من الوجود وتزايد اثراء الفئات الطفيلية والبيروقراطية الإدارية والعسكرية، اضافة إلى ما اصاب القطاعات الانتاجية من اضرار خطيرة بسبب توسع النشاط الطفيلي على حساب هذه القطاعات دون ان يسهم في حل مشكلة البطالة مع تهربه من الضرائب واستنزافه للنقد الاجنبي في انشطة لا تولد قيمة اضافية تذكر إلى الناتج الاجتماعي. ـ هل نجحت اليمن في التعاطي مع الحملة الأمريكية لمكافحة الإرهاب؟ ـ ليس المهم ان تنجح في التعاطي مع هذه الحملة، وانما المهم هو القدرة في فك الاشتباك مع بعض القوى والعناصر التي ظلت تساند الإرهاب خلال السنوات الماضية. ربما كانت هناك جهود من نوع ما لفك هذا الاشتباك الذي بات عبئاً ثقيلاً، لكنني اعتقد ان هناك من يعمل على توجيه هذه الجهود إلى ميادين اخرى ربما لتصفية حسابات خاصة تحت مظلة مكافحة الإرهاب، وهذا بطبيعة الحال سيعيد انتاج الإرهاب في صورة اخرى وعلى نحو اكثر تعقيداً من ذي قبل. امريكا تقيم الإرهاب في أي مكان في العالم من وجهة نظر مصالحها وأمنها، وهذا شأنها، لكن السؤال هو أين يتقاطع أمنها مع أمن بلداننا وأين يفترق. غير مسموح لهذه البلدان ان تناقش ذلك، عليها ان تقبل بالتفسير الامريكي والا وضعت في دائرة المرمى. وربما اقتصر طلبها من اليمن على ما اعتبرته خطراً على مصالحها في اليمن أو في المنطقة، واذا كان ما اعلن صحيحاً من انها تبحث عن شخصين او ثلاثة او حتى عشرين، فهل هذا مما يدعو إلى اخذ المسألة في اطار ابسط مما توحي به دلالات اصرار امريكا على توقيع اتفاقية امنية مع اليمن. الحقيقة هي ان ما يعلن شيء وما يتحاور عليه الطرفان شيء آخر تماماً. لم تستطع «ديمقراطية» اليمن ان تمكن القوى السياسية والشعبية من اكتشاف هذا الشيء الآخر، فقد بقي وسيبقى خارج الشفافية، وان تحدث عنه البعض مجتهدين، لكن الحقيقة هي ان استحقاقاته لن تكتشف دفعة واحدة، وربما تكشف محاكمات المدمرة كول جانباً منها. ودعني اقول لك ان مكافحة الإرهاب مهمة وطنية لابد ان يشترك فيها الجميع، المهم ان يعرف الناس ماذا يراد من اليمن وما هو المطلوب منه، وان يبدي النظام استعداداً كافياً على السير في طريق مكافحة الإرهاب حتى النهاية. ـ كيف تقرأ قمة قرارات مسقط الاخيرة المتعلقة بانضمام اليمن لبعض مؤسسات مجلس التعاون الخليجي؟ وهل تعتقد ان دخول اليمن سيساهم في اعادة تشكيل المنظومة الاقليمية ومنحها أدواراً اكثر فعالية وتأثيراً؟ ـ علينا نحن اليمنيين الا ننام عند هذه القرارات، فالمهمة المقبلة اكثر تعقيداً اذا نظرنا للمسألة من زاوية تفعيل عوامل الشراكة التي تجعل من انضمام اليمن إلى المجلس تجسيداً لحاجة حقيقية لدى دول هذا المجلس. فلا يكفي ان ينظر للمسألة من زاوية حاجة اليمن، بل لابد ان تكون هذه الحاجة متبادلة، وهذا لن يتأتى الا من خلال تقييم المسألة من منظور استراتيجي. على دول المجلس الا تنظر إلى اليمن على انه بلد فقير وان انضمامه سيكون عبئاً عليها دون قراءة استراتيجية لابعاد التكامل السياسي والأمني والاقتصادي الذي سيولده انضمام اليمن، ذلك ان لدى اليمن مخزون من العوامل الايجابية للشراكة التي من شأنها ان تجعل قضية الفوارق المعيشية الحالية ثانوية بحساب مستقبل هذه الشراكة، وعلى اليمن ان يعالج مسألة انضمامه من الزاوية التي يكون فيها شريكاً مؤهلاً، لا رجلاً مريضاً كما كانت تركيا ومازالت حتى اليوم بالنسبة لأوروبا. فإذا كانت هذه القرارات قد انطلقت من حاجة فعلية مشتركة للطرفين ـ اليمن ـ المجلس ـ فلا شك ان المرحلة المقبلة ستشهد حوارات جادة ومكاشفة صريحة حول جملة المسائل المعلقة وخطوات حثيثة لترقية العوامل المشتركة هنا وهناك. اما اذا أخذت المسألة بعداً تكتيكياً لا يعكس الا قدراً ضئيلاً من توافق الحاجات التي تنشئها الظروف المستجدة فستشهد المرحلة المقبلة ترحيل هذه الحوارات واستبدالها بمكاتبات دواوينية رتيبة تنتهي في الادراج ويموت معها مشروع مهم كما ماتت من قبله الكثير من المشاريع الحيوية. ـ هل يمكن القول ان مؤسسات المجتمع المدني اضحت لاعباً رئيسياً في الحياة السياسية اليمنية ام ان القوى التقليدية ممثلة بالقبيلة ما زالت هي الامضى والاكثر حضوراً وطغياناً؟ ـ ليس من المنصف ان نضع القبيلة في مواجهة مؤسسات المجتمع المدني حينما يتعين علينا ان نتاول موضوع هذه المؤسسات بالتقييم. مشكلة مؤسسات المجتمع المدني ليست مع القبيلة لأن القبيلة في حالتنا يجري توظيفها توظيفاً مشوهاً خارج قيمها وتقاليدها تماماً كما يحدث مع بقية مكونات المجتمع الاخرى وفعالياته، بما في ذلك المقدس الديني، على قاعدة سياسية لها منطقها الذي يجعل مثل هذا التوظيف سبباً في اعادة انتاج هذه القبيلة وغيرها بصورة تبدو معها وكأنها نقيضاً لمؤسسات المجتمع المدني. مشكلة هذه المؤسسات هي مع منظومة القيم السياسية السائدة التي تعكس نزوعاً إلى تجسيد القوة في فكرة استبدادية لا تقبل الآخر. الهامش الذي نلمسه الآن سببه هو ان هذه الفكرة لم تتبلور بعد، ففي حين تستعجل القوة بلورة الفكرة الشمولية، يثار السؤال عن صلاحية التحالف الاجتماعي القائم لاسناد هذه الفكرة دون ان يؤذي نفسه بانقسامات تؤثر على هيمنته على الحكم وعلى الحياة السياسية عموماً. يوجد وسط هذا التحالف من يخشى هذه الفكرة ويتململ منها لاعتبارات تتعلق بما قد تفرضه من معادلات جديدة ربما قذفت به مؤسسات المجتمع المدني، ويمكن ملاحظة ذلك في مناسبات عدة كلما ازداد ضغط القوة باستعجال الانتقال إلى الفكرة الشمولية. ـ ما هي أبرز تداعيات احداث 11 سبتمبر ضد الإرهاب على الساحة اليمنية؟ ـ الحقيقة ان العالم بأكمله قد فجع بأحداث 11 سبتمبر الإرهابية، وساده الذهول، وبدت اللحظات التي اعقبت التفجيرات وكأن شبح الدمار يجول في سماء الكون يستطلع أهدافه بعناية وينتقيها بدقة العارف بأن تدميرها انما يضع العالم على حافة الدمار والخراب الكاملين، وقد ادان العالم هذه التفجيرات وغيرها من الاعمال الإرهابية واعتبرها صورة للانحطاط الذي يتجه بالعالم نحو نهايات لن تقف به الا على انقاض منجزاته، ولم يكن هناك مجال للمناورة بالمواقف بعد ان بدا ان الإرهاب قد بلغ هذا المستوى من التخطيط والقدرات المادية والتنظيمية والتخفي. حينها فقط بدأت الولايات المتحدة تعي بشكل ملموس خطورة اللعبة التي لعبتها منذ فترة مبكرة في صراعها مع عدوها الأول يومذاك الاتحاد السوفييتي من خلال الدور الذي افسحته لليمين المتطرف المسيحي الذي انتج اسوأ نقيض للحرية الديمقراطية فيما عرف بالمكارثية، واطلاق المواجهة في مكان آخر بتوظيف العامل الديني، كل ذلك تحت شعار محاربة الشيوعية، وراحت تفتش بين اوراقها القديمة عن الخطر الذي بات يهددها، لكنها للأسف لم تنظر إلى هذا الخطر سوى بنصف عين على غير ما كان يستوجبه الحال من ضرورة فتح حدقات اعينها على مساحة اوسع وذلك من منظور ان التطرف ليس له لون أو دين أو عرق، فهو ايديولوجية اليائسين والموتورين وفاقدي الحيلة في الالتحاق بركب الحضارة الإنسانية، وبسبب ذلك فقد فتح «فرجار» الامن القومي الامريكي على دائرة محددة بعينها على الاطلس العالمي حشرت فيه عنوة منطقتنا كلها باعتبارها مصدراً للإرهاب، وفي نطاق الدائرة التي اتسع لها هذا الفرجار راح رد الفعل الأمريكي يختار أهدافه العسكرية والسياسية والمالية والاستخباراتية، وكان اليمن من بين الدول الذي لامس ذلك الفرجار تخوفها مما دفع بسؤال كبير عن المدى الذي ستذهب إليه أمريكا في التعامل مع هذه الدولة التي منحتها التسهيلات العسكرية كجزء من اعادة تصميم شبكة الأمن القومي الأمريكي على الصعيد العالمي في منطقة لم تكن تملك فيها الحرية الكافية للحركة حتى عهد قريب. وكانت الاجابة ان هذه التسهيلات، كما اثبتت حادثة المدمرة «كول»، لا تعني، بمعيار الجرأة والدقة اللذين نفذت بهما العملية وكذا تعثر التحقيقات، ان اليمن قد بات خارج الشبهات من وجهة نظر أمريكا، وانه آن الأوان لتوفير عنصر لوجستي على الارض يشمل دائرة اوسع من اعادة التأهيل الأمني والسياسي، والأهم من ذلك تجفيف منابع ما يسمى بالإرهاب والذي يطال بشكل مباشر وغير مباشر بعض أجنحة الحركة الإسلامية السياسية ومؤسساتها الفكرية والدعوية، ولأن لله جنوداً من عسل، فقد توصلت الآلية الاستخباراتية الأمريكية إلى ما يدعم حجتها بادراج بعض شركات العسل في قائمة الإرهاب، استناداً إلى هذه المرجعية الثقافية التي يتمسك بها أهل اليمن لادانة معاوية في مقتل الحسن بن علي بن ابي طالب رضي الله عنه. حصرت التداعيات السلبية المباشرة في نطاق ضيق، وهذا مكسب لليمن نحمد الله عليه، أما التداعيات الايجابية فنأمل ان تشمل كل ما يرتب استقراراً وأمناً لهذا البلد، وهذا رهن بقدرة ذوي الحل والعقد على قراءة الأمور بصورة أفضل. حاوره: صالح القاضي