عصرنا الحالي هو عصر التعقيد والتناقض والتحدي، ففي الوقت الذي ندخل القرن الحادي والعشرين نجد اننا نحظى بقدر من الثراء والقدرة والتقنية لم يعهده التاريخ الانساني من قبل. والقلة المحظوظة التي تعيش في دول العالم المتقدمة يسوقها قدرها السعيد بشكل حتمي تقريباً نحو مستقبل تثريه ألوان التقدم التي تحدث وحدثت في مجال الكمبيوتر والاتصالات و العلوم المتعلقة بالحياة. غير انه بالنسبة لمعظم شعوب العالم، تبدو الفرص الذهبية التي يحملها معه القرن الجديد بعيدة المنال. فهناك أكثر من ستة مليارات نسمة يعيشون الآن على وجه الأرض، وربما سيقفز هذا الرقم إلى عشرة مليارات بحلول عام 2100، معظم هؤلاء سيعيشون في المدن، ويحتمل أن تكون حياة الكثير منهم قصيرة ويكتنفها الفقر، وسيفتقد الكثيرون الى الثروة أو الوعي اللازم لتناول ومعالجة مشكلات الحياة في المدن المكدسة بالسكان، مثل افتقاد الراحة وعدم التأقلم وعدم كفاية الغذاء والماء وغياب الأمن. إننا نواجه تحديات هائلة، وكلما تضخم عدد سكان الأرض لا سيما في الدول الأكثر فقراً زادت أيضاً معدلات الاستهلاك في دول العالم الصناعية. يجب أن نجد الوسائل اللازمة لتخفيف العبء الذي ترزح تحته موارد الأرض، ويجب أن نشجع التوصل الى معالجة وخدمة أفضل لكوكب الأرض حتى يتسنى لنا العيش في بيئة نظيفة ومنتجة. إن القرارات التي سنتخذها في العقود المقبلة سوف تؤخر ليس فقط في الحضارة الانسانية، ولكن أيضاً في مصير آلاف من الأنواع التي تمثل ملايين السنين من التطور والارتقاء. عادة ما نصاب بالاحباط في طموحاتنا الغالية. لقد رأى لويس باستير مخترع علم الأحياء المجهري وأحد كبار المساهمين في تطوير الأمصال في فترة الثمانينيات من القرن التاسع عشر، ان الكائنات البشرية تملك القوة اللازمة «لمحو الأمراض الطفيلية من على وجه الأرض»، غير انه منذ ذلك الحين، توفي مئات الملايين من البشر من جراء امراض معدية، مثل الالتهاب السحائي، الملاريا، الإيدز، الجدري، الكوليرا، الانفلونزا، والطاعون، وعشرات الأمراض الأخرى. وبعد ثلاثين عاماً من الاكتشافات في مجال علم الأحياء الجزيئي، مثل الاستنساخ عن طريق الحمض النووي، اكتشاف الجينوم، وكذلك التطورات الجديدة المذهلة في البحوث الانسانية، ما زلنا نواجه المأساة الانسانية المتمثلة في موت الكثيرين يومياً بسبب أمراض يمكن الوقاية منها، بعضها قديم والآخر حديث، وغير متوقع بل وأكثر ضراوة. كيف لنا ان نعالج كوكبنا ونصل الى كوكب أرضي يفيد ويغزي الانسانية والطبيعة بكل تنوعاتها؟ كأفراد، يمكننا ان نعمل على الحد من خطورة التعرض للامراض ومد يد الرعاية الى الآخرين. وكمجتمعات ودول، يمكننا ان نقوم بتعليم مواطنينا وحق شرائعنا بشكل أخلاقي وحكيم وندعم المنظمات البحثية ونساعد المرضى. ربما يتمثل أهم تحدٍ نواجهه في القرن الجديد في عملية اقتسام الثروة والفرص والمسئوليات بين الفقراء والأغنياء، إذ أن العالم الذي تتسع فيه الهوة وتتفاقم بين الغني والفقير لا يمكن أن ينعم بالأمن أو الاستقرار حتى الآن لم نقم باتخاذ التعهدات اللازمة نحو هذا الهدف فتقريباً مليار شخص على ظهر المعمورة يعانون الأمية اكثر من نصف سكان العالم لديه القليل، او ليس لديه على الاطلاق، من الرعاية الصحية، ويعيش على أقل من دولارين في اليوم، عليه ان يقتات ويلبس ويجد مأوى منها وفي الوقت نفسه، نجد ان متوسط الدخل السنوي للعائلة الامريكية يزيد على 55 ألف دولار، ويتمتع الكثير من أفراد الدول الصناعية بالدخل نفسه، بل اكثر من ذلك في بعض الحالات. ان افضل طريقة لقياس ثروة الدولة هي معرفة معدل الناتج القومي العام بها لقد اتخذت دول الاتحاد الاوروبي قراراً مشتركاً مفاده اقتسام 9.4% من الناتج القومي العام بها مع الدول النامية غير ان الولايات المتحدة الامريكية ومعظم دول العالم الغنية الاخرى ذهبت بعيداً عن هذا القرار، يجب ان تتزايد مساهماتنا بقدر كبير اذا كنا نريد ان نواجه التحديات المستقبلية للانسانية بأي قدر من الأمل الحقيقي في النجاح. ان جانباً من الاجابة على المشكلة يتمثل في العمل على زيادة نطاق الجهود الخاصة، التي بالفعل لا تزال محدودة على سبيل المثال، خلال العشرين عاماً الماضية، خصص مركز كارتر اكثر من نصف جهده وموارده من اجل الرعاية الصحية في افريقيا وامريكا اللاتينية وساعدنا الخبراء في التعرف على الأمراض التي نأمل في محوها من الأرض، احد تلك الامراض يتسبب فيه طفيلي يدعى دودة غينيا عندما بدأت برنامجنا لمكافحة تلك الدودة، كان اكثر من 3.5 ملايين شخص قد اصيبوا بالمرض اللعين الذي تسببه تلك الدودة، معظمهم في اماكن نائية من افريقيا حيث لا يتوافر الا الماء الملوث للشرب نجحنا ان نقلص عدد المصابين بالمرض بنسبة 98%، وليس هناك الآن الا 70 ألف شخص مصاباً تقريباً كلهم يعيشون في منطقة الحروب جنوب السودان، ونحن لا نألو جهداً كي نخفف من معاناتهم واثناء معركتنا لمكافحة مرض العمى النهري، وهو احد الامراض الاستوائية الاخرى، سافرنا الى قرى من اجل معالجة اكثر من سبعة ملايين شخص كل عام، لن يصاب احد منهم الآن بأية حالة عمى من جراء قرصة ذبابة سوداء صغيرة كانت تتسبب في المرض. ان نجاح تلك الجهود يؤكد اعتقادي بأن الوقت الحاضر ليس أوان اليأس بل هو أوان الوصول الى تعهد عالمي وتكاتف من اجل الاستفادة من معرفتنا العلمية لمعالجة مشكلات عصرنا وخلال العام المقبل سيقوم المعهد القومي الجيوجرافي بابراز والقاء الضوء على التحديات التي تواجه الانسانية في القرن الواحد والعشرين، مثل الكفاح العالمي للسيطرة على الامراض، وجعل طعامنا وشرابنا آمناً ونظيفاً، وان نعيش سوياً بشكل بناء ومثمر، ربما تبدو المشكلات غير قابلة للحل ولكنها ليست كذلك فنحن نملك الادوات لحلها، ولدينا الكفاءات البشرية متقدة الذهن والمخلصة التي بوسعها تقديم حلولاً لتلك المشكلات كل ما نحتاجه هو احساس بالمسئولية المشتركة والعزيمة على احداث التغيير ويمكن لتلك العزيمة ان تنمو من تفهم المعطيات وبمجرد ان نتفهم الامر فسنهتم وبمجرد ان نهتم سوف نستطيع احداث التغيير اللازم. عن «ناشيونال جيوجرافيك»