الملف السياسي: صفق اعضاء الكونجرس بحرارة، وهلل الرأي العام الامريكي للرئيس بوش الذي اعتلى المنبر، كقيصر قادم من القرون الوسطى، ومنصبا من نفسه المدعي العام للكرة الارضية، متعهدا بمواصلة الحرب ضد التنظيمات الارهابية والدول التي ترعاها، وتحدث عن وجود عشرات الالاف من الارهابيين الذين تدربوا في افغانستان ، واعتبرهم بوش قنابل موقوتة، معدة للتفجير دون انذار، وذهب الرئيس الامريكي بعيدا في تحديد الدول التي اطلق عليها محور الشر، الذي يضم كوريا الشمالية والعراق وايران، وارهاب عالمي تحت الارض، تمثله منظمات حماس والجهاد الاسلامي وحزب الله وجيش محمد، وتوقف مطولا عند خططه العسكرية في مرحلة ما بعد افغانستان والتي تشمل احتمال نقل الحرب ضد الارهاب الى اكثر من مكان، وبذلك اختار الرئيس الامريكي التصعيد العسكري على الرغم من تنبيه مسئول بارز في البيت الابيض من خطأ قراءة الكثير في الموقف او اعتباره مؤشرا حول المسرح الجديد لمكافحة الارهاب. ردود الفعل جاءت سريعة ومستنكرة لهذه النبرة الخطابية الحماسية التي اعتبرتها الـ «سي ان ان» مناخا تعبويا لا سياسي، ووصفها البعض ببيان قيادة الثورة الكونية، ورفضتها الدول والتنظيمات المستهدفة، ومعظم بلدان العالم، ولا سيما الاتحاد الاوروبي وروسيا والصين والهند، الا ان الملفت للنظر لم يكن معدل ذكاء بوش المحدود، الذي استحضر صورة تبدو غريبة عن طبيعة القادة السياسيين الامريكيين، بل استجابة الكونجرس لكلامه، وفرحة الامريكيين بخطابه، الذي لم يختلف عن البيانات والنصوص الصادرة عن «اسامة بن لادن» لا في الشكل ولا في المضمون، انها الحرب بين الخير والشر، بين الحق والباطل بين الايمان والكفر، بين الحرية والاستبداد . مؤكدا ان امريكا التي جرحت في كبريائها في 11 سبتمبر تهذي، تقرر الذهاب الى الحرب بقوتها الماحقة من دون ان تسأل من هو العدو، ليس في العالم سوى الارهاب ولا مجال لاي نقاش حول اسبابه ومصادره، ولماذا كانت امريكا الهدف، مع انها ليست الاكثر حرية وليبرالية وديمقراطية وعلمانية، الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان كمفهوم فكري في بلاد العم سام، لم تكن سوى الغطاء لنظرية فيلسوفها الذرائعي البراجماتي الاول «وليم جيمس» الذي يرى المصلحة فوق المبدأ. غرور القوة الولايات المتحدة الامريكية التي تحولت الى امبراطورية وحيدة بعد تفكك الاتحاد السوفييتي، مأخوذة بغرور القوة العظمى، وتسعى من خلال هيمنتها لاعادة ترتيب اوضاع العالم وفقا لمصالحها، وذلك قبل ان يبدأ الآخرون التقاط انفاسهم، مستبدلة مقولة تضاؤل دور الدولة عالميا بمقولة «تعاظم دور الدولة التي لا يمكن الاستغناء عنها» والتي يقصد بها المحللون الامريكيون تأكيد مركزية الولايات المتحدة الامريكية وسيادتها، باعتبارها الدولة المحورية لنظام عالمي جديد، وعلى الرغم من ان امركة العالم صيغة معترض عليها من الاقطاب الاوروبية والآسيوية، الا انها اصبحت القضاء والقدر الذي ينهال فوق رؤوس الشعوب، ومن المسلم به ان المبالغة في القوة قد يزيد من حدة الخلل الاستراتيجي العالمي في ظل احادية قطبية مشكوك بأمرها. بوش حدد وجهة لسياسة بلاده الخارجية، بعد نحو عشر سنوات من الارتباك في تحديد الاولويات، لقد حرم سقوط الاتحاد السوفييتي واشنطن من خصم تتماسك حوله السياسة الخارجية التي شهدت مرحلة مخاض صعبة وكرست الجهد خلال العقد الاخير من القرن الماضي لتسويق مفاهيم يمكن الدفاع عنها «التجارة الحرة، حقوق الانسان، الديمقراطية، اسلحة الدمار الشامل واحتواء روسيا». الا أن هذه العناوين التي تخضع للعبة الارادات الدولية لم ترض غرور القوة الامريكية، فحسم جورج بوش خياره لصالح مدرسة في التفكير يمثلها وليام كريستول تدعو الى اقصى التدخل في شئون العالم. ومغادرة النزعة الانعزالية، وتحمل المسئوليات التي يمليها الموقع الامبراطوري، وبذلك نقل الرئيس الامريكي معركته من الداخل الى الساحة الخارجية وهو الذي كان معروفا عنه انه اقل الرؤساء الامريكيين الذين وصلوا الى البيت الابيض خبرة في شئون السياسة الخارجية والشئون العالمية. اخضاع العالم وبمقدار ما قصد بوش طمأنة الشعب الامريكي الى امنه بعد احداث 11 سبتمبر، فانه سعى في الوقت نفسه الى اعدد الامريكيين لحرب طويلة تتعدى افغانستان واسامة بن لادن، لتصل الى حدود اخضاع العالم برمته بحسب الرؤية الامريكية، واقامة قطب واحد تعود اليه وحده مرجعية القرار فيما هو خير وما هو شر، وبذلك حدد بوش مصير الامريكيين في الداخل بما يتحقق له من انجازات في حربه على الارهاب وهي معركة لن تنتهي في غضون سنة او سنتين بل وضع لها حدا يتجاوز حتى السنوات الثماني التي يمكن ان يمضيها في البيت الابيض في حال اعادة انتخابه في العام 2004، وبذلك اقام الرئيس الامريكي رابطا بين ازدهار امريكا في الداخل والانتصار في الحرب على الارهاب في الخارج، ومن هنا جعل خطابه عن حال الاتحاد خطابا شعبويا لايمكن لاي امريكي ان يعترض عليه مادام نجح في وضع مواطنيه امام خيار القتال في الخارج او التعرض للاختراقات الامنية في الداخل، ربما حصد بوش الذي اختار ما يناسبه، وفرض على شعوب الارض البقاء في الملاجيء نتائج سياسته التي جمعت حوله الامريكيين بعد ان ارتفعت نسبة مؤيديه من الشعب الامريكي بعد احداث 11 سبتمبر الى 83% وهو ما يمكن توظيفه لاحقا في حملته الانتخابية التي تبدأ مرحلتها الاولى خلال العام المقبل. الادارة الامريكية ماضية في استكمال تصورها الامني لمرحلة ما بعد انتهاء الحرب الباردة، تتولى هي امر الحرب التكنولوجية الشديدة التقدم، ويتولى حلفاؤها المحليون امر المساعدة الميدانية المباشرة والضرورية ويبقى للآخرين، وبينهم اوروبا اعمال الصيانة وحفظ السلام واعادة البناء وتقسيم العمل هذا يهدد بجعل وزن التحالف الاطلسي مماثلا لوزن تحالف الشمال في افغانستان، هو ما أثار ردود فعل اوروبية مستنكرة، حيث يرى حلفاء الامس، ان امريكا تفرض عليهم سباق تسلح من نوع جديد، سباقا يرمي الى تهميش البعض منهم واخراجه من اللعبة، لفتح الباب على مصراعيه امام اي انفراد تقدم عليه واشنطن. مرجعية الفكر الامريكي ومع ان الرئيس الامريكي كان حريصا على القول انه لايسعى لفرض الثقافة الامريكية على العالم، اما الممارسات فانها تثبت تصميم واشنطن على فرض هذه الثقافة، التي صيغت كمرجعية وحيدة في التمييز بين ما هو خير وما هو شر، ولم يخف بوش رغبته بان تسود العدالة الامريكية المطلقة، وجعل القيم الامريكية اسمى القيم التي يمكن ان يطمح اليها كل انسان، ولكن اي عدالة هي التي يتحدث عنها الرئيس الامريكي، الذي فاته ان القيم الامريكية الغارقة في وحل الصراع على المصالح المادية الضيقة والتمييز العنصري، هي التي فجرت الحرب الاهلية بين ولايات الشمال، وولايات الجنوب وضربت بالقيم الانسانية عرض الحائط ففي نهاية العام 2000 و«وتحت عنوان اعادة احياء الحلم» اجتمع عشرات الآلاف من الامريكيين في المكان الذي اغتيل فيه حائز جائزة نوبل لسلام «مارتن لوثر كينج» في العام 1968 وهو المكان نفسه الذي القى فيه خطابه الشهير« لدي حلم» في العام 1963 وفي نفس المكان وقف «مارتن لوثر كينج الابن» في العام 2000 وكرر الصيحة التي اطلقها والده قبل سبعة وثلاثين عاما لايقاظ ضمير امريكا قائلا: اتحداكم ان تتمكنوا من تحقيق الحلم مشيرا الى نوع جديد من التمييز العنصري الذي جمع عشرات الآلاف من الامريكيين امام النصب التذكاري للرئيس الراحل «ابراهام لنكولن» في واشنطن ليؤكدوا ان الزنوج لم يتحرروا فعليا حتى اليوم، ولم تفلح الشذرات الادبية لرواية «كوخ العم توم» في اضفاء مسحة انسانية على الظاهرة الفكرية الامريكية. وفي خضم منطق تحويل الحياة برمتها الى سوق سلعية طاحنة يديرها المرابون والمقرضون والشركات المتعددة الجنسيات، كانت رائعة «ارثر ميلر» موت بائع جوال، مجرد صوت نبيل في جوقة الذين يدوسون على كل شيء في سبيل اعتلاء الفرد الامريكي الابيض عرشه الشخصي فوق دم ضحاياه. وعندما تحولت الدولة الى امبراطورية وحيدة فوق الكرة الارضية، سيطرت معادلة القوة على معادلة الفكر، واصبحت مسألة مرجعية الفكر مرهونة بمفرزات النمط الامريكي الذي ادى في الماضي لذبح قبيلة «شيروكي» الهندية المسالمة، ومرورا بملايين الضحايا في فيتنام، وصولا الى موت عشرات الاطفال في حصار العراق، وقتل آلاف الفلسطينيين الذين يتعرضون اليوم لكل هذا الاجرام الصهيوني باجازة ضمنية من امبراطورية الشر التي تسوق مفاهيم الديمقراطية والحرية والمساواة وحقوق الانسان، لتجعل من نفسها عقل العالم وذراعيه، وتتحكم بمستقبل الشعوب الباحثة عن الحرية والحياة وتقرير المصير. ومع تزايد عدد المبشرين بالعولمة، تظهر التأثيرات المحورية لامريكا على العالم، لان الانتصار يبيح للمنتصر ان يستبدل كل المرجعيات باخرى يقترحها لتكون سائدة، لقد تنبأ «هيجل» بهذا الوضع الشائك، وكتب في فلسفة التاريخ «ان امريكا هي ارض المستقبل الذي سيتكشف فيها عبء تاريخ العالم، ويسفر عن نفسه على مدى العصور المقبلة»، هل يراد لنا ان نصدق ان الظلم لمجرد انه امريكي يصبح اخلاقيا وشرعيا؟ اننا نشهد اليوم ما يؤكد رفض الكثيرين في العالم حق واشنطن في تطبيق قوانينها خارج اراضيها، وربما جاء الصوت هذه المرة من داخل امريكا نفسها، وبالتحديد على لسان مادلين اولبرايت، التي عرفت بتطرفها وعنجهيتها خلال توليها حقيبة وزارة الخارجية، أليست هي القائلة: «اذا قررنا استخدام القوة، فلاننا امريكا، نحن امة لا غنى عنها، اننا الاطول قامة ونرى ابعد من المستقبل» حيث اكدت اولبرايت في تعليقها على سياسات ادارة بوش ان المجتمع الدولي يعتقد اننا فقدنا صوابنا واشارت الى انحراف كبير في توجهات الدولة العظمى، واستغربت كيف جمع بوش كلا من كوريا الشمالية والعراق وايران في محور واحد ولكل دولة اوضاعها المختلفة. مشروعية الحلم لاشك ان الرهان العربي في السياسة الامريكية عبر عن نفسه في اكثر من مناسبة ولا سيما في حصار العراق، ومسيرة السلام العربية الاسرائيلية المتداعية، واذا كنا اليوم عاجزين عن مواجهة الولايات المتحدة الامريكية بلغة الادغال، فما من شك اننا قادرون على التمسك بالهوية والوطن والامة، وبالخصوصية الثقافية والدينية التي تمكننا من الحفاظ على هويتنا واصالتنا في مواجهة هجمات الامركة المتزايدة للمجتمعات البشرية. والسؤال الآخر المطروح على العالم العربي اليوم، هل نملك الحلم كما غيرنا من المستضعفين في الارض؟ نعم لنا احلامنا ولهم احلامهم، الحلم هو الذي جمع المظلومين في ارض الاحلام الضائعة، لاستئناف المسيرة وحمل مشعل الحرية وهو الحلم نفسه الذي وحد الفلسطينيين داخل اراضي 1948 وخارجها لمقاومة الاطماع الصهيونية وسياسة التمييز العنصري، نعم نمتلك مشروعية الحلم كعرب على امتداد ساحة الوطن الكبير، وندرك تماما ان قضيتنا المركزية تمر بمرحلة صعبة، ونحن نشهد كل هذا الحقد الاسرائيلي الذي يصب في صدور العرب الفلسطينيين بدعم امريكي، كما ان القضية العربية بمعناها الواسع، تمر بمرحلة دقيقة وخطيرة ايضا، ولاسيما في ظل المشاريع الامريكية التي ترسم في فضاءات العالم والمنطقة، بهدف طمس هويتنا القومية والغاء تاريخنا الحضاري وارثنا الانساني، عسى ان تثمر الجهود المبذولة لتوحيد الصف العربي وصياغة مشروع نهضوي يرقى بهذه الامة الى موقع القوة، كي نطلق العنان لاحلامنا، ونعالج كل ما يسمح بتعالي الآخرين علينا. ومن المفيد ان ندرك بان الصهيونية التي نشأت في ظل حماية امبراطورية لا تغيب عنها الشمس، تتمتع اليوم بحماية امبراطورية تفخر بانها حلت محل الشمس، الا ان تحقيق العدالة او الحصول على المطالب العادلة امر آخر مختلف، فاسرائيل التي تحتل الارض وتتمسك بها، وتغتصب الحقوق المشروعة وتحميها برصاص القتل، تحاول بالتنسيق مع واشنطن اتهام الفلسطينيين وفعاليات الانتفاضة بالارهاب، وقتل المفاوضات التي بدأت منذ نحو عشر سنوات في مدريد ولم تصل الى اي نتيجة، والهدف بالتأكيد دفع الاطراف العربية الى تسوية بعيدا عن الضوء، من اجل حصول اسرائيل على المزيد من التنازلات، وهذا ما يمكن استخلاصه من سياسة واشنطن في التعاطي مع عملية السلام على المسارات كافة ومنذ انطلاقها، وهو ماعبر عنه الرئيس نيكسون بصراحة في كتابه «امريكا والفرصة التاريخية» بقوله: يجب علينا ان لانفرض التسوية في الشرق الاوسط، بل علينا ان نقنع الاطراف بمزاياها .. ان التقدم في عملية السلام لا يأتي الا عندما تقتنع الاطراف بان الوضع الراهن اكثر ايلاما من اي حل وسط محتمل، وفي حين ان الغضط القوي والصريح يعطي مفعولا معاكسا ـ والكلام لنكسون ـ علينا ان نتذكر اننا نملك الوسائل لجعل الوضع الراهن اكثر ايلاما من التسوية المقترحة. ـ كاتب سوري