الملف السياسي: نصيحتي لجميع الذين شعروا بالارتباك بعد سماع خطاب حالة الاتحاد لبوش كانت: أغلق التلفزيون، افتح الشباك خذ نفسا عميقا ثم فكر بالحقائق التالية: 1 ـ حالة الإفلاس التي يعيشها الاقتصاد الأمريكي. 2 ـ رفض العالم لمنطق الكاوبوي وأمله في توجيه الطاقات إلى إيجاد حل للركود الاقتصادي العالمي. 3 ـ انكشاف الطبيعة النازية لأسلوب تفكير وعمل قيادة الجيش الإسرائيلي أمام العالم. 4 ـ الانفراج في العلاقات العراقية ـ الإيرانية وجيران آخرين وتحركات أمين عام الجامعة العربية وأمين عام الأمم المتحدة لإيجاد صيغ مقبولة لعودة العلاقات مع العراق. في أواخر الستينيات وبداية السبعينيات عندما كان جورج دبليو بوش في أيام شبابه الأولى، كان الشبان الأمريكيون يهربون من جحيم حرب فيتنام إلى عالم الخيال المتمثل بموسيقى الروك والمخدرات والجنس، وهو عالم يعرفه بوش جيدا. أما اليوم فيبدو أن بوش يهرب بشكل معكوس إلى الأمام من واقع مر إلى عالم حرب خيالي ضد قوى شريرة من عالم الأساطير التي حاكها والده من قبل. تقول بعض المصادر أن بوش قد تلقى نصائح من دوائر مقربة منه مضمونها أن الطريقة الوحيدة لتعبئة الشعب الأمريكي وتجاوز الحديث عن الأزمة الاقتصادية والمالية الخانقة هي الاستمرار في الحرب ضد الإرهاب ومحاولة جمع ما تبقى في قعر الخزانة الأمريكية للمجهود الحربي والصناعات العسكرية. ويقول البعض الآخر مثل روبرت نوفاك من صحيفة «واشنطن بوست» أن استخدام مصطلح محور الشر قد تم وضعه في الخطاب دون استشارة مساعدي بوش في البيت الأبيض. ووصف نوفاك أن إعلان الحرب هذا بأنه سيئ التعريف و سيئ التحضير حيث عكس مقاله يوم 31 يناير وجود معارضة شديدة داخل الإدارة والجيش. وأضاف نوفاك: يدرك أعضاء على درجة كبيرة من الإطلاع في لجان القوات المسلحة الأمريكية أن هنالك عجزاً في الأسلحة البالغة الدقة الغالية التي ذكرها بوش وأضاف أن الجيش الأمريكي ليس في وضعية تؤهله لمهاجمة أي شخص. هنا مربط الفرس. فالاقتصاد الأمريكي غير قادر على التعبئة لحرب طويلة الأمد ضد اكثر من دولة من جهة ووجود صراع أجنحة شرس جدا في واشنطن وبوش يمشي على حبل متوتر يحاول التوازن وحماية إدارته من السقوط. هنالك خطران على بوش أولهما سياسي اقتصادي مباشر والآخر اقتصادي غير مباشر. فإفلاس شركة إنرون للطاقة الذي يعتبر أكبر حالة إفلاس في تاريخ أمريكا يلقي بظلال ثقيلة على أسواق المال الأمريكية وعلى الإدارة والكونجرس. إذ اتضح أن هذه الشركة التي أصبحت من عمالقة الشركات في أمريكا والعالم كانت تمارس عملية نهب منظمة للاقتصاد الأمريكي وتغطي عليها برشاوى سياسية ضخمة تقدر بمئات الملايين من الدولارات لكل من جورج بوش والحزب الجمهوري وأطراف كثيرة أخرى. والآن انكشف المستور وعلى الجميع إيجاد مخرج من هذه الكارثة. المشكلة الأخرى غير المباشرة نسبيا هي أن الانتعاش الموعود لم يأت ولن يأتي لا في هذا العام ولا في العام المقبل وربما لن يأتي أبدا. يضاف إلى ذلك أن الاقتصاد الفعلي الأمريكي المتمثل في صناعات المكائن وصناعة السيارات والحديد والصلب في تراجع حاد والبطالة تزداد بشكل متسارع إذ ارتفعت إلى حوالي 5،8 ملايين في نهاية عام 2002 ولا تزال في ارتفاع. أما فائض الميزانية المفترض فإنه قد بدأ بالتلاشي عبر تدني قيم أصول شركات الاقتصاد الجديد التي على أساسها وضعت هذه الافتراضات للنمو الاقتصادي السحري في العامين الماضيين. هذا الواقع هو الخلفية التي يجب وضع خطاب بوش فيها. إنها عملية توازن دقيقة وخطيرة نظرا لان بعض الجهات تريد استمرار الحرب في أية ظروف كانت وأية أسلحة كانت. كانت ردة الفعل الطبيعية من أوروبا وآسيا هي رفض منطق إشعال الحروب غير المبررة الذي أصبح جزءا منطقيا من السياسة الخارجية للولايات المتحدة. وقد جاءت بعض إشارات الرفض حتى من أبرز حلفاء أمريكا من بريطانيا وألمانيا واليابان. وقد أصبح التصور العام لدى أصدقاء وحلفاء أمريكا من هذه التصريحات هو أن للولايات المتحدة أجندة خفية لا تريد اطلاع أحد عليها. وطبعا في ظل مثل هذه الظروف الدولية الحساسة في أوروبا وآسيا أصبح التوتر لا يطاق في الأوساط السياسية التي لا ترى مخرجا من المأزق السياسي والاقتصادي العالمي الذي تفاقم منذ هجمات 11 سبتمبر. فقد قبلت جميع دول العالم تقريبا الحرب ضد الطالبان ومنظمة القاعدة ليس بسبب اقتناع هذه الدول بالضرورة بمسئوليتها عن هجمات 11 سبتمبر بل لأن استهداف طالبان والقاعدة المكروهتين من كل الأطراف تقريبا يوفر كبش فداء مناسبا ومخرجا مستساغا من أزمة عالمية قد تتحول إلى حرب حضارات عالمية مثلما كان يطالب بذلك العديدون من أقطاب السياسة والحكم في الولايات المتحدة بعد التفجيرات. إن الخوف من تولي صقور الحرب وعصابة صراع الحضارات الممثلة بأفكار أشخاص مثل زبيجنيو بريجينسكي وصامويل هنتجتون وهنري كيسنجر وبول وولفويتز وريتشارد بيرل وجو ليبرمان وغيرهم وأصدقاء شارون واللوبي الصهيوني زمام الأمور حول وداخل الإدارة الأمريكية مطالبين بضرب العراق وإيران وسوريا ولبنان واليمن والسودان والصومال وغيرها من بلاد المسلمين، هذا الخوف دفع حلفاء وأصدقاء أمريكا إلى تأييد اختيار البديل المتمثل بضرب طالبان والقاعدة. وكانت ولا تزال المراهنة جارية على عقلانية الحمائم المحلقة حول بوش لوضع حد لهذا الهيجان العسكري الأمريكي. أما بالنسبة إلى روسيا والصين فإنهما اعتبرا التخلص من طالبان والقاعدة كسبا استراتيجيا مجانيا، لكن بخلاف ذلك وما بعد ذلك فهو خط أحمر، كما يبدو انهما تعتبران التهديدات الأمريكية بتوسيع الحرب ضد الإرهاب هي عمليات ابتزاز وتجارب استفزازية لقياس مدى رد الفعل على أي تحرك تالي. لذلك جاء الرد الروسي قويا، حيث أدت المواجهة القصيرة بين وزير الدفاع الروسي إيفانوف مع مساعد وزير الدفاع الامريكي بول وولفويتز إلى تغيير الأخير من لهجته في المنتدى العسكري والأمني المنعقد في مدينة ميونيخ الألمانية في بداية شهر فبراير قائلا أن الولايات المتحدة بعيدة عن اتخاذ قرار بشأن العراق وأن بوش لم يتخذ قرارا واستخلاص نتائج يعني الذهاب إلى ابعد مما قاله. النقطة الأخرى هي أن خطاب بوش كان محاولة لتحويل الأضواء الكاشفة المسلطة على حكومة شارون وممارسات جيشها الإجرامية وتوجيه هذه الأضواء إلى مكان آخر. لقد انكشفت الحكومة الإسرائيلية وجيشها أمام العالم بأنه يتبع في حرب ابادته المعلنة ضد الفلسطينيين أساليب حرب مطابقة لتلك التي استخدمها النازيون ضد اليهود في جيتو وارشو. وقد كان السياسي الامريكي ليندون لاروش قد أشار إلى هذه الحقيقة من قبل وأكدته صحيفة «هاآرتس» الإسرائيلية عندما كتبت في 25 يناير أن ضباط الجيش الإسرائيلي يدرسون الخطط الحربية النازية لكي يستخلصوا بعض الدروس حول كيفية القضاء على المقاومة الفلسطينية داخل الأراضي المحتلة بأقل الخسائر الإسرائيلية الممكنة. كما أن الثورة الأوروبية ضد إجرام شارون والدعم المطلق المقدم له من قبل إدارة بوش قد غيرا موازين كثيرة وفتحا الباب لنقاش في واشنطن حول جدوى تحمل العبء الذي يشكله شارون وحكومته وقد لا يكون من المستغرب أن يتم توجيه ضربة مدروسة لجناح شارون والليكود من داخل إسرائيل بإيحاء من أطراف معينة في الولايات المتحدة. أما فيما يخص النتائج الإيجابية لخطاب بوش فهو تقوية حالة الانفتاح والانفراج بين خصوم الماضي في الشرق الأوسط، حيث تعتبر زيارة وزير الخارجية العراقي ناجي صبري الحديثي إلى إيران في آخر شهر يناير وما برز منها من نتائج تعتبر اختراقا في العلاقات بين البلدين وفي المنطقة. كما أن تحركات عمرو موسى والتنسيق مع كوفي عنان حول ملف العراق والتعاون مع القرارات الدولية والانفتاح مع المملكة العربية السعودية بالذات التي بدأت تتحول إلى أحد أكبر الشركاء التجاريين مع العراق ينبغي ان يدعم من قبل الدول العربية الأخرى وإيجاد موقف مبدئي ربما بالتنسيق مع روسيا والصين وفرنسا لوضع خطوط حمر حول ما يمكن تقبله هذه الدول من تحركات أمريكية وما لا تقبله. ليس صحيحاً أن الإدارة الأمريكية لا تسمع كلام العرب وغيرهم ولا تهتم بمواقفهم ولا تنتظر منهم سوى الاستجداء. صحيح أن هنالك بعض الأصوات في واشنطن ونيويورك وإسرائيل التي تريد ضرب أي بلد في أي وقت، لكن الوضع غير محسوم لصالحهم في أمريكا. المشكلة هي أن الصمت العربي والعالمي تجاه مثل هذه الأصوات يقوي من عزيمتها ويضعها أمام عالم عاجز. إن الخطر يبقى ماثلا ما لم يوضع حد لنفوذ عصابة صراع الحضارات وأصدقاء شارون في واشنطن الذين يجاهرون علنا بأن الوقت قد حان لأن تتحول الولايات المتحدة الأمريكية من جمهورية إلى إمبراطورية رومانية جديدة بالتعاون مع بريطانيا وإسرائيل. ولا يبالي هؤلاء مثل شارون بثمن تحقيق ذلك، المهم أن يحكموا العالم ولو كان أنقاضاً، فهؤلاء فاشيون بكل معنى الكلمة. لذلك فهنالك سبب للارتياح وسبب للقلق، فالعالم معقد جدا اليوم ومن السذاجة إصدار ردود فعل وأحكام مبسطة على تطورات الأمور خاصة ما يأتي منها من واشنطن إذ ليس هنالك أسود وأبيض بعد الآن حتى داخل الإدارة الأمريكية. ولكن ما يمكن القيام به هو وضع هذه التطورات ومن ضمنها خطاب بوش في سياق تركيبة الواقع الذي يوجد فيه بوش والعالم حتى نتمكن من فهمه والتعامل معه. وأهم شيء إدراك الفرق بين الواقع وعالم الخيال والأحلام المريضة. ـ كاتب عراقي