ببساطة شديدة يحسد عليها، أعلن الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش في خطابه الأخير أن كافة الخيارات متاحة امام الولايات المتحدة للتعامل مع دول محور الشر ايران والعراق وكوريا الشمالية وذلك لأن هذه الدول تمثل خطرا عليها وعلى حلفائها، وبذلك أصبح العالم أمام مرحلة جديدة من الحملة العسكرية التي تشنها الولايات المتحدة ضد الارهاب ، والتي بدأت بضرب افغانستان بحجة تدمير تنظيم القاعدة، ودخلت الآن في مرحلة جديدة وهي الاعداد لضرب دول الشر حسب التصنيف الأمريكي، وبذلك صارت وفقا للقوائم الأمريكية هناك منظمات ارهابية، ودول مارقة، واخرى شريرة وهكذا، واذا كان هذا التوجه الجديد في السياسات الأمريكية قد قوبل بالرفض من أوروبا وعدد من الدول الاخرى فهل يعني هذا بداية تفكك التحالف الدولي ضد الارهاب وخاصة في ظل رفض العديد من الأطراف الدولية لهذا التوجه؟ وماهي امكانية ان تقدم بالفعل الولايات المتحدة على توجيه ضربات عسكرية لهذه الدول؟ وهل يعني ذلك ان الادارة الامريكية تتجاهل القنوات والآليات الدولية وتجعل كل مقاليد الأمور بيدها من خلال التهديدات المباشرة؟ وماهي تأثيرات ذلك على الساحة الدولية «الملف السياسي» التقى الخبير الاستراتيجي اللواء طلعت مسلم وأحمد إبراهيم محمود الخبير بمركز الاهرام للدراسات الاستراتيجية لالقاء الضوء على تطورات هذا الموضوع. سياسة جديدة بداية يرى الخبير الاستراتيجي اللواء طلعت مسلم ان خطاب الرئيس الأمريكي بوش الذي أعلن فيه ان كافة الخيارات متاحة امام الولايات المتحدة للتعامل مع دول الشر وايران والعراق وكوريا الشمالية يأتي في سياق سياسة أمريكية جديدة تم اعتمادها في أعقاب أحداث 11 سبتمبر، وهي السياسة التي تقوم على اعتبار ان أمريكا من حقها أن تحدد الدول المارقة الشريرة التي يجب معاقبتها وذلك في اطار مايسمى بالحرب ضد الارهاب ومن هنا كانت البداية مع افغانستان التي تعرضت لقصف جوي استمر لفترة طويلة بحجة القضاء على تنظيم القاعدة، فالولايات المتحدة من خلال هذه السياسات الجديدة تضع قواعد جديدة للعلاقات الدولية، هذه القواعد تقوم دعائمها على حماية المصالح الأمريكية، وكما تم تطبيق ذلك على افغانستان اعلنت أمريكا امكانية ان تكون المحطة القادمة هي احدى دول محور الشر التي ذكرها الرئيس بوش في خطابه. ويعتقد اللواء طلعت مسلم ان تركيز الولايات المتحدة على هذه الدول سببه أنها اما تمتلك أسلحة الدمار الشامل وخاصة السلاح النووي أو أنها في طريقها إلى ذلك، وهو ماتعتبره تحديا لسلطتها وقوتها وخاصة اذا كان الأمر يمس اسرائيل الولاية الـ 51 لأمريكا من قريب أو من بعيد، الولايات المتحدة ترى في قوة ايران تهديد لاسرائيل وذلك وفقا لتصورات المسئولين في الدولة الصهيونية وخاصة الحكومة الحالية التي يحرص رئيسها شارون على زيارة أمريكا بصورة شبه منتظمة بهدف تسويق التصورات الاسرائيلية بالنسبة للكثير من الأمور وخاصة موضوع محاربة الارهاب ولذلك كان وضع ايران ضمن دول محور الشر الذي تحدث عنه بوش، وأيضا كوريا الشمالية والتي تم اتهامها أكثر من مرة بأنها قامت ببيع صواريخ بالستية لدول في منطقة الشرق الأوسط وبالتالي فهي وبطريقة غير مباشرة تهدد أمن اسرائيل. وفيما يتعلق بالرفض الأوروبي لتصنيف واشنطن دول الخير والشر وهل يمثل ذلك بداية لتفكك التحالف الدولي ضد الارهاب يقول اللواء مسلم: بالنسبة للموقف الأوروبي وفي كثير من القضايا نجد في البداية أن هناك رفضا أوروبيا للعديد من السياسات الأمريكية ولكن الملاحظ أنه دائما تتراجع أوروبا عن مواقفها الرافضة وتنصاع في النهاية للسياسات الأمريكية وذلك لأنها غير قادرة على القيام بدور منفصل أو بديل للولايات المتحدة وفي مختلف القضايا، سواء كانت هذه القضايا في مناطق خارجية، أو حتى داخل الاتحاد الأوروبي نفسه، وخير مثال على ذلك أن تدخل الولايات المتحدة هو الذي حسم الصراع في بعض مناطق أوروبا مثل البوسنة والهرسك وكوسوفا، ولذلك يجب الأخذ في الاعتبار أن الموقف الأوروبي غالبا سيتم تعديله وبحيث يساير الموقف الأمريكي سواء في هذا الموضوع أو أية موضوعات مقبلة لأن أوروبا تعرف أن مصالحها مع الولايات المتحدة وهي لا تريد أن تخسرها. ولا يستبعد اللواء مسلم ان تتورط الولايات المتحدة في أعمال عسكرية ضد دول محور الشر التي أعلن عنها الرئيس الأمريكي جورج بوش وذلك مرده الى غرور القوة الذي يسيطر عليها في الوقت الراهن وخاصة بعد ان نجحت في حملتها في افغانستان بصورة لم تكن متوقعة، فهي قد تتورط في عمل عسكري ضد ايران بسبب حزب الله وقد تصطدم بكوريا الشمالية وكله لصالح الدولة العبرية، ولكن يظل احتمال توجيه عمليات عسكرية الى ايران هو الاقرب بسبب نشاط حزب الله من جانب، ولقربها من مسرح العمليات الحالي في افغانستان من جانب اخر، أي انه يمكن الاستفادة من الحشد العسكري الأمريكي المتواجد في الدول المجاورة لايران في الوقت الحالي لتوجيه ضربات لايران، أما الاقدام على ضرب العراق ورغم كثرة التحليلات التي توقعت حدوثه في وقت قريب، فهو أمر مستبعد بعض الشئ في الوقت الحالي وخاصة أن دول الجوار العربية لن توافق على ذلك في الوقت الحالي. تباين شديد ومن جانبه أكد أحمد إبراهيم محمود الخبير بمركز الاهرام ان التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكى جورج بوش بشأن كل من العراق وإيران وكوريا الشمالية، حينما وصف هذه الدول الثلاث بأنها «محور الشر»، تعكس تحولا واضحا فى الموقف الأمريكى من هذه الدول الثلاث، كما تعكس انتصار التيار الأكثر تشددا داخل الإدارة الأمريكية بشأن حرب الولايات المتحدة ضد الإرهاب، وهو تيار يضم الرئيس بوش نفسه، ونائبه ديك تشينى ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد ومستشارة الأمن القومى كوندوليزا رايس. ويضيف أن هذه التصريحات تثير تباينا شديدا فى التحليلات، فالبعض يصفها بأنها مقدمة لشن الحرب ضد هذه الدول فى المرحلة التالية من الحرب الأمريكية ضد الإرهاب، فى حين أن البعض الآخر من التحليلات يذهب إلى أن تصريحات بوش تمثل فقط تحذيرا لهذه الدول الثلاث من إمكانية أن تكون مستهدفة من جانب الولايات المتحدة، ما لم توقف الممارسات التى تتحفظ عليها الإدارة الأمريكية، وبالذات فيما يتعلق بالمزاعم الخاصة بسعى هذه الدول إلى امتلاك أسلحة الدمار الشامل والصواريخ البالستية ورعايتها للإرهاب. وبالتالى، فإن هذه التصريحات تثير تساؤلا بشأن الدوافع الكامنة وراءها من جانب الرئيس بوش، ويرى أن أبرز هذه الدوافع يتثمل فى أن الإدارة الأمريكية مازالت فى حالة ارتباك بشأن تحديد الأهداف التالية فى حربها ضد الإرهاب، وهى تركز بصفة خاصة على العراق، ويبدو أن إدارة بوش اتخذت قرارا حاسما بشأن ضرب العراق، وتنتظر التوقيت المناسب، فى حين أن إدراج إيران ضمن «محور الشر» كان عائدا إلى الضغوط الإسرائيلية المتواصلة على الإدارة الأمريكية من أجل تبنى موقف حاسم ضد إيران باعتبارها مصدر تهديد رئيسي للأمن الإسرائيلى وكان إدراج كوريا الشمالية عائدا إلى الرغبة فى عدم الاقتصار فقط على الدول الإسلامية، أى إيران والعراق، حتى لا تبدو الولايات المتحدة كأنها تشن حربا ضد الاسلام، علاوة على أن موقف إدارة بوش الجمهورية يعتبر أكثر تشددا فى مواجهة إدارة كلينتون الديمقراطية السابقة التى كانت تفضل الحوار مع حكومة بيونج يانج وفي الوقت نفسه، هناك دوافع داخلية هامة كانت كامنة وراء تصريحات الرئيس بوش، ولاسيما فيما يتعلق بالمنافسة السياسية والانتخابية فى انتخابات التجديد النصفى للكونجرس الأمريكى، حيث اقتربت هذه الانتخابات، ويعانى الحزب الجمهورى ـ الذى ينتمى إليه الرئيس بوش ـ من تدهور شعبيته، ويسعى إلى الاستفادة من شعبية الرئيس وإدارته من أجل زيادة فرص الجمهوريين فى هذه الانتخابات. وتجئ تصريحات بوش المتشددة ضد العراق وإيران وكوريا الشمالية فى إطار تعزيز موقف المرشحين الجمهوريين فى الانتخابات المقبلة، من خلال مغازلة الرأى العام ومخاطبة رغبته فى الانتقام والتشدد فى مواجهة الدول التى تعتبر مصدرا للتهديد من وجهة النظر الأمريكية. مفاوضات واضحة ويشير الى أنه على الرغم من أن هذه التصريحات أثارت استحسانا لدى قطاعات واسعة من الرأى العام الأمريكى الذى باتت أكثر ميلا إلى التشدد فى الشئون الخارجية عقب أحداث 11 سبتمبر، فإنها فى الوقت نفسه أثارت انتقادات واسعة من جانب بعض المسئولين السابقين ووسائل الإعلام الأمريكية، ولاسيما لسبب رئيسى يتمثل فى أن تصريحات الرئيس الأمريكى تنطوى على مفارقات واضحة، أبرزها أن الإدارة الأمريكية باتت تضع الدول الثلاث المذكورة فى سلة واحدة، على الرغم من أن معظم المسئولين السابقين والأكاديميين فى الولايات المتحدة يشددون على أن الخلافات بين الولايات المتحدة وهذه الدول الثلاث ليست متماثلة، ويعتبرون أن المشكلات مع كل من إيران وكوريا الشمالية هى مشكلات قابلة للحوار والنقاش، فى حين أن المشكلات مع العراق تنطوى على صعوبات أكبر بكثير. وفى الوقت نفسه، فإن تيارا واسعا فى الساحة السياسية الأمريكية يرى أن هذه التصريحات تمثل مقدمة لتوسيع نطاق الحرب الأمريكية ضد الإرهاب، وهو ما يحمل مخاطر جسيمة على الأمن القومى الأمريكى، ويهدد تحالفات الولايات المتحدة وعلاقاتها الخارجية، ولاسيما أن الأغلبية العظمى من دول العالم، بما فى ذلك أقرب حلفاء الولايات المتحدة وأصدقائها، يعارضون توجيه ضربات عشوائية ضد أى دولة ما لم يثبت عليها بالفعل أنها مسئولة بشكل أو بآخر عن دعم الإرهاب.