الملف السياسي: مهما حصل، او قد يحصل أكثر فأكثر، امريكيا ودوليا، في افغانستان ووسط آسيا، الا ان «عين» الرئيس جورج بوش الابن ستبقى متهورة على الشرق الاوسط. فقد قفزت هذه المنطقة مجددا الى منظور قدرها الأمريكي المهدد باطلاق بوش التهديد والوعيد لما سماه: «محور الشر والارهاب»، محددا ان معظم عناصره، دول وتنظيمات اوسطية، بدءا بالعراق ، وايران، وصولا الى «حزب الله «والجهاد الاسلامي» و«حركة حماس». وفي القناعات الاقليمية التي يرسم الابرز في اطرها الوزير السابق للخارجية في لبنان النائب فارس بويز والمفكر في بيروت منح الصلح ومحمود سويد، ان الشرق الاوسط لن يكون هذه المرة مجرد مسرح لعمليات عسكرية أو امريكية محتملة بعد عبور المحطة الافغانية، بل نقطة النهاية لزعامة بوش كبطل حرب، او خطوة اولى في قيادة تاريخية ما زال مرشحا لها حتى الآن كبطل سلام للشعوب كيف؟ ـ يبدأ الوزير كلامه بالقول: «هناك مشكلة اساسية تحيط بهذا الامر، وهي ان الولايات المتحدة الامريكية لاسباب داخلية وشعبية، ومنها ما يتعلق بطبيعة ادارتها لهذه المشكلة، وهي انها بحاجة الى رد على التفجيرات بالتأكيد. بمعنى ان هناك رأيا عاما امريكيا عاش في مناخ انه مواطن اكبر واعظم دولة في العالم، وانه يدفع للضرائب ليكون هناك جيش ومخابرات وقوات مسلحة ضخمة وقادرة ومتمكنة في العالم، فاذا به يصدم بضربة التفجير، بما تحويه من وجع وألم. وهو ظل يطالب بالثأر والرد وهناك كلمة ترددت على السنة الجميع في الولايات المتحدة وهي «عملية الرد». وقد انعكس هذا الامر على مستويات عدة منها رئيس الولايات المتحدة، والذي اتهم في الايام الاولى بأنه لا يدير بجدارة الازمة التي وقعت فيها بلاده، كما سيقت الاتهامات الى اجهزة الامن وغيرها، مثل «سي.اي.ايه» والـ «اف. بي. اي» وسواهما، بعدم فاعليتها في عملية الكشف المسبق عما حصل، كما جرى اتهام سلاح الطيران الامريكي بالتقصير بين الضربة الاولى والثالثة على البنتاجون حيث مرت اربعون دقيقة، وبين الاولى والثانية حوالي 18 دقيقة، من دون ان يتحرك اي رادار امريكي ليكتشف ذلك الامر، الا انه اكتشف فقط ان ثمة طائرة خرجت عن مسارها، وهي تتجه نحو البنتاجون الذي يقع في منطقة تعتبر من اكثر المناطق الامريكية حظرا وحذرا. لذلك، نتحدث عن انه كان هناك مناخ داخلي امريكي ضغط باتجاه ضرورة الرد بعمليات قومية ووطنية امريكية. شكلت هذه العوامل والظروف حالة شعبية ـ نفسية ـ اعلامية، كما يمكن ان نسميها، اضافة الى كونها سياسية بطبيعة الحال. ماذا بعد افغانستان؟ ـ ضرب افغانستان حصل، اين اصبح سيناريو ما بعد العمليات العسكرية التي شكلت «صفعة الرد» المطلوبة ـ بأي ثمن ـ كما ذكرت؟ ـ يرى بويز مجيبا ان «الذي حصل كان مطلوبا امريكيا للاعتبارات التي ذكرتها بمعزل عن مردوده. غايته ارضاء الرأي العام الداخلي في امريكا، لكن الواضح ان الادارة الامريكية تدرك تماما ان مكافحة الارهاب لا تتم عبر عملية عسكرية موضوعية بمثل ذلك الشكل، لانه لابد، من اجل ذلك، من رسم سياسة عامة وشاملة في هذا الامر. فالولايات المتحدة، كدولة غربية هي من الذين بلوروا فلسفة الجريمة الفردية في العالم، واقروا بأن معالجة قضية المجرم ليست باعتقاله فقط، او بسجنه، او بقتله وشنقه «قتلا» بل هي ايضا بالنظر الى ما يحيط به من ظروف نفسية واجتماعية وما شابه، فاذا كان هذا المبدأ مطبقا على الجرم الفردي، فكيف الحال اذن بالنسبة للجرم الجماعي؟ فكيف يجوز للولايات المتحدة في هذه الحالة، ان تفكر بعملية عسكرية بهدف ما تسميه، الغاء الارهاب. علما بأن هذه الحالة قد تكون منتشرة فيما يفوق الاربعين والخمسين دولة في العالم، وليست في محل معين يمكن ضربها فيه، وهي موجودة بشكل مباشر أو غير مباشر عسكريا او سياسيا، او ثقافيا، او ماليا بعدد من الدول، ومنها في قلب الولايات المتحدة وبريطانيا، وعلى الاخص في مراكز مالية فيها. اعتقد انه على المديين المتوسط والطويل، هناك سياسة امريكية سترتكز على محورين: الاول هو الوضع مع الحلفاء لسياسة تطويق وحصر وضبط ومراقبة الحالة الارهابية، اي الامر الذي تم التقاعس عن القيام به في «قمة شرم الشيخ» الشهيرة قبل حوالي خمس سنوات. انني اعتقد انهم سيحاولون استكمال القمة الآن. والمحور الثاني، وهو الذي جرى بحثه مع المجموعة الاوروبية، يقوم على محاولة البحث في مصدر الارهاب ثقافيا، اي لماذا هناك سبب له؟ ولا شك ان الكل يجب ان يتفق في النتيجة على ان ذلك مرتبط بانحياز الولايات المتحدة الامريكية في قضية الصراع «العربي ـ الاسرائيلي». ـ لكن رغم ذلك اعلنت امريكا الحرب الشاملة على كل ما تراه ارهابا في العالم من اسامة بن لادن الى التيارات الاصولية الاسلامية، وما شابه ما عدا اسرائيل؟. ـ بويز: «صحيح امريكا تخوض حربها ضد الارهاب استنسابيا وفق اصول ومعايير مختلفة لما يجب ان تكون عليه، وللواقع والحقيقة الفعليين معا». مجرد سيناريو اسرائيلي ـ من هنا تبرز خطورة الاحتمالات ما بعد افغانستان وقد بدأنا نقرأ معالمها في مثلث الارهاب الذي تحدث عنه الرئيس الامريكي جورج بوش: ايران، العراق، وكوريا الشمالية. هذا يعني ان ضربة افغانستان كانت مخططة اساسا في سياق برنامج مرحلة تمتد استهدافاته جغرافيا، وسيطول وقته زمنيا، فالعالم يقف امام حالة تصفية حساب من قبل الولايات المتحدة. كيف يبدو تمرحل هذه التصفية؟ ـ «في الحساب الامريكي بدأت الانطلاقة واضحة من ان مشكلة جاءت لتفجر مشكلة اوسع هي الارهاب العالمي، ومن هنا لم يكن بمقدور الولايات المتحدة ان تتعامل مع عملية التفجيرات « في 11 سبتمبر الماضي» من موقع البحث عن المسئول عنها، او منفذها، وانزال العقوبات بالمقرر والمخطط والفاعل والشريك والمستفيد، بل اضطرت للتعامل مع ما حصل من منظور الارهاب بشكل عام في العالم». ـ ربما هنالك دقة ملحوظة اذن في السيناريو الذي تحدثت عنه اسرائيل «عبر صحيفة هآرتس خاصة» بعد التفجير، وملخصه ان الولايات المتحدة ستضرب اولا، وعسكريا افغانستان ثم العراق على مدة اشهر، وفي غضون ذلك سيضرب العراق اسرائيل بعشرين صاروخ ارض ـ ارض، ويقول السيناريو انه خلال تلك الاشهر لن توجه اية اسلحة امريكية الى ايران، لكن رغم ذلك، ستلجأ القيادة الايرانية «حسب هآرتس» للطلب الى «حزب الله» في لبنان بضرب اسرائيل بصواريخ ارض ـ ارض ايضا. ويمكن ان يتم ذلك في اعقاب اي قرار امريكي بعدم احترام السيادة الايرانية عبر استخدام مجالها الجوي من دون اذنها، او رغبة من ايران في اعطاء بعد اسرائيلي للمواجهة الامريكية، مع الدول الاسلامية، وبالتالي عرقلة نصرة بعض الدول هذه، خاصة العربية منها، للجانب الامريكي في هذه المواجهة. ما رأيك بمثل ذلك السيناريو؟ ـ «بالدرجة الاولى اقول ان ذلك ليس من قبيل التحليل، بل لعله من قبيل الاقتراح، خاصة وانه يخرج من دائرة التحليلات والتقديرات، بل هو ايحاء من المخابرات الاسرائيلية، فبمعزل عن الموضوع الافغاني الذي بدت معالم تطوراته المرتقبة واضحة منذ اللحظة الأولى، فان الموضوع العراقي يبقى هاجسا اسرائيليا كبيرا ودائما، وفي الحديث الاسرائيلي عنه هناك دائما ايحاء ومطالبة واقتراح اكثر من التحليل فيه، خاصة وان الجميع يعرفون ان العراق مربك بمشاكله، ولا علاقة له بما يحصل في ذلك الموضوع بالذات. ثم ان الكل يعرفون ايضا التميز والبعد الحاصلين بين ايران وحركة «طالبان» من هنا لا نستطيع تزويج الحالتين لبعضهما في الاتهام، فاما التهمة على ايران، او على طالبان، اما على الجانبين معا، فهذا غير وارد لاسباب عقائدية لا مجال لتفنيدها في اطار حديثنا السياسي حاليا. كذلك ـ يبدو من قبيل الاقتراح لا اكثر ايضا الحديث الاسرائيلي عن استخدام الولايات المتحدة للاجواء الايرانية. فهي ليست بحاجة لمثل هذا الموضوع. اذن فان ما سمي بذلك السيناريو هو مجرد ترويج اسرائيلي بهدف محاولة زج ايران و«حزب الله» والعراق معا، ضمن العاصفة القائمة والتي تحاول اسرائيل ان توظفها لمصالحها باشكال او باخرى، وتسعى لان تستفيد من الغضب الامريكي باتجاه اهدافها اكثر فاكثر. محمود سويد و «معالجة البؤر» واذا كان ذلك يستدعي اساسا قيام موقف عربي ضد الارهاب لا يكون ممنوحا مجانا لامريكا، ومن دون ارضيه، ولا مشروع ولا معرفة افق المستقبل، وبعيدا عن التهافت والارتماء في الاحضان الامريكية: على قاعدة ان من يؤيد امريكا اكثر يدفع عن نفسه اكثر التهمة بانه ارهابي، كما يرى الوزير بويز الذي يأخذ على الرئيس بوش: انه كان من المفترض ان يدرك قبل المشكلة ان بلاده لا تستطيع البحث بامنها، وسلامتها وباقتصادها، وهي تعتقد نفسها منعزلة عن العالم بالمحيط الاطلسي او البحار عن باقي الكرة الارضية، اذ تبين خلال الاعتداءات الارهابية عليها ان امن الولايات المتحدة مرتبط بشكل او بآخر بسياستها في العالم، ودورها فيه، وانها لا تستطيع ان تفصل نفسها كقوة عظمى عن هذا الواقع، لذلك كنا نتمنى ان تدرك الولايات المتحدة مع الاحتفاظ بحقا في الرد، اذ لا احد يناقشها بان معالجة الارهاب على المديين المتوسط والبعيد تمر فعلا عبر البؤر والمشاكل السياسية في العالم خاصة في فلسطين المحتلة، في اسرائيل. ـ لكن هل ستتجه امريكا الى التحرك عسكريا في مواجهة من سماهم بوش بالارهابيين الذين تدربوا في افغانستان يشكلون برأيه عبوات قابلة للتفجير من دون سابق انذار كذلك بمواجهة محور الشر الذي يضم كما قال: العراق، ايران، كوريا الشمالية اضافة الى المنظمات الاسلامية: الجهاد، حماس، وجيش محمد؟ ـ قد لايكون التصعيد الامريكي عسكريا في كل مكان، وقد يتبع اساليب مختلفة عديدة منها الحصار الاقتصادي في لبنان مثلا، لكن غير صحيح، ان الوضع العراقي منهار، و«مهلهل» وانه يهدد بالتالي الامن القومي الامريكي الذي لا تهدده ايضا لا ايران ولا حماس او الجهاد او حزب الله فهذه الاسماء تهدد بالضبط وفعلا الامن الاسرائيلي، لا الامريكي، ولان الرئيس بوش يعتبر ان كلا الامنين مترابطان، وهما في تحالف وطيد ووثيق، فقد اعتبر ان اي تهديد لامن اسرائيل، يعني تهديدا للامن القومي للولايات المتحدة. كذلك فان امريكا معنية حاليا بان يكون هناك حكم في باكستان، مثلا، موال لها، فلمصلحتها وجودها في وسط آسيا من جهة، وكذلك لمصلحة اسرائيل ايضا ان لا تسيطر على القنبلة النووية الباكستانية اية قوة اخرى قد تكون متطرفة تجاه اسرائيل من جهة اخرى. والولايات المتحدة معنية ايضا بان تثبت اوضاعها في افغانستان لان ثمة مصالح حيوية لها هناك واعتقد ان الوضع الحالي في العراق لايهدد لا امريكا ولا اسرائيل ايضا، انما يرغب الجانب الاسرائيلي بان لا يتحقق اي نمو عراقي، لان لدى العراق امكانيات كبيرة في الصراع العربي ـ الاسرائيلي، فنهوض الشعب العراقي يشكل فرصة كبيرة للقوة العربية تجاه اسرائيل التي تبدو معنية بوضوح بان لا ينهض هذا الشعب ويحكم نفسه ويعيد بناء قدراته. اما ايران، فهناك موقع واضح، منذ قيام «الجمهورية الاسلامية» ضد اسرائيل، ومساعيها واضحة لامتنا، سلاح نووي الامر الذي يشكل بدوره مزيدا من الاخطار على الامن الاسرائيلي. على ضوء ذلك، تحدد الولايات المتحدة تلك الاطراف كمصدر خطر على امنها القومي، لانها تهدد الامن الاسرائيلي لا اكثر ولا اقل. منح الصلح: بوش والفجوة المفتوحة هذه الازدواجية التطابقية وافقت النهج الرسمي والسياسي للولايات المتحدة حيال الشرق الاوسط منذ قيام الكيان الصهيوني عام 1948 حتى الآن، لكنها تتخذ مع الرئيس بوش الابن الحالي خصوصيات راهنة يسميها المفكر اللبناني منيح الصلح بـ «الفجوة المفتوحة بين بوش والعصر الذي يعيش فيه، وذلك على قاعدة ان القادة عظماء، بقدر ما يصنعون الحياة لا الحروب للشعوب، وهذا ما تشكك به الاصوات التي ترتفع معترضة على نهج الرئيس الامريكي وطريقته في مواجهة العمل الارهابي الذي تعرضت له بلاده (تفجيرات نيويورك وواشنطن). لذلك يدعو الصلح الى ان يتمثل بوشبقادة البشرية، بل قادة الحروب، ممن ادركوا بعدما تقدمت بهم الحياة ان عظمة الحرب على الحروب لا تقل عن غار اكبر الحروب فالجنرال شارل ديجول بعد ان كللته الحرب بامجادها عاد فطلب لرأسه غارا من نوع آخر اذ جعل من نفسه محرر شعوب افريقيا من الاستعمار، كما جعل من الاصلاحات الدستورية التي ادخلها في فرنسا نفسها مصدر فخره الاساسي وسند مشروعيته في منتدى القادة والعظماء الحقيقيين. وما يصدق على ديجول يصدق ايضا على الرئيس الامريكي ايزنهاور الذي سجل له التاريخ كرئيس وبطل للسلام وما سجل له تاريخ الحروب من انجازات. وقد يكون من اهم ما خلد به ايزنهاور نفسه، وقفته اثناء العدوان الثلاثي على مصر في وجه التآمر الدولي البريطاني ـ الفرنسي ـ الاسرائيلي عليها وعلى العرب وتاريخ القضية الفلسطينية وحركة التحرر العربي، يحفظ للرجلين الكبيرين، ديجول وايزنهاور انهما بحس العدالة عندهما ادركا ان تقريب منطقة الشرق الاوسط من السلام العادل ليس مصحلة لهذه المنطقة فقط، وانما هو مصلحة للعالم ايضا. ويذهب الصلح الى ابعد من ذلك، داعيا بوش الى ان يدرس جيدا تجربة خصمه السياسي بيل كلينتون الذي توصل في نهاية عهده الى قناعة عميقة بوجوب اقامة سلام حقيقي في فلسطين، وبذل اقصى جهده في محاولة حل عادل للقضية الفلسطينية، بل انه اتى بنفسه الى فلسطين متظللا والسيدة زوجته العلم الفلسطيني، في اشارة منه الى ان منطقة الشرق الاوسط لن تهدأ الا باقامة دولة فلسطينية لا تزال تجري علهيا الآن اكبر مؤامرة. ثم يستدرك قائلا وموضحا: صحيح ان بوش لم يتقدم نحو الاعتراف بضرورة قيام دولة فلسطينية الا تحت تأثير حساباته، الافغانية، الا ان هذا الاعتراف، كما سيرى في المستقبل، هو خيرما فعله لنفسه ولذكره في السياسة الخارجية، والخوف كل الخوف من ان تعود معركته مع الافغان فتعطل الخطوة الجيدة التي خطاها نحو الفلسطينيين. فاكبر خطأ يمكن ان يقع فيه هو او غيره، هو التصور بان التقدم على ارض افغانستان هو عملية عسكرية صرفة، وان الطائرات والمدافع قادرة على ان تفعل كل شيء، لقد مضى الزمن الذي كانت فيه الحروب هي الوسيلة الصالحة لبناء العلاقات الدولية.