الملف السياسي: جددت امريكا ما كانت تعلنه في الماضي بتوجيه اصابع الاتهام لكل من العراق وايران وكوريا الشمالية، بأنها دول تمثل خطراً عليها وعلى حلفائها زاعمة امتلاكها صواريخ بعيدة المدى، واخرى لديها قدرات نووية، وثالثة ترعى وتساعد الارهاب والتطرف واطلقت عليها على «محور الشر» على لسان رئيسها، لكن هذه المرة تختلف عّما سبق، فقد انفتحت شهية الرئيس الامريكي «بوش» بعد استعراض عضلات قواته العسكرية في سماء وأرض افغانستان، بعد ان قدمت له اسرائيل المقبلات والمبررات، ويحدث ذلك في ظل التأييد بالصمت الذي تلفه مشاعر الخوف والمصالح، من قبل انظمة مختلفة في العالم تخشى خسارة صداقة العم سام، خاصة في دول يقبع على رأس حكوماتها قادة هم ابعد ما يكونون عن تطبيق الحد الادنى من قواعد الديمقراطية، والدعم العسكري والسياسي لقوات تحالف غربية، ساهمت بالعتاد والسلاح والجنود لما لها من ارتباطات استراتيجية بامريكا، خاصة تلك التي ترد جميلاً تاريخياً في مساعدة امريكا لها في حرب التحرير من المستعمر الالماني في الحرب العالمية الثانية، وحصولها على مساعدات مشروع مارشال. حول بوش وما اسماه بـ «محور الشر» اجرى «الملف السياسي» تحقيقات في كل من «بروكسل.. برلين.. لاهاي» مع عدد من الخبراء في الشئون الاستراتيجية الدولية نتعرف منهم عن جذور وابعاد التحول الامريكي الذي يلقي بالاتهامات ويهدد العالم باعلانه اتاحة كل الخيارات امامه للتعامل مع دول وصفها ب«الشر»: يقول الخبير العسكري «ميشال جولبين» في بروكسل إن الاتحاد الاوروبي يرفض بث الروح من جديد في سياسة المحاور بالعالم، وهو بدوله الـ 15 يتعامل مع ملف الارهاب من منطق يتفق مع الهدف الامريكي، إلا ان المنهج الاوروبي يختلف تماماً حيث ترى اوروبا ان ما يحدث في العالم الآن والذي بدأ عقب ضربات 11 سبتمبر مرحلة لابد وان تنتهي فلا توجد مصالح من جر العالم لمحاور وتكتلات جديدة تعيد زمن الحرب الباردة التي لو حدثت ستكون هذه المرة ملتهبة، وستحرق دولاً ومناطق كثيرة، ليست فقط ما وصفته امريكا «بدول الشر» بل غيرها في مناطق ربما تكون حتى بعيدة عن ذهن الساحة الاعلامية الدولية حتى الآن. ـ هل هذا الرفض الاوروبي لتقسيم العالم لدول «خير» واخرى «شر» يعتبر بداية مرحلة جديدة لتخلي اوروبا عن تحالفها الى جانب امريكا؟ ـ اوروبا لن تعلن علانية عن موقف تخليها عن تحالفها مع امريكا ولذلك اسباب تاريخية، وارتباطات استراتيجية لا يمكن وفقا للظروف الحالية ان تتغير بدرجة 180 درجة، حتى وان كانت ترغب اوروبا في ذلك، لكن سنرى بالفعل.. ولهذا مؤشرات سياسية قد بدأت.. سنرى مواقف وافعالاً اوروبية توضح مراجعة تبين عدم استمرار اوروبا في ركوب السفينة الامريكية، وموافقتها على استعداء شعوب الدول النامية «ايران، العراق، كوريا الشمالية» ضد الغرب. ـ وهل لدول الاتحاد الاوروبي القدرة او الثقل السياسي لتقول للادارة السياسية في واشنطن لا؟ ـ لن تقول لا.. لكن الاتحاد كمؤسسة سياسية آخذة في التوسع، ووحدة اقتصادية اصبحت لها ملامح فاعلة، وستكون اكثر فاعلية في المستقبل، ستعبر ببوصلة المصالح عن اكثر من كلمة لا، الامر الآخر هو ان الاتحاد الاوروبي ليس تابعا اعمى، وان كان البعض يخلط الاوراق، ويعتقد ان اوروبا تقول او تفعل دائما ما تريده امريكا. ويقول «فراي بورج» مستشار اعلامي في السياسة الدولية ببرلين لقد احترقت اصابع المانيا في حروب عالمية، واكتوت المانيا بنار انفصال شرقها عن غربها لسنوات طويلة، وهي تجارب لا اعتقد بأن المواطن الالماني يتمنى تكرارها، وعلى الرغم من مشاركة المانيا وتحالفها مع امريكا في حربها ضد الارهاب في افغانستان، إلا ان الساعات الاخيرة شهدت موقفا واضحا للحكومة الالمانية، حيث خرجت اصوات من وزارة الخارجية الالمانية، حذرت من ضرب امريكا للعراق، وهي واحدة من الدول التي وضعها الرئيس بوش في محور الشر وحذرت اصوات من حزب الخضر الموجود في الائتلاف بالسلطة من خطر تصفية الحسابات مع العراق، والتذرع بمحاربة الارهاب لتوجيه ضربات عسكرية لهذه الدولة، وليس معنى ذلك تأييد المانيا للسياسة العراقية او رئيسها صدام حسين، إلا ان المسألة هي مبدأ سياسي، فالمانيا شأنها شأن دول اوروبية شريكة لها في عضوية الاتحاد الاوروبي، لا تريد ان تتطور الصراعات وتتسع رقعة الحرب في العالم، لان في الحرب دائما خسارة كبيرة للشعوب، وحتى الدول المنتصرة عسكرياً. ـ هل تعتقد ان الشرق الاوسط هو المنطقة المحتملة لعمليات عسكرية جديدة بعد الانتهاء من افغانستان؟ ـ اتصور ان الوضع سيقف عند حد التهديدات لتحقيق مصالح سياسية واستراتيجية وربما لانهاء بعض الملفات.. فقد رأينا المرونة السياسية التي ابدتها الحكومة العراقية، واعلان استعدادها للحوار مع الامم المتحدة بدون شروط، عقب خطاب الرئيس الامريكي بوش، واختراق عدد من الطائرات البريطانية والامريكية لسماء العراق، ولو صدقت النوايا العراقية وعادت لتسمح بدخول المفتشين الدوليين، تكون بذلك اضاعت على امريكا فرصة النيل منها، ووفرت على نفسها مغبة الضربات العسكرية. ـ هل هذه اجابة عن سؤالي؟ ام انك تبلغ رسالة وكأنها تهديد؟ إما دخول المفتشين او الضرب؟ ـ هذا هو حال السياسة.. قاسية..، لكن لو اجاد الطرف الضعيف اللعب بأوراقها، فإن لم يكن يقدر على الخروج منتصراً من جولة، فهو بالتأكيد يستطيع ان يخرج غير مهزوم، وهذا يعتبر نصراً للجانب الاضعف، طبعا انا اتحدث عن العراق كنموذج لدولة في وضع عالمي صعب، وذكرت لك ان الوضع سيقف عند حد التهديدات لتحقيق مصالح سياسية واستراتيجية، وربما لانهاء بعض الملفات، مثلا: دفع سوريا لاستئناف جولة مفاوضات سلام مع الاسرائيليين، او نزع التزام سياسي من حكومة طهران بعدم تقديم مساعدات لحزب الله في لبنان بشكل خاص. أما الدكتور «اندري فان فيلد» خبير السياسة الاوروبية الامريكية في لاهاي فيؤكد بأن الحوار نصر للسلام، والرصاص لا يحصد إلا الشر، كما ان جانباً ليس بالقليل ومؤثراً في الادارة السياسية في واشنطن غير راض تماما عن لهجة العداء التي وردت في خطاب رئيسها بوش، إلا انه من غير اللائق ان تعلن ذلك جبهة الرفض، لاسباب اهمها ان امريكا كلها تشعر بأنها نسر جريح، عليه ان يثأر لكل ما يهدده، في الوقت الذي يلتقط فيه انفاسه من جديد. ـ ما هو موقف اوروبا من تجاهل امريكا لمعايير سياسية، وحكومة واشنطن تأخذ مبادرات معلنة انها على استعداد للتصرف بمفردها في الحرب ضد دول اطلقت عليها اسم «الشر»؟ ـ ومن قال ان امريكا تتجاهل معايير سياسية.. واشنطن تحاول دائما تطويع المعايير والآليات السياسية والعسكرية والاعلامية في اوروبا، ولو تمكنت في مناطق اخرى بالعالم، وهذا هو منطق القوى، وسياسة القوة، وان كانت اوروبا لا تختلف مع امريكا في تطويق الارهاب وضربه، إلا ان اوروبا اتبعت سياسة مختلفة، وهي مستمرة فيها عن طريق تطوير الاساليب الامنية، واعتقد ان الدول التي تشعر بتهديد امريكا لها، مثل العراق وايران فعليهما الدخول في حوارات بشفاقية سياسية، واثبات انهما ابرياء من وصف الشر، باعلان سياسات جديدة. ـ هل تعتقد لو بدأت امريكا حربا في الشرق الاوسط ضد العراق مثلا ان اوروبا ستقف مع واشنطن ام سيكون لها موقف آخر؟ ـ اعتقد ان اوروبا قد بدأت بالفعل في انها تفضل عدم الحرب، لكنها ستبقى حليفا صادقاً لامريكا، وليس معنى ذلك الحرب بجانبها، فمن الممكن ان يؤثر الصديق على الطرف الآخر، لتحويل مسار سياسته نحو السلام.. ونحن نتمنى ذلك.