الملف السياسي: ثمة من يعتقد ان الرئيس الامريكي جورج بوش الابن قد سقط عمليا في الفخ الاسرائيلي الذي نصب له منذ الحادي عشر من سبتمبر عندما قسم العالم الى معسكرين معسكر بقيادة واشنطن يضم تحالفا دوليا واسعا سمّاه، معسكر الدول المتحضرة والديمقراطية، وافترض ان كل من هو ليس مع واشنطن فهو مع المعسكر الآخر اي المنضوي تحت لواء الارهابيين او حماتهم ومساندتهم. لم يستمر الامر طويلا حتى اكتشفت الادارة الامريكية مدى ضحالة هذا التفكير وسطحيته لان العالم الكبير والمتنوع والمتعدد الذي عانى اصلا من الارهاب طويلا قبل ان تتعرض له امريكا في 11 سبتمبر ساير واشنطن وصبر عليها وربما ساعدها في مجالات ومستويات مختلفة لتخرج من محنتها «القومية» لكنه لم يرضخ تماما الى تقسيمها التعسفي للعالم، فاشتاطت تل ابيب غضبا وهي صاحبة الفكرة الاصلية، وحاولت جاهدة ان تجبر العالم عنوة ليساوي المقاومة بالارهاب ظنا منها انها ستأخذ حصة الاسد من معركة الانتقام لـ 11 سبتمبر الامريكية فتصفي القضية الفلسطينية من خلال سحق انتفاضة الشعب الفلسطيني تحت يافطة مكافحة الارهاب!! تأزيم العالم ويأتي خطاب بوش الاخير الذي يقسم به العالم الى محور للخير وآخر للشر حيث العراق وايران وكوريا الشمالية في المحور الثاني بمثابة البديل الذي تسعى من ورائه تل ابيب الى تحقيق ما فشلت في تحقيقه في التقسيم او الاستقطاب الاول. وسواء كان هذا التقسيم من مبتكرات القيادة الاسرائيلية واللوبي الصهيوني الذي يفرض على الادارة الامريكية قليلة الخبرة في معرفة العالم، او بمثابة تقرب امريكي من استراتيجية القادة الاسرائيليين في اطار حرب «حضارية» باتت مكشوفة من جانب ارباب نظرية «نهاية العالم» الرأسمالية الليبرالية الامريكية ضد كل من هم ليسوا على الطريقة الامريكية وفي مقدمتهم المسلمون والعرب، فان الشماعة المناسبة للاطروحة الامريكية ـ الصهيونية هي اسلحة الدمار الشامل ورعاية الارهاب وتصديره! ايا تكن الدوافع الاستراتيجية وراء هذا الخطاب الامريكي فان بوش كان بحاجة ماسة على ما يبدو لهذه المرحلة الجديدة من التوتر العالمي للاسباب التالية: اولا: ان كبار مستشاريه العسكريين الثملين جراء النصر العسكري السهل فوق الارض الافغانية من جهة والذين يشعرون في الوقت نفسه بان انتصارهم هذا سيظل منقوصا اذا لم يمسكوا بهيئة اركان الشر جميعا حسب تصنيفهم للعالم، ومن جهة ثانية باتوا يلمحون عليه بضرورة المضي بالاستراتيجية الحربية الثقيلة والمكثفة بعد ان قوي جناحهم الموصوف بالصقور داخل الادارة الامريكية المنقسمة على نفسها. ثانيا: ان حالة الركود المتنامي التي يعاني منها الاقتصاد الامريكي منذ 11 سبتمبر والخسائر الفادحة المتوالية للشركات الكبرى الممثلة في مصالحها الهامة في رأس الهرم القيادي الامريكي، ودخول بعض هذه القيادات ومن بينها نائبه ديك تشيني في ازمة افلاس متفاقمة لبعض فروع نشاطاته الاقتصادية كما هي الحال مع شركة ـ انرون ـ والتي يقال انها قد تفضي الى فضيحة تشبه فضيحة ووترجيت الشهيرة، بالاضافة الى انخفاض فاضح لقيمة الدولار الامريكي الحقيقية كلها اسباب تدفع الى ضرورة ابقاء العالم متوترا سياسيا الى حين استعادة الاقتصاد الامريكي عافيته. ثالثا: ان الدفاع عن القاعدة الامريكية المتقدمة في الشرق الاوسط وهي اسرائيل واخراجها من مستنقع توازن الرعب الذي حشرت نفسها فيه منذ تسلم شارون السلطة في تل ابيب يتطلب رفع وتيرة الحرب على الخصوم التقليديين لنظام الدولة العبرية من جهة وتوسيع رقعة الحرب على من هم في قائمة محور الشر من وجهة نظر امريكا واسرائيل من جهة اخرى. حيث ان من شأن ذلك ان يخرج جنرالات تل ابيب من ورطة استقطاب توازن الرعب بينهم وبين الانتفاضة الفلسطينية. أفغنة الشرق الاوسط غير ان جورج بوش ومستشاريه العسكريين المحابين لسياسات تل ابيب الجهنمية سيبدون اكثر بؤسا مع الايام وهم يطبقون سياسة «افغنة» الشرق الاوسط، فلا ايران ولا العراق شبيهة بافغانستان لتكون لقمة سهلة عليهم، ولا توسيع رقعة التهديدات لتصل الى كوريا بقادرة على ان تخدم المصالح القومية الامريكية. فالعالم الذي تشكل حول القيادة الامريكية في محور مكافحة الارهاب غداة اعلان الحرب على الطالبان والقاعدة سرعان ما سينفض عن واشنطن ويتفكك ذلك الائتلاف الواسع حتى قبل ان تطلق واشنطن طلقة واحدة على «محور الشر». وقد بدأ هذاالانفضاض واضحاً من خلال مواقف المجموعة الاوروبية والصين وحتى روسيا وبريطانيا. انها سياسة «غبية وحمقاء» فعلا تلك السياسة الامريكية التي يقودها جورج بوش الابن تجاه الشرق الاوسط كما وصفها مسئول في الخارجية الامريكية. انها سياسة لم يعد بامكان حليفهم القديم المملكة العربية السعودية الدفاع عنها، كما قال ولي العهد السعودي الامير عبدالله بن عبدالعزيز انها سياسة اخرجت حتى الرجل الوديع والسياسي المعتدل والمنفتح على العالم وصاحب نظرية او مبادرة «حوار الحضارات» الرئيس محمد خاتمي عن طوره، ودفعته ليعلن «نهاية مبكرة لشهر العسل الامريكي ـ الايراني» الذي كانت تعول عليه واشنطن مع معتدلي طهران، بعد ان وصف الرئيس بوش وسياسته باشنع واقبح الاوصاف، اذ قال عنه بأنه «اسوأ من اسلافهم، كما اثبت انه ليس بقادر على ان يتعلم دروساً في التاريخ» ناهيك عن انه طالب الشعب الامريكي العظيم بأن يسوي حساباته مع اولئك الساسة الذين يروجون للحروب والعنف باسم السلام وللقمع باسم الحريات والذين يستغلون حوادث 11 سبتمبر اسوأ استغلال على حساب المصالح القومية الامريكية واضعين انفسهم في الفخ الصهيوني. ان مجموع المؤشرات والقرائن التي اطلقتها واشنطن عبر خطاب «رئيس الجنرالات» الحربي تفيد بأن العالم يتجه بسرعة الى معايشة حرب قريبة في الشرق الاوسط سوف يكون محورها القضية الفلسطينية، سواء كان مسرحها الاول منطلقاً من الهجوم المتوقع على بغداد او انتشار النار الاسرائيلية خارج فلسطين المحتلة عبر لبنان وسوريا، ولن يسلم منها اي قطر شرق اوسطي بسهولة. وان من شأن هذا المشهد الشرق اوسطي ان يفتح الاحتمالات على مصاريعها لعودة سياسات الاحلاف والمحاور والتكتلات العسكرية في الغالب، ولا يستبعد ان تكون هذه التحولات بداية انحسار نفوذ الامبراطورية الامريكية في الشرق الاوسط لحساب حلفائها الاوروبيين او الصين واليابان. ـ كاتب ومحلل سياسي ايراني