الملف السياسي: دخل بوش إلى الكونجرس كأحد قياصرة روما في عنفوانها يرفل بوهج النصر ويستظل بأكاليل التأييد من سكان روما الجديدة، فقد أضاف إلى ممتلكات الإمبراطورية مقاطعة جديدة، وأدب متمردا آخر جاعلا منه عبرة لكل من تداعب مخيلته أن لا ينحني منفذا أتاوى الإمبراطورية.وكقيصر روما القديمة، يدرك قيصر روما الجديدة أن ميزان قوته العسكرية، وإن طغى على كل موازين القوة العسكرية لخصوم الإمبراطورية الجديدة، لكنه يدخل الآن إلى ميدان حسابات القوى فيه مختلفة، فالنخبة الأمريكية الحاكمة ترى أن اللحظة الراهنة ليس لها مثيل في التاريخ قديمه وحديثه من حيث أنها فرصة لإحكام قبضتها على مفاصل القوة بإطلاق، فلا تعد تقلق لمنافس قادم أو تأبه لشكاوى دول تعتقد أنها كبرى. بيد أن ذلك يحتاج إلى موارد، وبالرغم من غنى الولايات المتحدة الذي يعظمه آلة اقتصادية ضخمة فعالة في الداخل ومتمكنة من امتصاص الكثير من موارد الخارج لكنها لا تفي في آن بكل متطلبات فئات المجتمع وتسيير شئون إمبراطورية تتباعد حدودها باستمرار. وعند حافة الهوة التي تفصل ثروة ودخلا النخبة عن بقية فئات المجتمع تتطلع الملايين من الأمريكان إلى مسارب الإنفاق التي تجري نحوها يحدوها الأمل أن تراها ممتلئة بعد أن رأت على مدى سنوات طوال مسيل الإنفاق يتضاءل حتى كاد أن يجف.فملايين منها تعيش في الفقر لعقود، وأخرى ممن كانت تنام مطمئنة إلى بحبوحتها استفاقت على انحدارها إلى دائرة الحرمان.ولكن نواقيس الإنذار بدأت تقرع في لحظات الرخاء إلى أن ملايين «3،23 مليون» من الأمريكان قد دقت أبواب الجمعيات الخيرية في العام الماضي طلبا للغذاء، وأن كثيرا ممن استجدوا الطعام يعملون، أي أن ما يحصلون عليه من أجر لا يمنعهم من الجوع ولا يصد عنهم الحرمان.ويفاقم من بؤس الفقراء ولوعة الجوعى أزمة اقتصادية ألقت بمئات الآلاف من العمال إلى طوابير الباحثين عن عمل أو الطالبين للغذاء. تحريك مكامن الخوف وفي أمسية الانتصار كان على بوش أن يقنع الملايين من الأمريكان لماذا سيطول انتظار الجوعى وصبر الفقراء.ولم يحتج إلى جهد مضن حتى يجد تعويذة السحر التي تلقي بالجماهير إلى غيبوبة القبول وإلى رضا الانقياد، فهي تعويذة لا تبلى بكثرة الاستعمال ولا تتآكل بطول العهد لأنها تخاطب أكثر الغرائز حساسية في الإنسان.فقد حرك من جديد مكامن الخوف التي أثارتها أحداث «سبتمبر»، فهو لا يريد لها أن تتلاشى لأنها أصبحت ذريعة مجسدة لكل ما يريد أن يحمل الناس عليه، وإلى ما يرغب أن تتبعه الجماهير إليه.ففي خطاب الكره الذي ألقاه بشر جماهير شعبه بأنه سيحميهم من المخاطر المحدقة بهم، وأنه سيمنع عنهم كل أذى يدبره أعداء أمريكا لهم.ولكنه حتى يتمكن من مقاصده عليهم أن يقبلوا بزيادة الإنفاق على أمنهم.فجل الخطاب تبرير ومعظمه تسويغ لما ستقدم عليه الإدارة الأمريكية من زيادة إنفاقها العسكري.فمقصود خطابه الداخل وإن كان موضوعه الخارج. فالخارج في معظمه شر يحيط بأمريكا ولا يرى ضرورة أن يبرر أو أن يعقلن له دوافعه، بل الداخل هو المعني بالخطاب حتى يحظى بقبوله أو بسكوته.وقد يتساءل المرء لم لا يحتاج إلى شرح أغراضه للعالم من حوله لعله يرضى منهم بالفهم إن لم يكن بالقبول.ولعل الإجابة واضحة في أن ما ينطلي على الداخل لن يستسيغه العالم.فمن في العالم يمكن أن يهضم مقولة أن الولايات المتحدة في حرب تعادل صراعها مع الاتحاد السوفييتي في حينه.ومن سيضلل بأن الحرب ضد بعض دول صغيرة أو جماعات قليلة تحتاج إلى زيادة في الموازنة العسكرية «48 بليون دولار» أكبر من مجموع موازنتي الصين وروسيا معا «حوالي 43 بليون دولار».ومن سيصدق أن الموازنة العسكرية الأمريكية الحالية قبل الزيادة «350 بليون دولار» التي هي أكبر من مجموع الموازنات العسكرية للدول التي تلي أمريكا في الإنفاق العسكري لا تكفي لمواجهة الأخطار الحالية.ثم من يتصور أن البلدان التي سماها الرئيس الأمريكي يخطر على بالها أن تتحرش بالولايات المتحدة وهي تعلم أن لدى أمريكا من القوة ما يدمرها عديدا من المرات. القوة نسبية فأمريكا من القوة في الوقت الحاضر ما تجعل الأقوياء يخطبون ودها ويتجنبون شرها.وقوتها ممتدة في كل أنحاء العالم على شكل قواعد ثابتة على أراضي كثير من البلدان أو قواعد متحركة تحيط بالبلدان ضعيفها وقويها التي لا ترى رأيها.فإذا كانت بهذه القوه فلم المزيد منها طالما أن الحالي يحميها ويفي. والجواب على ذلك يكمن في أن أمريكا تعرف أنها القوة الأعظم في العالم ولكنها ليست القوة الأوحد.فهي تستطيع أن تحمي نفسها دون ريب، وتقدر أن تفرض سياساتها على معظم الدول وأن تؤثر على سياسات الدول الكبرى.لكنها لا تستطيع أن تفرض تماما قوانينها على كل بلدان العالم، فبعض الدول وإن لم تكن في قدراتها مكافئة لطاقات أمريكا لكنها تستطيع أن تؤذيها إن عن لها تلحق بها الضرر.فبعبارة أخرى، فإن قوة أمريكا نسبية وليست مطلقة.كما أن أمريكا تعرف أن تفردها في العالم سيحفز الآخرين للحاق بها ومجاوزتها.فمسئوليتها إذن أن تمنع المنافسة والتحدي لهيمنتها مستقبلا أو على الأقل أن تطيل قدر ما يتاح لها هيمنتها وتفردها بشئون العالم.ولأجل أن تحصل على القوة المطلقة فهي تخطط لبنية عسكرية تطال القاصي والداني دون أن تحرك جيوشا، وتحرق من علياء أقمارها كل هدف جاثم أو طائر، وتسقط كل شهاب في سمائها.فإن تمكنت من ذلك، فستسارع البلدان كبيرها وصغيرها إلى تقديم طاعتها والانصياع لأهوائها. وحينذاك، فهي لن تصل فحسب إلى نهاية التاريخ بأن يكون دينها دين الناس وطراز عيشها كعبة الناس، ولكنها تتصور أنها ستلغي ناموسا إلاهيا يدفع الناس بعضهم ببعض حتى لا ينفرد أحد في الأرض فيكون في ذلك إفسادها. ولكنه يخفى عليها أن مرامها حتى لو قيض لها يحمل بذورا نقيضه في داخله.فإن سقطت الدول في قبضتها فإنها تكون حينذاك قد سقطت في نفوس جماهيرها، وستتحول إمبراطوريتها الشاسعة إلى كهوف ومغاور تقض مضجعها وتدفعها دفعا إلى ما وراء أسوارها. وإلى جانب توق النخبة الأمريكية إلى أن تحكم العالم من خلال قوة عسكرية مطلقة، فإن الإنفاق العسكري هو تعويض لشركاتها الكبرى عما يلحقه الكساد العالمي من أضرار بأرباحها، فقد أدت الأزمة الاقتصادية الراهنة إلى ركود قطاع الصناعات التكنولوجية وإلى توقف انسياب الاستثمارات إليه، وهذا القطاع يشكل في المرحلة الحاضرة قاطرة النمو الاقتصادي الأمريكي ومفتاح تقدمها.وقد حاولت الإدارة الأمريكية إنعاشه من خلال خفض أسعار الفائدة لتشجيع تدفق الاستثمارات إليه لكن ذلك على ما يبدو لم يجد نفعا. وكان لا بد من الإنفاق الحكومي لإعادة الحيوية إليه.ولقد كان دائما ديدن الحكومات الأمريكية المختلفة دعم الأغنياء من خلال الإنفاق العسكري أو الدعم الزراعي، ولكن الحكومة الحالية تتقد حماسا لدعم الأغنياء.وهي تقوم تحت جنح مكافحة الإرهاب بهذه المهمة. الثأر من صراع المصالح وخلافا للمرحلة السابقة لما يسمى بمكافحة الإرهاب، قام الرئيس الأمريكي بتعيين محور الإرهاب بشكل واضح في دول ثلاث لا يجمعها إلا ناظم العداء الأمريكي لها.فلم التخلي عن العمومية والضبابية التي كانت محور الحديث الأمريكي على أعلى المستويات.والظاهر أن هناك أسبابا عدة لذلك.فمحاربة الإرهاب في المرحلة الأولى تم تشخيصها في القاعدة وأسامة بن لادن، وفي هذه المرحلة فليس هناك من جماعة أو فرد يثير غريزة الخوف ومكنون الحقد مثلهما. ولذلك لا بد من استمرار وكز مشاعر الأمريكيين وتنمية الإحن المخزونة وحثها على طلب الثأر، وليس هناك من دول زرع الغضب في نفوس الأمريكيين ضدها كهذه الدول الثلاث.لكن للحكومة الأمريكية في تعيين إيران والعراق وكوريا الشمالية مآرب أخرى.فعدا مطالب الثأر القديم فإن مواقف إيران من إسرائيل تزعج أمريكا منها.لكن أمريكا تنفر من التحالف الروسي الإيراني في أفغانستان الذي يعطل قطافها لثمار حملتها هناك، فتشنيعها على إيران في نشاطها في أفغانستان لهو تحذير مبطن للروس وللصين أيضا.وضم كوريا الشمالية إلى محور الشر يقع أيضا في إطار التشويش على الصين.ولا يستبعد أيضا أن يكون ضم إيران وكوريا الشمالية إلى العراق جزءاً من المساومة مع الأوروبيين وروسيا والصين واليابان وبعض البلدان العربية من أجل الحصول على موافقتهم على ضرب العراق مقابل عدم توسيع حملتها.ولو صح ذلك فإن عمر التجاوز عن هذين البلدين لن يطول ولو من باب التهويش. فأمريكا تتصنع الجنون حتى تشتري البلدان تعقلها، وهي تقصد خلق الاضطراب وبث الفوضى حتى تبيع الاستقرار بثمن، وهي تواصل حروبها كي تستجيب الدول لشروطها.وهى كالنار في نمط سلوكها تطلب المزيد باستمرار. ولقد علمتها التجارب الأخيرة أنها على حق فلم تستبدل طريقة قد أثبتت التجربة نجاعتها. وهاهي طريقتها تكاد تعطي أكلها فنحن نقف على مشارف أوسلو جديدة للقضايا النهائية. ـ الرئيس السابق لبعثة الجامعة العربية إلى واشنطن