من الشهر المقبل قد لا تبدو للمراقب من عوامل الصدف البحتة، وهي ليست كذلك بالنسبة لشارون بعد ما اشارت مصادر معلومات مختلفة، إلى أنه عمل جاهدا أن يتم ترتيب زيارته لواشنطن وبسرعة وفي هذا الوقت بالذات، لاعتبارات تتصل بالوضع الداخلي في إسرائيل من جهة، ولبحث الخطوات اللاحقة والمشتركة اتجاه الموضوع الفلسطيني، وعملية السلام في المنطقة بشكل عام. توقيت الدعوة له صلة أيضا بالمواقف التي اتخذتها الإدارة الأمريكية مؤخرا، وهي مواقف غير مسبوقة تجاه الرئيس الفلسطيني، والسلطة الوطنية الفلسطينية، منذ أن تولدت علاقات سياسية ما بين منظمة التحرير «م ت ف» وواشنطن، والمواقف التي اتخذتها إدارة الرئيس بوش الابن، تذكر وإلى حد بعيد بتلك المواقف والسياسات التي كانت تلجأ لها الإدارات الأمريكية السابقة في عهد الحرب الباردة وقبل نشوء العلاقات المشار إليها، بفعل انخراط م. ت. ف في مسار العملية السياسية التي انطلقت من مدريد اكتوبر 1991. وطاقم مجلس الأمن القومي للإدارة الحالية لا ينتمي فكريا وأيديولوجيا حقيقة إلى تلك المدرسة القديمة، أي مدرسة الحرب الباردة فحسب، وإنما ينتمي بمعظم أفراده من ناحية التجربة، والسن والدور، والمواكبة إلى تلك الحقبة السوداء المليئة بالحقد والكراهية تجاه حركات التحرر الوطني في دول العالم الثالث، والتي لا ترى فيها هذه الأوساط سوى قوى معادية بالفطرة للولايات المتحدة، ومصالحها وتنتمي إلى عصر الشيوعية. وهذا الفريق الذي يستند إليه رئيس الولايات المتحدة الأمريكية قليل الخبرة والدراية في السياسة الدولية والخارجية، يجد في تل أبيب حكومة تتلاقى معه، وتتفق من حيث المنطلقات الأيديولوجية والفكرية، وكذلك من حيث الانتماء لذلك الجيل البائد من بقايا الحرب الباردة. لذلك لم يكن بمستغربا أن تروج وسائل الإعلام الإسرائيلية وبعض وسائل الإعلام الأمريكية المرتبطة باللوبي اليهودي في الولايات المتحدة الأمريكية، وقبل اجتماع مجلس الأمن القومي بالخيارات المطروحة أمام الاجتماع، وما هي العقوبات التي يتعين على المجلس اتخاذها بحق الرئيس عرفات، والكيان الفلسطيني، في إشارة وكأن هذه السياسات تصنع وتفبرك في تل أبيب وتمرر في واشنطن للمصادقة عليها وتنفيذها، والعقوبات المطلوب ايقاعها على تهم جاهزة، لم تثبت الوقائع ولا التحقيقات صحة تورط الرئيس عرفات أو أجهزته بشكل مباشر في قضية الباخرة المزعومة، أو عن تقصيره في اداء دور مطلوب منه، ملخصة ضرب البنية التحتية لمنظمات تعتبرها واشنطن وتل أبيب إرهابية، في حين أنه لا تتاح له الفرصة حتى لو اراد القيام بهذا الدور أن يقوم به بفعل واقع الحصار المضروب عليه شخصيا، وعلى المدن والقرى، ناهيك عن الاتصال بين قطاع غزة والضفة الغربية، علاوة عن أن البنية التحتية للإرهاب بنظر شارون لم تكن سوى البنية التحتية المادية، والبشرية للسلطة الوطنية الفلسطينية، وأجهزتها العسكرية والأمنية. وهي البنية الأداة المفترض أن تقوم بذاك الدور المطلوب من ياسر عرفات القيام به. لقد بدا واضحا أن الإدارة الأمريكية حين صادقت لشارون على خطته بشن الهجوم على السلطة الوطنية الفلسطينية لم تكن تريد تقويضها وإنهائها، لأن ذلك يضرب كافة الترتيبات السياسية والأمنية على المستوى الإقليمي التي سعت الولايات المتحدة لانجازها منذ تصدرها لقيادة النظام الدولي الجديد. بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ومنظومة الدول الاشتراكية مطلع تسعينيات القرن الماضي، وهي تدرك إن الاخلال بهذه المعادلة في المنطقة من شأنه أن يدخل الفوضى إليها وقد يعرض مصالحها لمخاطر يصعب التكهن بمدياتها ومستوياتها. غير أن شارون الذي اراد استثمار الضوء الأخضر الأمريكي إلى آخر مدى، والمضي في تدمير السلطة الوطنية الفلسطينية، وإنهاء الكيانية الفلسطينية كتعبير عنها، ومحاولة فرض الاستسلام على الشعب الفلسطيني بفرض حل هو اقرب ما يكون بصيغ الالحاق والنظم الكاريكاتورية المنزوعة السيادة والاستقلال. وفي سبيل ذلك اعتقد شارون واهما أن تشديد إجراءات الحصار والعزل واتباع سياسة الأرض المحروقة، من الممكن أن تولد وضعا داخليا فلسطينيا تتصدره بعض الفئات الطبقية التي ارتبطت مصالحها بشبكة من العلاقات المتداخلة مع إسرائيل، والولايات المتحدة، وإن ممثلي هذه الفئات ممن يسميهم القيادات الشابة، العقلانية والبراجماتية، سيأخذون على عاتقهم تغير النظام السياسي، والبنية السياسية الفلسطينية. بيد أن سقوط الرهانات على احداث التغير المطلوب والمأمول في بنية النظام السياسي الفلسطيني من داخله، قد اسقط في يد شارون وحلفائه في واشنطن، لكن هذا لا يعني وفي المدى المنظور تراجعا عن هذا الخيار، بل سيبقى مطروحا على أجندة الأعمال المشتركة فيما بينهما، وسوف يسعى كل منهما لإعادة تقويم الموقف وطرح البدائل التي تؤدي إلى الوصول لهذا الهدف الذي ستتم في سياقه تغير أهداف الشعب الفلسطيني، وتغيب حلمه في الحرية والاستقلال الوطني. لذلك فإن دعوة شارون لواشنطن وإن كانت تأتي تباعا بعد حضور شيمون بيريز المؤتمر الاقتصادي السنوي في نيويورك وما يتبع من لقائه مع وزير الخارجية كولن باول وعدد غير معروف من المسئولين الأمريكيين. توفر للإدارة الأمريكية فرصة مهمة، للإطلاع على جانب من جوانب صنع القرار في حكومة شارون الائتلافية. كما وإن زيارة وزير الحربية بنيامين بن اليعازر والتي ستتم قبل يوم واحد من زيارة شارون أي في السادس من فبراير المقبل. وهي زيارة معد لها قبل عدة أشهر وتأجلت مرات عديدة، سوف تتيح أيضا لواشنطن الإطلاع على الجانب الآخر من الصورة، من رجل طموح تبوأ قيادة حزب العمل أكبر الأحزاب السياسية في إسرائيل، ويسعى للوصول لكرسي رئاسة الحكومة بأي طريقة كانت، وعبر أي بوابة، وهو لا يتورع عن تبديل أي ثوب يوصله لهذا الهدف، وقد تردد أنه يحمل تصورات سياسية لإخراج العملية السياسية من مأزقها تستند على اعتماد تطبيق توصيات ميتشيل أسلوبا عمليا له. لكن وبصرف النظر عن المغزى الذي قد تشكله هذه الزيارات بالنسبة للولايات المتحدة، للإطلاع على الوضع الداخلي الإسرائيلي، وبما يمكنها من رسم سياساتها وتوجهاتها اللاحقة في إطار التحالف الاستراتيجي المعلن مع إسرائيل، بصرف النظر عن طبيعة وتكوين الحكومة التي على رأسها، فإنه سيوفر فرصة للزائرين ليعرض كل منهم نفسه على الشريك الأكبر في هذا التحالف من أجل تعزيز فرصه بالفوز بكرسي الوزارة الأولى في الانتخابات المقبلة، والتي قد تكون مبكرة بنظر العديد من المراقبين. أما فيما يخص الولايات المتحدة الأمريكية فإن إدارتها وبعد أن سلفت حكومة شارون العديد من الأوراق، بدءاً من توفير الغطاء السياسي والدبلوماسي لعدوانها إلى تقديم الضوء الأخضر بمواصلته، وصولا إلى إطلاق التهديدات بلغة الانذارات المشروطة للرئيس عرفات، فإنه وبنظر هذه الإدارة قد آن الآوان لاسترداد قيمة بعض هذه الفواتير التي قدمت، أما الولايات المتحدة، وكما هو واضح فإنها تعد العدة للمرحلة الثانية لما يسمى لحملة مكافحة الإرهاب، بعد الانتهاء من الحرب المدمرة على أفغانستان، والمرحلة الثانية سيكون مجالها الحيوي منطقة الشرق الأدنى والأوسط، والممتد من حدود باكستان شرقا إلى موريتانيا في اقصى الغرب، وفي حدود هذه المنطقة ومجالها الحيوي فإن لإسرائيل دورا تبلور بصيغ تحالفية عسكرية، وأمنية مع الحكومة الهندية الحاكمة، مرورا بالتحالف الاستراتيجي مع تركيا، وبالتواجد العسكري على مضيق باب المندب في اريتريا، وانتهاء بالعلاقات المتنامية مع موريتانيا، هذا الدور الإسرائيلي، وإن كان يندرج تحت شعار ويافطة مكافحة الإرهاب، وهو ما سعى إليه شارون سابقا بعد أحداث 11 سبتمبر، فقد كان محظورا عليه لعبه علنيا خلال المرحلة الأولى، لأنه كان سيحدث خللا في بناء التحالف الدولي الذي شكلت الدول العربية والإسلامية، قاعدته الأساسية، أما الآن فقد أصبح مسموحا ومرغوبا بهذا الدور بعد الانتهاء من ضرب افغانستان، وحسم المعركة فيها بصورة سريعة وغير متوقعة وتضاؤل الحاجة إلى الموقف العربي والإسلامي للتغطية على هذه الحملة، بل قد تكون بعض البلدان العربية والإسلامية هدفا لهذه الحملة كما تروج لذلك وسائل إعلام أمريكية وإسرائيلية عديدة. ومما لا شك فيه أيضا فإن الموضوع الأساس العلاقة مع الفلسطينيين. ومستقبل التسوية السياسية في المنطقة، ستكون واحدة من ابرز النقاط على أجندة المباحثات بين شارون وأركان الإدارة الأمريكية، والتي سوف يحسم فيها الخيار النهائي والجاري بلورته في دوائر صنع القرار سواء داخل الأوساط المقربة من شارون في تل أبيب، أو الأوساط المتطرفة في مجلس الأمن القومي الأمريكي. وهي خيارات لا تتوقف عند المسار الفلسطيني، والذي هو الأهم والمفتاح لباقي المسارات على الجبهات الأخرى، السورية ـ اللبنانية. وعلى أية حال فإن الخيارات التي جرى تداولها سابقا والتي تراوحت ما بين الإطاحة الكاملة بالسلطة الوطنية الفلسطينية، وتقويض هدف الاستقلال الوطني للشعب الفلسطيني، إلى الضغط على عرفات وقبوله إجراء تغيرات بنيوية في بنية وجسم السلطة، وتحوله لرمز سياسي، وتخليه عن صلاحياته لرموز أخرى، فإن هذه السيناريوهات ـ الخيارات رغم بؤسها وضحالة وقصر نظر منتجيها ومروجيها فإنها قاصرة عن فهم طبيعة الشعب الفلسطيني وتكوينه السيكولوجي، وعمق الشعور والكرامة لديه، وتجاربه السابقة في رفض محاولات فرض البدائل، أو الأطر الموازية لمؤسساته الوطنية الشرعية التي ارتضاها لنفسه، ودافع عنها باعتبارها المعبرة عن هويته الوطنية والسياسية. لقد خبر الشعب الفلسطيني من تجربته الطويلة والمريرة والتي دفع ثمنها غاليا، هذه السياسات وكشف بؤسها وعقمها وعرى دعاتها وأسقطهم من حساباته وإلى الأبد. ومن الآن وإلى أن ينتهي موسم الحج لواشنطن فإن الرسالة الأساس التي ينبغي للقيادة الفلسطينية، إرسالها للجميع في واشنطن، إن خيار الشعب الفلسطيني كان ومازال خيار صنع السلام، لكن السلام العادل والمشرف، والقائم على اساس تنفيذ قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية وفي مقدمتها قرارياً 242ـ 338، وهما مرتكز مؤتمر مدريد للسلام، وهدف اتفاق أوسلو، وإن لا حلول وسط عليها وحولها، وإن سياسة العدوان والإرهاب قد تستطيع ضرب وإنهاء السلطة الوطنية الفلسطينية، لكنها لن تفلح في إنهاء القضية الوطنية للشعب الفلسطيني، وإطاره التمثيلي م. ت. ف. ولن تجلب هذه العملية الأمن والاستقرار في المنطقة، وعلى الشريكين الأمريكي ـ والإسرائيلي أن يختارا إما المضي قدما في صنع السلام وعلى اساس دفع مستحقاته، والتخلي عن اوهام القوة، وإما العودة إلى المربع الأول والذي لا يستطيع أحد التكهن بصورته الجديدة، ولا ابعاده ومستوياته، لكن الأكيد إن صور ما يحدث في المدن الإسرائيلية وبشكل شبه يومي هي أحد أبرز تجلياته.